خالص جلبي

كانت القاضية الكنديَّة تقول في مهرجان توزيع الجنسيَّة على (85) مواطناً من (38) دولة: «إنَّنا نعلم أنَّكم ودَّعتم أوطاناً تحبونها ولكنَّكم تركتموها وراءكم ظهريا بسبب ميثاق الحريَّة عندنا». ثمَّ تقوم بتسليم ميثاق الحريات بنقاطه العشر مع بطاقة الجنسيَّة الكنديَّة.

الجزء الثاني

فلسفة الهجرة

اجتمعت بصديقي «أبو محمد»، وهو يعمل في إصلاح الحدائق، فأخبرني بعزمه مغادرةَ الوطن إلى أمريكا بعد أن انتظر التأشيرة ثماني سنوات. أحزنني بعض الشيء وصوله إلى هذا القرار، ولكن أَهي مشكلة هذا الرجل فقط، أم هي أزمة وطن واختناق ثقافة، بعد أن تحوَّل الوطن إلى طائرة مخطوفة، والمواطن إلى رهينة، والمستقبل إلى نفق مسدود؟

المشكلة الأولى في الذين هجروا الوطن ليست واحدة؛ بل ثلاث؛ فالذين ذهبوا إلى الغرب أصبحت حياتهم لا تعرف الهدوء، فقد دخلت الزوبعة إلى حياتهم إلى أجل غير مسمى، ولعلّها ستبقى ترافقهم مثل الحمَّى المالطيَّة حتى نزع الروح.

يقول المثل الشركسي: من يخسر وطنه يخسر كلَّ شيء، حتى يجد وطناً جديداً لن يكون وطناً.

عندما عُرِض على فيرنر هايزنبرغ، الدماغ الفيزيائي، وصاحب نظريَّة الارتياب في ميكانيكا الكم، الهجرةَ إلى أمريكا كان جوابه: إنَّه قرار يجب أن يُحسم في عمر مبكر؛ فمن نشأ في ثقافة بعينها حتى عمر معين تصبح تلك البيئة له أكثر الأوساط تأثراً وتأثيراً فيه. كان جوابه: سأرجع إلى ألمانيا حتى إذا انهدمت المدن الألمانيَّة قمت بتربية جيل ما بعد الكارثة. وهو الذي حصل عندما دشّن معهد (ماكس بلانك) في فروع لا نهاية لها من العلوم.

المشكلة الثانية أنَّ من هاجر بلده واحتكّ بالحضارات الأخرى يصل إلى وضع لا يُحسد عليه، فلا الشرق يعجبه، ولا الغرب يسعده؛ فهو نفسياً في الأرض التي لا اسم لها.

ومن أجمل ما قرأت، نقلاً عن مهاجر ألماني، ما معناه أنَّ الذي يرى وطنه جميلاً فهو لا يفهم الحياة، ومن شعر بالغربة في الهجرة فهو غير ناضج، ولكن من شعر بالغربة في كلّ العالم فهو المواطن الصالح.

يقصد بهذا أنَّ وجودنا في الأرض كله يقوم على التوقيت والإعارة، وأنَّنا نحن البشر من التراب وإليه نعود. وهذا يقرب إلى وعينا صدى تلك الجملة العميقة التي نطقها المسيح عليه السلام: مملكتي ليست من هذا العالم. إنَّهم يعيشون العالم السفلي وحلمهم معلق في عالم لم يولد بعد.

إنَّه قرار مصيري، ولكن تبقى معاناة أفضل من المعاناة في وطن تحوَّل إلى سجن كبير، من دون أمل في الإفراج عنه مثل حكم الإعدام المؤجل.

وما زلت أتذكر يوم (13) كانون الثاني/ يناير (1975م)، وأنا في طريقي مهاجراً إلى ألمانيا الغربيَّة (قبل الاتحاد الألماني وسقوط جدار برلين عام 1989م)، عندما نشبت معركة حامية الوطيس بين اثنين من الركاب على المقاعد.

وفي الليلة الأخيرة قبل مغادرة البلاد كانت ليلة الفندق مرعبة في بيروت بين قرقعة الصنادل الخشبية، وصراخ مغنية مجنونة قد استولت على حواس صاحب الفندق فسهر على صوتها حتى مطلع الفجر.

وعندما تجاوزت الحدود السوريَّة (السجن الكبير) خررت لله ساجداً على نعمة الحريَّة. وكانت هذه آخر ذكرياتي من العالم العربي (رجعت إلى سورية بعد سبعة عشر عاماً، فكانت مُدمَّرة سبعة عشر ضعفاً!)، فودَّعت حضارة الصخب والفوضى والخوف وتلوث الحواس رؤية وسماعاً وشمَّاً، وهبطت مطار نورمبرغ الألماني لأستقبل حضارة النظافة والنظام والأمن.

