طارق المجريسي

وسط ضجة كبيرة أواخر العام الماضي، كان يُنظر الى الإعلان، بأن ليبيا ستجري انتخابات عام 2021، على أنه الإنجاز البارز للحوار السياسي الذي توسطت فيه الأمم المتحدة والذي يهدف إلى إنهاء عقد من الفوضى في البلاد.

ولكن بعد ما يقرب من تسعة أشهر، هناك القليل من التقدم الحقيقي إذا وُجد أصلًا في تنظيم انتخابات 24 ديسمبر/كانون الأول، ونحن الآن على بعد أربعة أشهر فقط من ذلك الموعد.

وبدلًا من ذلك، بذلت الطبقة السياسية المتحاربة في ليبيا والدول المتنافسة التي تدعم صراعها المحموم على السلطة كل ما في وسعها لإفشال إمكانية إجراء انتخابات حرة ونزيهة.

لقد أدت سياساتهم ضيقة الأفق إلى وضع ليبيا في دوامة عقيمة، حيث ستعاني أي انتخابات من تنظيم واهي للغاية، وستكون المنافسة فيها شرسة وقد يتم نزع الشرعية عنها تمامًا لدرجة أنها تنتهي بحرب على الأرجح.

ولكن أيضًا من الممكن أن يؤدي إلغاء الانتخابات ببساطة إلى إعادة الانقسام الداخلي وعودة الظروف التي أدت إلى انهيار ليبيا والحروب الأهلية في المقام الأول بعد الإطاحة بالديكتاتور معمر القذافي.

إذا كانت القوى الخارجية التي لا تزال تستثمر في ليبيا، مثل الولايات المتحدة، تريد إيقاف عودة الفوضى إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط، فعليها استبدال عملية الأمم المتحدة المشروخة، والتي تعتمد على النوايا الحسنة للمتحاربين، بمزيد من الوساطة العملية التي يمكن أن تضع خارطة طريق أكثر واقعية قبل فوات الأوان.

يقول بعض المشاركين في منتدى الحوار السياسي الليبي المدعوم من الأمم المتحدة—والذي استضاف اجتماعات في تونس وجنيف لاستعادة سيادة ليبيا والشرعية الديمقراطية للمؤسسات الليبية“—سرًا أن الإعلان الانتخابي جاء كمفاجأة، لا سيما بالنظر إلى أنه تم الإعلان عنه في بداية الحوار المدعوم من الأمم المتحدة وليس في نهايته، وتوقيته يتزامن مع يوم استقلال ليبيا.

حتى أنهم وصفوا ذلك الإعلان بأنه مسرحية يائسة لإعادة تنشيط المحادثات المتعثرة وإعادة تركيز منتدى الشخصيات الفاسدة بما يتناسب مع مصالحهم الخاصة التي هي حاليًا على المحك.

إذا كان الأمر كذلك، فيبدو أن ذلك الإعلان قد أدى الغرض منه وأكثر. أصبحت الانتخابات الحدث الذي تتعلق عليه عملية الأمم المتحدة بأكملها الآن، لأنها تقدم وعدًا بقيادة شرعية لدولة تفتقر إلى هذا الأمر منذ ما يقرب من 10 سنوات.

بالطبع، يرى العديد من الليبيين، الذين أصيبوا بإحباط كبير من قبل النخبة السياسية الطفيلية التي يبدو أنها قابعة في مكانها، أن كل هذا كان لحظة تغيير طال انتظارها.

تزعم الجماعات العسكرية الليبية أن السلطات المنتخبة هي الجهة الوحيدة التي تتمتع بالشرعية لإحلال السلام، وإزالة المرتزقة الأجانب الذين ما زالوا يجوبون ليبيا، وبناء مؤسسات أمنية وطنية.

كان الانتظار لقيادة ليبية ذات شرعية انتخابية نقطة شائكة في كل شيء بدءًا من عملية المصالحة الوطنية والإصلاحات الاقتصادية والإصلاحات الحكومية المتأخرة ووضع دستور دائم جديد.

ربما كانت إمكانية تحقيق هذه الانتخابات للاستقرار والتقدم هي التي جعلت النخب الليبية المتنافسة وداعميها الأجانب يفعلون ما بوسعهم لتقويضها. كلهم يعتمدون في نهاية المطاف على الفوضى والانقسام وشبح حرب أهلية أخرى لمواصلة نهب البلاد ومحاولة الحصول على السلطة المطلقة.

