يكشف هذا الاستقصاء عن شبكة لتهريب المخدرات بين موانئ سورية وليبيا، على رأسها مُدان حاصل على جنسية الدولتين، ويعمل في المنطقة الشرقية بدعم من متنفذين مقربين من خليفة حفتر مستفيداً من الفوضى والفراغ الأمني.

الجزء الأول

يرصد الدكتور ساسي موسى، الأخصائي في معالجة الإدمان أثناء عمله في وحدة الدعم النفسي والاجتماعي بالمركز الوطني لمكافحة الأمراض في العاصمة الليبية، تفاقما لأعداد المدمنين على مواد مخدرة تنتشر شرقا وغربا في البلاد المنقسمة أمنيا، مثل الحشيش والأدوية المخدرة كالأمفيتامين (يزيد من النشاط واليقظة)، وهو ما يؤكده شاهد عيان من مدينة بنغازي التي تسيطر عليها قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر، طالبا عدم الكشف عن هويته خوفا على حياته، مؤكدا أن المخدرات تباع بشكل طبيعي داخل أكشاك السجائر في المدينة، وخاصة في منطقة بوهديمة، وتابع: “أي شخص، على سبيل المثال، يمكنه شراء حبة ترامادول، بخمسة دنانير ليبية ( 1.12 دولار أميركي)”.

وبلغت كمية مخدر الحشيش التي ضبطتها السلطات الليبية 71.95 طنا خلال الفترة من 16 يوليو/تموز2017 وحتى 22 ديسمبر/كانون الأول 2020، بقيمة سوقية تقدر بمليار و79 مليون دينار ليبي (238 مليون دولار أميركي)، وفق بيانات حصلت عليها العربي الجديد، عبر ضبطيات مصلحة الجمارك لشحنات صودرت في الموانئ الليبية.

وتمثل الكميات المضبوطة من الحشيش 30% من إجمالي ما جرى تهريبه بالفعل، وفق تقديرات محمد الفيتوري، مستشار مدير إدارة مكافحة المخدرات في وزارة الداخلية بحكومة الوحدة الوطنية، والذي تابع: “ما يقارب 227 طنا سُربت إلى ليبيا خلال عامين فقط“.

وتهرب المخدرات إلى ليبيا بشكل أساسي عبر شبكات عابرة للدول، إحداها تتبعتها العربي الجديد، وتعمل انطلاقا من سورية عبر مدانٍ في قضية مخدرات يحمل الجنسيتين السورية والليبية، ويكشف التحقيق كيف استفادت الشبكة من الفوضى الأمنية والانقسام لتهريب المخدرات من ميناء اللاذقية الخاضع لسيطرة النظام السوري وحتى ميناءي طبرق وبنغازي، شمال شرقي ليبيا، الخاضعين لمليشيات حفتر، والخمس وزوارة، غربا، الخاضعين لحكومة طرابلس.

شبكة الطير

تكشف أوراق القضية رقم 3 لسنة 2019، والتي حصلت عليها العربي الجديدمن سجلات النيابة العامة بعدما أحيلت إلى محكمة جنايات بنغازي، عن تورط 7 أفراد، من بينهم 4 سوريين و3 ليبيين، بتهريب المخدرات من سورية إلى الموانئ الليبية، ومنهم السوريان محمد محمود سعد و هاشم عادل عجان، وقضت المحكمة عليهما بالإعدام رميا بالرصاص حضوريا، في حين أن السوريين محمود عبد الإله الدج ومحمد هاني عبدين حُكم عليهما بالإعدام غيابيا، بعد إدانتهم بجلب مخدر الحشيش من سورية إلى الأراضي الليبية، بينما تمت تبرئة الليبيين لعدم توفر دليل.