والمشكلة الثالثة أنَّ قرار الهجرة يُعدُّ من أصعب وأخطر القرارات في حياة الإنسان، ولعلّه يكون طريقاً باتجاه واحد. ومشكلة الغرباء أنَّهم يبقون غرباء لفترة طويلة، وقد تدوم هذه الغربة مدى الحياة.

لذا على من يتخذ قرار الهجرة أن يتذكَّر ثلاثة أمور:

أولاً أنَّه قرار لا يتعلق به وحده؛ بل بذريَّته من بعده (كما حصل معي، فقد رسا مصيري بين المغرب وكندا وجزء بين الأعراب وبناتي وأحفادي في كندا)،

ثانياً أنَّه قد يكون هجرة بغير عودة،

وثالثاً أن يتذكَّر قول الفيلسوف ديكارت: إنَّ من يكثر التنقل يصبح غريباً في بلده.

وأرجع إلى صديقي (أبو محمد) قلت له: ما دفعك إلى الهجرة؟ قال لي: أمورنا تمشي إلى الخلف، وحياتي انتهت، وأنا أريد مستقبلاً لأولادي

***

الهجرة ظاهرة كونيَّة مثل الوحي، فكما أوحى الله إلى أنبيائه روحاً من أمره، كذلك أوحى إلى (النحل) أن اتخذي من الجبال بيوتاً، وأوحى إلى (أم موسى) أن أرضعيه. كلٌّ بطريقته الخاصَّة. كذلك القول في الهجرة، فلا يهاجر الإنسان فحسب؛ بل سمك السلمون والنحل والطيور والفراشات أيضاً. ويهاجر الرجل والمرأة إلى عش جديد لتوليد عائلة جديدة. فهذا قانون وجودي.

الطيور تهاجر تبحث عن الحب. وسمك السلمون يهاجر في ملحمة رائعة من نهر فرايزر في كندا ليقطع رحلة عشرة آلاف كيلومتر حتى المحيط. وتغادر الفراشات (الملكة) شمال أمريكا، لتصل إلى أمريكا الجنوبيَّة، فتتبدل خلقاً من بعد خلق، ولكنَّ هجرة الإنسان غير هجرة السمك والطيور فهي حركة ثقافيَّة.

وبحسب فيلسوف التنوير الألماني (كانط)، كانت الهجرات تأريخاً للاضطهاد السياسي، من خلال الانشقاق المتتابع في الجماعات الإنسانيَّة، وبذلك زحف الإنسان في الأرض من شرق أفريقيا حتى جنوب أمريكا في رحلة امتدَّت على مدار (200) ألف سنة.

فكان الاضطهاد في طرفٍ منه خيراً في انتشار الإنسان في الأرض. ونعرف اليوم أنَّ هجرات الجنس البشري عبرت مضيق بهرنجر قبل (12) ألف سنة، وتابعت زحفها حتى مضيق ماجلان وأرض النار.

وبحسب المؤرخ البريطاني توينبي، في كتابه (مختصر دراسة التاريخ)، الهجرة صيرورة تنطبق أيضاً على الأنبياء من خلال قانون (الاعتزال والعودة). وبذلك هاجرت البوذيَّة من نيبال في الهند واستقرَّت في الصين. وتركت المسيحيَّة فلسطين وزحفت إلى روما.

وفي مسيرة ماوتسي دونج مشى معه مئة ألف من أتباعه إلى شمال الصين ما عرف بـ (المسيرة الكبرى). بعد أن اجتاز عشرات الأنهار وسبع سلاسل من قمم الجبال؛ لينشئ جمهوريته الأولى في (ينان) بأربعة آلاف إنسان. بعد أن قُتِلَ أكثرهم على يد الكومنتانغ (أو هكذا تزعم الأسطورة، فمعظمها بني على الكذب والمبالغة والنفخ في شخصيَّة الزعيم أنَّه من سلالة الإله، كما في أساطير الشيعة عن نقاوة الدم النبوي في أسطورة البطنين عند الحوثيين). 

والسؤال: ما الذي يدفع الإنسان إلى الهجرة؛ فيترك مراتع الطفولة، وأحبَّ الأماكن إلى قلبه، كما وصف ذلك الرسول، وهو يُجبر على مغادرة مكَّة عندما ائتمروا على قتله وتفريق دمه بين القبائل؟ 

إنَّ شعور الفراق الأبدي، الذي استولى على (هرقل)، كان حزيناً وهو يغادر دمشق بعد الفتح الإسلامي. يقول: «وداعاً يا دمشق، وداعاً لا لقاء بعده»، وهي الجملة نفسها التي يكرّرها اليوم طالبو اللجوء السياسي من بلاد الشام إلى الأرجنتين والدومينيكان والسويد وألمانيا.

