يتجه الوضع في ليبيا نحو مزيد من التأزيم قبل موعد الانتخابات المقررة في 24 ديسمبر/كانون الأول المقبل، مع إصرار مجلس النواب، على إصدار قوانين الانتخابات دون التنسيق مع مجلس الدولة، في سيناريو من شأنه تفجير الحد الأدنى من التوافق، والعودة إلى الانقسام والاحتراب.

فرئيس مجلس النواب عقيلة صالح، الداعم الرئيسي للواء المتقاعد خليفة حفتر، يتحرك بسرعة غير مسبوقة لإصدار قانوني الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، دون انتظار ما سيقرره ملتقى الحوار السياسي بشأن القاعدة الدستورية، ودون الرجوع إلى المجلس الأعلى للدولة في طرابلس.

عقيلة صالح، أعلن من العاصمة الروسية موسكو، أن صدور قانوني الانتخابات الرئاسية والبرلمانية سيكون هذا الأسبوع، ملوحا بورقة تقسيم البلاد إذا لم تجر الانتخابات في موعدها.

نظام رئاسي بلا توافق

وبمشاركة عدد قليل من النواب، يتوجه “البرلمان”، لإقرار قانون انتخاب الرئيس، بما يعني حسم طبيعة النظام السياسي دون الرجوع إلى ملتقى الحوار السياسي الذي تشرف عليه الأمم المتحدة، والمعني مباشرة بإصدار القاعدة الدستورية التي تحدد طبيعة النظام وعلى أساسها يتم إصدار قوانين الانتخابات وليس العكس.

فالنقاش المطروح بين أعضاء ملتقى الحوار السياسي، هو ما إذا كان الرئيس سيُنتخب من الشعب مباشرة أم من البرلمان، ولم يتمكن الأعضاء الـ75 لملتقى الحوار من حسم طبيعة النظام السياسي، ما إن سيكون رئاسيا أو برلمانيا.

لكن عقيلة صالح، قفز على الجميع، بمن فيهم البعثة الأممية، وملتقى الحوار، والمجلس الأعلى للدولة، وغالبية النواب المقاطعين، من خلال السعي لإصدار قانون الانتخابات الرئاسية الذي يفرض انتخاب الرئيس مباشرة من الشعب، ما يعني تبني النظام الرئاسي.

ففي 17 أغسطس/آب الجاري، أعلن متحدث مجلس النواب عبد الله بليحق، أن المجلس وافق على مشروع قانون “انتخاب الرئيس بشكل مباشر من الشعب”، رغم ما شاب الجلسات من مشاجرات بين النواب.

عقيلة صالح، كان صريحا وواضحا، عندما اعتبر أنه لا حاجة لاجتماع جديد لملتقى الحوار السياسي، الذي أخفق في نهاية آخر اجتماعاته بجنيف في 2 يوليو/تموز الماضي، في إقرار قاعدة دستورية للانتخابات.

كما أن البيان الختامي للاجتماع الافتراضي لملتقى الحوار، في 11 أغسطس، لم يخرج بنتائج حاسمة، وانتهى بالاتفاق على الاجتماع “قريبا”.

وتعثُر ملتقى الحوار أفسح المجال لعقيلة صالح، بالتحرك منفردا لفرض الأمر الواقع، وتجاوز الجميع.

حيث رفض إشراك المجلس الأعلى للدولة (نيابي استشاري) في إعداد القوانين الانتخابية، كما ينص على ذلك الاتفاق السياسي قائلا إن “مجلس النواب سلطة تشريعية تملك إصدار القوانين دون مشاركة من أحد”.

وحتى بعد تدخل البعثة الأممية وتأكيدها على ضرورة إشراك المجلس الأعلى للدولة، في صياغة قوانين الانتخابات طبقا للاتفاق السياسي، فإن رئيس مجلس النواب رد عليها بأنه “ليس لديها الحق في إصدار التعليمات والقرارات”.

إلا أن أقوى رد على عقيلة صالح، جاء من خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة، الذي خاطب المبعوث الأممي يان كوبيتش، في 15 أغسطس، يتهم فيه مجلس النواب بتجاوز بنود الاتفاق السياسي، والانفراد بمناقشة مشروع قانون الانتخابات القادمة، دون الرجوع إليه.

وقبلها بنحو أسبوعين، حذر المشري، عقيلة صالح، قائلا: “إذا كان مجلس النواب لا يريد الاعتراف بالاتفاق السياسي فهذا يعني عدم اعترافنا بمجلس النواب أصلا”.

ولفت المشري، إلى أن عدم الاعتراف بالاتفاق السياسي يعيد إلى مربع حكم المحكمة الدستورية بعدم صحة الانتخابات البرلمانية، وعدم شرعية مجلس النواب الموجود حاليا، وأن الشرعية للمؤتمر العام.

ففي 6 نوفمبر/تشرين الثاني 2014، أصدرت المحكمة الدستورية حكما غير قابل للنقض، بعدم شرعية مجلس النواب، ليستعيد المؤتمر الوطني العام (البرلمان التأسيسي) رسميا شرعيته.

لكن الاتفاق السياسي نهاية 2015، منح مجلس النواب “شرعية سياسية” لعام واحد آخر، واستحدث المجلس الأعلى للدولة، الذي ضم معظم أعضاء المؤتمر الوطني العام.