وحصلت العربي الجديدعلى صورة من جواز سفر محمود الدجّ، المدان الرئيسي في القضية والذي يمتلك شركة الطير وعمل مديرا لها، ويحمل إلى جانب الجواز السوري جوازاً آخر صادراً من مدينة مصراتة في 19 ديسمبر 2016 ، وهو ما يؤكده الدج لـالعربي الجديدقائلا إنه ولد في سورية وعاش فترة طويلة في ليبيا قبل 2011 مع عائلته، وحصل على كتيب عائلة ليبي ورقم وطني مسجل له ولعائلته من مصلحة الأحوال المدنية في سوق الجمعة بطرابلس.

وتورطت شركة الطير للتجارة والشحن الدولي، ومقرها اللاذقية، في تهريب المخدرات، إذ ضُبطت حاويات تحتوي مخدرات تابعة لها على مدار عامينوما قاد إلى كشف عمليات التهريب، التي كانت شبكة الطير تقف خلفها، ضبط السلطات اليونانية المخدرات على متن سفينة نوكا في المياه الإقليمية في 5 ديسمبر 2018، أثناء توجهها إلى ميناء بنغازي، وكانت شركة الطير إحدى الجهات التي تشحن عليها، لذلك أبلغت السلطات اليونانية نظيرتها الليبية التي داهمت مقر شركة الطير في منطقة بوعطني ببنغازي، وألقت القبض على المتورطين، وصادرت كميات من مادة الحشيش والحبوب المخدرة، حسب ما أعلنت عنه مديرية جمارك بنغازي في 23 أغسطس/آب عام 2019.

وتطور عمل الدج، إذ صار وكيلا لشركة أجنحة الشام للطيران، الخاضعة للعقوبات الأميركية لتعاونها مع الحكومة السورية في نقل المرتزقة والأسلحة والمعدات، في ظل دعم مسؤولين مقربين من اللواء المتقاعد خليفة حفتر لأعماله المنتشرة في المنطقة الشرقية الخاضعة له.

ويظهر على صفحة شركة الطير على فيسبوك، لوغوالشركة وصورة السفينة ، وهي سفينة مملوكة لشركة تعمل لصالح وزارة الدفاع الروسية، وتقوم برحلات دورية من ميناء روسي إلى ميناء طرطوس بسورية، وتحمل شحنات عسكرية، وقد عاقبت الولايات المتحدة هذه الشركة عام 2014 بسبب عملها في شبه جزيرة القرم.

ويظهر في الصور الملتقطة في مكتب شركة الطير، والمنشورة عبر الصفحة، عبد الفتاح الدج، وهو أخ محمود الأصغر، من مواليد مصراتة بحسب بيانات الرقم الوطني، ويظهر عبد الفتاح في صورة أخرى بزي عسكري أمام سيارة لوحتها دمشق، وفي صورة أخرى يظهر في سيارة سورية للشرطة العسكرية. وفق رصد معدَي التحقيق.

فراغ أمني

تصنف ليبيا أنها محطة عبور وتخزين مهمة إقليميا للمخدرات القادمة من سورية والمغرب ولبنان، ويتم استهلاك بعضها محليا، ثم يعاد تهريب كميات كبيرة منها إلى مصر وجنوب إيطاليا ودول البلقان مثل ألبانيا والجبل الأسود، ودول الساحل، وفقا لما جاء في تقرير الرمال المتحركة تغير ديناميكية الاتجار بالمخدرات في الساحل الليبي وحدود الصحراءالصادر عام 2019، للباحث مارك ميكاليف، من منظمة المبادرة العالمية ضد الجريمة المنظمة.

تصنف ليبيا على أنها محطة عبور وتخزين للمخدرات القادمة من سورية

ويؤكد الفيتوري أن الموانئ الأربعة، طبرق وبنغازي والخمس وزوارة، أكبر منافذ تهريب المخدرات في ليبيا، إذ لا توجد سيطرة حقيقية لأجهزة الدولة عليها. وتواصل العربي الجديدمع العقيد عبدالوهاب قويدر، رئيس قسم مكافحة التهريب والمخدرات في طبرق لسؤاله حول عمليات التهريب، لكنه رفض الإدلاء بأي معلومات.