قد يُحمل نعش أحدهم إلى الوطن كما حصل مع نزار قباني فيُدفن فيه، أو يلتهمه البحر وهو مليم، ولكنَّ الوطن لم يعد وطناً للحياة بحال، فهو وطن الأحياء الأموات، والموتى فيه يدفنون.

لماذا قال إبراهيم عليه السلامهذه الجملة: إنّي مهاجر إلى ربي؟

يُعَدُّ إبراهيم عليه السلامالمهاجر الأكبر؛ فهو الذي ترك بلاد الرافدين، ووفرة المياه، وخضرة النيل، ليأوي إلى وادٍ غير ذي زرع عند بيته المحرَّم؛ فالصحارى مع الحريَّة أطيب من الاستبداد مع الجنان.

وهناك أقام القواعد من البيت في بيئة صعبة هو وإسماعيل، وهما يبسطان أكفَّ الضراعة: ربَّنا تقبَّل منا. وهناك دعا ألَّا يجعل في ذريته من يعبد الأوثان. كان هذا بعد النقاش المرير مع النمرود في العراق، الذي زعم أنَّه يحيي ويميت، وبعد نجاته من النار فكانت برداً وسلاماً عليه، وبعد أن واجه فرعون مصر الذي طمع في زوجته الجميلة سارة.

ترك كلَّ ذلك خلف ظهره ليأمن على ذريته في وادٍ غير ذي زرع؛ لأنَّ أعظم زرع هو الإنسان في مناخ الحريَّة. ومع الديكتاتوريَّة لا أمان ولا ضمان لأيّ شيء. وفي جوّ الاستبداد تُقتل الحياة قتلاً. كما قتل حزب البعث الإنسان والزمان والمكان.

وهاجر فتية أهل الكهف فراراً من الاضطهاد السياسي ومعهم كلبهم، فبيئة مدمّرة من هذا النوع لا تطيقها الكلاب. وفرَّ موسى عليه السلامبدوره من جو الحضارة الفرعونيَّة المقيت، التي اعتاد أهلها أكل البصل والثوم مع الإهانة والإذلال، إلى صحراء مدين ليتزوج هناك ويعيش، ولم يرجع إلى مصر إلا برسالة، ولم يكن له أن يعيش قطُّ في بلد يرفع القبور لأشخاص فانين على هيئة أهرامات تناطح السحاب في مناخ ميت مميت من الديكتاتوريَّة

قد يكون موسى نجح قديماً في الهجرة بشعب كامل يشقُّ بعصاه البحر، فكان كلُّ فرق كالطود العظيم. ولكنَّ مشكلة الهجرة اليوم أنَّها تتحوَّل إلى قضيَّة دوليَّة بترحيل أفراد من الفلسطينيين من بيت لحم في ربيع (2002) في ظروف الانتفاضة، أو فرار ملايين السوريين على وجوههم من براميل بشار الكيماوي؛ فلا يمكن لشعب أن يهاجر أو يهجَّر بكامله ولو أراد أو أُرِيد له، ولكن من يهاجر في العادة رغبة وليس رعباً هم زبدة القوم وأكثرهم فعاليَّة؛ فيتبخرون في سماء الرأسماليَّة مثل الماء، ومن بقي في الأسفل كان مثل طحل القهوة، ممَّن كُتب عليه الشقاء والبلاء والغباء.

وجرت العادة على أنَّ أكبر الهجرات جاءت بأفضل النتائج؛ فمع طوفان نوح تطهَّرت الأرض، ومع هجرة نبي الرحمة انبثق نور الإسلام في الأرض، ومع هجرة البوذيَّة من الهند تغيَّر الشرق الأقصى، ومع هجرة الحواريين إلى روما تنصَّرت روما، ومع هجرة كولمبوس تقرَّر مصير الغرب، وانقلبت محاور التاريخ، وانتقلت الحضارة من المتوسط إلى الأطلنطي.

***

خالص جلبي ـ كاتب ومفكر سوري، يحمل إجازة دكتور في الطب البشري والدراسات العليا (جراحة عامة) جامعة دمشق. نال إجازة بكالوريوس في الشريعة الإسلامية ـ جامعة دمشق. يؤلف ويكتب في مجال تنوير وتحرير العقل الإسلامي ونبذ العنف. صدر له العديد من الكتب منها (النقد الذاتي) (بناء ثقافة السلم). (الإيدز طاعون العصر) (عندما بزغت الشمس مرتين))مخطط الانحدار وإعادة البناء) (سيكولوجية العنف واستراتيجية العمل السلمي).

____________________

مواد ذات علاقة