التقسيم تحت راية الانتخابات

إصرار عقيلة صالح، على الانفراد بإصدار قوانين الانتخابات وتحديد القاعدة الدستورية وتنظيم الانتخابات في 24 ديسمبر، سيقابل على الأغلب برفض المجلس الأعلى للدولة، والمجلس الرئاسي، وحكومة الوحدة، والبعثة الأممية، وأيضا الجيش الليبي في المنطقة الغربية، وثوار 17 فبراير.

هذا الصدام الصفري، مرشح أن يؤدي إلى تنظيم الانتخابات بالمنطقتين الشرقية والجنوبية، التي تسيطر عليهما مليشيات حفتر، بينما سترفض المنطقة الغربية سياسة الأمر الواقع.

وانتخابات بدون المنطقة الغربية، التي تضم العاصمة طرابلس، وأكثر من ثلثي السكان والكتلة الناخبة، لن تكون لها شرعية لا في الداخل ولا في الخارج.

وفي هذه المرحلة سينتقل عقيلة صالح إلى ما أسماها بـ”الخطة البديلة”، والتي تحدث فيها عن تشكيل حكومة في الشرق، ما سيؤدي إلى عودة الانقسام، كما كان عليه الحال قبل 2021.

فتلويح عقيلة صالح، بتقسيم البلاد، الهدف منه الحصول على أقصى تنازلات ممكنة من المنطقة الغربية، وعلى رأسها تعيين محافظ البنك المركزي من المنطقة الشرقية للتحكم في صرف أموال النفط.

والأهم من ذلك عدم عرقلة ترشح حفتر للرئاسيات، خاصة مع إصرار أغلبية أعضاء ملتقى الحوار على عدم السماح لمزدوجي الجنسية بالترشح للرئاسة، وإلزام العسكريين على الاستقالة من مناصبهم، وهو ما يرفضه اللواء الانقلابي.

فحفتر يراهن أكثر من أي وقت مضى على الانتخابات للوصول إلى السلطة، بعد أن يئس من أخذها بالقوة، خاصة في ظل الدعم العسكري التركي لطرابلس.

فالمنطقة الغربية ليس لها مرشح تُجمع عليه، بمن فيهم فتحي باشاغا، وزير الداخلية السابق.

ولا ينافس حفتر فعليا على الرئاسة سوى سيف الإسلام القذافي، الذي لمّح رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة، إلى إمكانية السماح بترشحه، قائلا إنه “مواطن ليبي، وابن قبيلة مهمة في ليبيا، وليس لديّ أي اعتراض على ترشيح أي مواطن ليس لديه مشاكل قانونية”.

لكن عقيلة صالح، قطع الطريق على القذافي، عندما صرح أنه “لا يحق لأي شخص محكوم عليه من المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية الترشح لرئاسة الدولة”.

فنظريا يعتقد حفتر أن بإمكانه حسم الانتخابات لصالحه بنسبة كبيرة، بعد إزاحة أكبر منافسيه، واستفادته من انقسام معسكر المنطقة الغربية، وشرع في تحضير حملته الانتخابية من خلال تأسيس أنصاره “حزب الكرامة”، ونشر يافطات في الشوارع داعمة لترشحه.

لكن حفتر هو الآخر، تواجهه عوائق قانونية، على غرار مذكرة الاعتقال التي أصدرتها محكمة عسكرية في مدينة مصراتة (غرب) في أغسطس الجاري، وقبلها مذكرتي اعتقال من محكمة طرابلس في 2014 و2019، فضلا عن متابعته قضائيا في الولايات المتحدة بارتكاب جرائم حرب.

التهديد بالحرب

حتى وإن كانت العودة إلى الحرب مستبعدة من الطرفين في ظل توازن القوى، إلا أن حفتر قام بتحرك عسكري خطير لجس ردة فعل الطرف الآخر، عندما دخلت مليشياته قرية الشويرف (400 كلم جنوب طرابلس)، التي تعد ضمن الحدود الإدارية للمنطقة الغربية.

هذا ما دفع البعثة الأممية للدعوة إلى الامتناع عن أي تحشيد عسكري أو نشر قوات في خطوط التماس، محذرة من تقويض تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار.

ويسعى حفتر من خلال هذه الخطوة إلى التلويح بإمكانية العودة إلى الحرب، لفرض مزيد من الضغط على المنطقة الغربية ودفعها لتقديم مزيد من التنازلات.

وهذه الضغوط بتقسيم البلاد والعودة إلى الحرب، كان لها أثرها من خلال موافقة الضباط الممثلين للجيش الليبي في لجنة 5+5 العسكرية على بيان يطالب الحكومة بإلغاء الاتفاقية الأمنية مع تركيا، وتعيين وزير الدفاع.

وكان لهذا البيان صدى قوي وشديد خاصة لدى قادة الجيش الليبي، وعلى رأسهم اللواء أسامة الجويلي، قائد غرفة العمليات المشتركة بالمنطقة الغربية، الذي صرح بأن “هناك إشارات متكررة إلى احتمالية اندلاع الحرب مجددًا”، محذرا من أنه “إذا كان هناك طرف (حفتر) لا يزال يرى أن الحرب هي خياره المفضل، فلتكن الحرب”.

والمبعوث الأممي يان كوبيتش، حذر مؤخرا من خطورة الوضع قائلا: “إن الجمود الذي طال أمده، والذي يغذي حالة انعدام الثقة والاتهامات بالمساومة، يهدد بتقويض جوهر خارطة الطريق”.

والأجواء المتوترة في البلاد لا تقدم مؤشرات قوية على أن انتخابات نزيهة وشفافة ومبنية على قاعدة دستورية وقوانين متوافقة عليها، ستجرى في موعدها.

______________

الاناضول

مواد ذات علاقة