وبسبب الانقسام ما بين الشرق والغرب، لا تتوفر لدى إدارة مكافحة المخدرات في الغرب أي معلومات بخصوص الحشيش والكبتاغون وعلاقة السلطات السورية بعمليات تهريبه، كما يقول الفيتوري، مشيرا إلى ضعف التواصل مع فرع المنطقة الشرقية.

وهو ما يستغله نظام بشار الأسد للتمدد وتمويل أنشطته عن طريق تهريب المخدرات من الأراضي السورية إلى العديد من البلدان، بما في ذلك موانئ المنطقة الشرقية، وفق ما كشفه فتحي باشا آغا، وزير الداخلية الليبي السابق، في تغريدات نشرها على حسابه في تويتر في مايو/أيار 2020، متهما هيئة الاستثمار العسكري التابعة لمليشيات حفتر بالاعتماد على فتح طرق للشحن البحري والجوي، لإنشاء اقتصاد قائم على السوق السوداء مع نظام الأسد الخاضع للعقوبات. حتى وصل الأمر إلى أن يفتتح النظام السوري السفارة الليبية في دمشق في مارس/آذار من العام الماضي، ويسلمها لحفتر.

ويرى عبد الحكيم البليعزي، الناطق السابق باسم لجنة مكافحة الجريمة، والذي عاصر فترة طويلة من عمل اللجنة التي قامت بضبط مختلف أنواع المخدرات، أنه مع هذه الأرباح الطائلة من تجارة المخدرات، إضافة إلى الفساد والرشوة المنتشرين بين مسؤولي النظامين، ومع تقلص مصادر الإيرادات الحكومية، يصبح تهريب المخدرات عبر موانئ النظام السوري أمرا منطقيا“.

الأطراف الفاعلة

سهّل متنفذون تابعون لحفتر والنظام البائد عمل شركة الطير السورية في ليبيا، وعلى رأسهم فوزية الفرجاني، مستشارة الفريق عبد الرزاق الناظوري، رئيس الأركان العامة لمليشيات حفتر، ورئيسة مجلس أصحاب الأعمال الليبيين فرع بنغازي، والتي شغلت منصب مستشارة الحاكم العسكري للشؤون الاقتصادية والتعاون الدولي.

وكان لها دور كبير في تصميم العلاقة بين حفتر والأسد، إذ افتتحت في 22 مارس 2018 الخط البحري المباشر بين ميناءي بنغازي واللاذقية، وهو ما وثقه معدا التحقيق عبر صفحة المجلس على فيسبوك، والتي نشرت خبرا عن الحدث وشكرت أعضاء الوفد السوري، بمن فيهم المدير العام لشركة الطير محمود عبد الإله الدج، الذي ظهرت صورته مع وصول أول سفينة شحن إلى ميناء بنغازي في 28 مارس 2018، والتي تسمى زاهر، ومنعت الفرجاني تفتيشها وأُعلن أنها كانت محملة بمنتجات سورية موردة إلى بنغازي، وسعى معدّ التحقيق من ليبيا، إلى مواجهة الفرجاني بما وثقه والحصول على ردها لكنها لم تستجب لرسائله.

ورفعت السفينة زاهر علم مصر بحسب ما رصدت العربي الجديدعبر منصة تتبع حركة السفن مارين ترافيك“. وظهر على متن سفينة زاهر أيضا ابن عم محمود الدج، وهو عبد السلام الدج الذي يقيم في ليبيا ويمتلك شركة المختار للشحن الدولي، ومقرها الرئيسي بنغازي، ولديها فروع في دمشق وحلب وإسطنبول ومصراتة، وكان عبد السلام يرافق محمود في غالبية زياراته ونشاطاته، وأعلن عبر صفحته على فيسبوك، يوم 6 إبريل/نيسان 2021، عن وصول السفينة إلى ميناء بنغازي، وتحمل علم جزر القمر، إذ انطلقت من ميناء اللاذقية في الأول من إبريل/نيسان الماضي، وهي آخر رحلاتها وفقا لموقع مارين ترافيك“.

_______________________

مواد ذات علاقة