ومع ذلك، على الرغم من الخطط الانتخابية المعلنة، فشل مجلس النواب الليبي، الذي يتخذ من طبرق مقرًا له منذ 2014، في إصدار التشريع المطلوب لتأسيس عملية انتخابية من شأنها أن تنهي فترة المجلس الممتدة لسبع سنوات، على الرغم من عدم وجود أي قضية رسمية أخرى تم التركيز عليها خلال الأشهر الثمانية الماضية.

رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، كان يحاول حشد ما يكفي من القوة والسيطرة على الإنفاق في شرق ليبيا لجعل نفسه الملك الفعلي للإقليم، وجذب الدعم من دول مثل اليونان ومصر.

وبالمثل، فإن رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، الذي تم تعيينه في فبراير/شباط بعد محادثات الأمم المتحدة للإشراف البحت على تصميم وتنفيذ الانتخابات، لم يقضِ أي وقت في القيام بذلك. وبدلًا من ذلك، كان يخطط لحملة إعادة إعمار ضخمة مشكوك فيها، والاستفادة من المشاركة فيها لشراء ما يكفي من الدعم الدولي ليبقى رئيسًا للوزراء.

وبينما كانت تركيا مستثمرًا أساسيًا في هذه الرؤية الترامبية لليبيا، مقابل جزء من الثروة النفطية الليبية، يبدو أن دولًا أخرى مثل إيطاليا قد أغرتها فرصة العقود الكبيرة والسلام المؤقت، على الرغم من أنها تعافت للتو من الوقوع في نفس الخطأ بالضبط قبل خمس سنوات.

بدلًا من الوفاء بوعد الحوار الذي تدعمه الأمم المتحدة، تقبع ليبيا في وضع الركود الراهن. تلوم النخب السياسية في شرق ليبيا المنقسم وغربها بعضها البعض لعدم إحراز تقدم في أي قضية مهمة، بينما تتمكّن دائمًا من التعاون عندما يتعلق الأمر بالفساد.

يضع عقيلة صالح الأساس لإعادة تشكيل حكومة موازية لحكم شرق ليبيا وسحب البساط من تحت قيادة الدبيبة، الذي سيلومه صالح على الفشل في إجراء الانتخابات، على أمل نزع الشرعية عن الدبيبة بما يكفي ليحل محله سياسي أكثر مرونة.

ولكن على الأرجح، إذا حدث ذلك، فإنه سيؤدي إلى انقسام آخر في مجلس النواب ونشوب نزاعات محلية في جميع أنحاء البلاد، حيث يسعى السياسيون والجماعات المسلحة إلى الاستفادة من النظام الجديد.

دفع الإعلان عن العملية الانتخابية خليفة حفتر، الرجل القوي الذي كان يحاول السيطرة على ليبيا على مدى السنوات السبع الماضية من قاعدته بالقرب من بنغازي، إلى إظهار نفسه على أنه أعظم ديمقراطي لا مثيل له في ليبيا.

الوحيد الذي ما زال يدفع باتجاه الانتخابات، طالما لا توجد شروط تمنعه من الترشح للرئاسة، ولا إطار يحوي صلاحيات تلك الرئاسة بأي شكل من الأشكال. فمن خلال جيشه المدعوم حاليًا من قبل المرتزقة الأجانب، والأمن الذي ينهار في المناطق الواقعة تحت سيطرته، فهذه فرصة سانحة له لاستعادة أهميته والعودة إلى السلطة.

قد لا يتمكن حفتر من الفوز في الحرب، لكنه يعتقد أنه يستطيع وضع ما يكفي من بطاقات الاقتراع في صناديق الانتخابات لتحقيق نصر انتخابي مماثل لنصر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي دعم جيش حفتر في بدايته، أو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يُبقي هذا الجيش على قيد الحياة.

لكنه ليس الوحيد الذي تغريه وعود رئاسة قوية ذات صلاحيات واسعة من خلال انتخابات معيبة في أرض ينعدم فيها القانون وتسيطر عليها الميليشيات. سيقدم كل بلد خارجي منخرط في ليبيا مرشحه الخاص، وكل مرشح سيكون مشكوك فيه بنفس الطريقة، بينما يتم التلاعب بالعملية الانتخابية كيفما أمكن، سواء من خلال المعلومات المضللة أو الرشوة الصريحة أو أشكال أخرى من التسليح القوي.

وبالتالي، ستفتقر الانتخابات إلى شرعية حقيقية وتأييد شعبي، بينما تحرّض نفس المتحاربين الليبيين الذين قسّموا البلاد على مدى العقد الماضي على صراع آخر محصلته صفرية.

ومع عدم وجود طريقة لحل أي نزاع انتخابي سلميًا، وعدم وجود إطار سياسي أوسع من شأنه أن يجعل الليبيين يعتقدون أن الأمر لن يكون بداية لدكتاتورية أخرى، فإن العملية برمتها عبارة عن شرارة في بلد مليء بالأسلحة والمرتزقة.

يجب أن تشعر الولايات المتحدة وأوروبا بالقلق من أن كلا الطريقين المتاحين أمام ليبيا—إجراء انتخابات متسرعة أو إلغاء التصويت—يمكن أن يؤديا إلى الحرب.

لقد أثبت العقد الماضي، مرارًا وتكرارًا، أن عدم الاستقرار في ليبيا يؤدي أيضًا بشكل مباشر إلى عدم الاستقرار في المناطق المحيطة بليبيا، من تشاد المجاورة إلى منطقة الساحل وإلى شرق البحر الأبيض المتوسط.

الطريقة الوحيدة لتجنب جولة أخرى من العواقب الكارثية غير المقصودة هي أخذ زمام المبادرة، بدلًا من التلاعب في الوهم بأن كل شيء يسير بشكل جيد في الحوار السياسي الليبي والجدول الزمني للانتخابات. يجب على الولايات المتحدة والدول الأوروبية ألا تنتظر مشعلي الحروب لاتخاذ الخطوة الأولى.

بدلًا من ذلك، يجب عليهم الاعتراف بشكل مشترك بالنتائج المخيبة للآمال لحوار الأمم المتحدة وبناء عملية أكثر شمولًا وموضوعية للمضي قدمًا، مع تذكير الليبيين مثل حفتر وصالح بتشريعات العقوبات المطبقة على المفسدين للعملية. يمكن أن تبدأ هذه العملية الأفضل في تجديد التفويض القادم لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في 15 سبتمبر/أيلول.

فمن خلال الضغط الأمريكي والأوروبي، يجب أن يركز التجديد لتفويض بعثة الأمم المتحدة، أولًا وقبل كل شيء، على عقد تجمع للخبراءمن الحقوقيين والقانونيين الليبيين—بدلًا من السياسيين الذين لا يتمتعون بشعبية والذين يخدمون أنفسهم باستمرار—لتنظيم الانتخابات على جدول زمني أطول مع أساس قانوني ودستوري أكثر قوة. من الأفضل أن يتم تأجيل الانتخابات بحيث تتم بشكل صحيح بدلًا من إلغائها والتعامل مع عواقب ذلك.

في الوقت نفسه، يجب على الولايات المتحدة الضغط من أجل دور للناتو في رعاية العملية البطيئة لإعادة توحيد الجيش الليبي، والتي يبذل حفتر حاليًا كل ما في وسعه لقتلها إذا لم يستطع السيطرة عليها.

فمن خلال دعم الناتو، سيكون هناك اتفاق أوروبي تركي فيما يتعلق بليبيا، بدلًا من دعم الأطراف المتنافسة. (دعمت تركيا بقوة الحكومة المعترف بها دوليًا في طرابلس، وقامت القوات الإيطالية بتدريب قواتها المتحالفة مع الحكومة، بينما دعمت فرنسا بشكل عام حفتر).

ويمكنهم بعد ذلك إعادة تركيز جهودهم على إخراج روسيا ومرتزقتها من ليبيا، الأمر الذي من شأنه أن يساعد في استقرار البلاد.

لا يمكن لليبيا أن تخرج من كارثتها دون قيادة، ولكن هذا هو بالضبط ما بدت عليه خطط انتخابات ديسمبر/كانون الأول. إذا كان هناك إرادة لإخراج ليبيا من دوامتها المدمرة، فسوف يتطلب ذلك المزيد من الدبلوماسية العملية والوساطة القوية والتركيز على الشرعية، وهو ما لا تستطيع هذه العملية الانتخابية المعيبة تحقيقه ببساطة.

***

طارق المجريسي ـ زميل أول مختص في السياسات في برنامج منطقة شمال أفريقيا والشرق الأوسط في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية.

___________

مواد ذات علاقة