خالد محمود

إذا كانت ستيفنى ويليامز، رئيسة البعثة الأممية السابقة لدى ليبيا، قد اعتبرت في السابق أن ثمّة ديناصورات سياسية تتحرك على الأراضى الليبية، فإنه يتعين على أحدهم أن يخبر الدِبلوماسية الأمريكية السابقة أن هذه الديناصورات باقية وترفض الرحيل.

رفع رئيسا مؤسسة النفط والرقابة الإدارية التابعان للسلطة الانتقالية، نظرياً، عصا الاحتجاج على محاولات اقالتهما من منصبيهما، في تحدٍ لمبدأ التغيير المتعارف عليه في مختلف دول العالم.

المناصب في ليبيا باتت أبدية، ومعظم الهيئات والأجهزة الحكومية أصبحت مناطق محمية، مستعصية أيضاً على قبول الإقالة أو التغيير.

يخوض مصطفى صنع الله رئيس مؤسسة النفط الذي يتولى منصبه منذ انهيار نظام القذافى، معركة شرسة لضمان الاستمرار في منصبه، متحدياً بذلك قرار وزير النفط محمد عون.

يدير صنع الله شؤون النفط من خارج البلاد معظم الوقت، لكنه اضطر إلى العودة مؤخراً إلى العاصمة طرابلس لتشكيل لوبي مناوىء للوزير.

يبدو أن مهمة صنع الله قد تكللت بالنجاح. فقد دعاه، وللمفارقة، رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة لاجتماع يوم الأحد مع وزير النفط.

المشهد يقول إن الدبيبة لم ينتصر على الفور لوزيره، وإنه يؤيد بقاء صنع الله الذي يحظى بعلاقات متشعبة غزلها على مدى السنوات الماضية مع أطراف محلية ودولية.

معظم السفراء العاملين في ليبيا زاروا صنع الله في مكتبه، بحثاً عن جانب من كعكة النفط.

لكن ديناصور النفط الليبي قفز خطوة في الفراغ، بعدما اعتبر أن محاولة إطاحته من منصبه تستهدف ضرب الاقتصاد الوطني.

ووفقاً لما قاله في فيديو بثته المنصة الإعلامية لمؤسسة النفط، فإنه الكيان الوحيد الذي استطاع العمل في ظل ظروف صعبة، مع ثلاث حكومات في وقت واحد“. 

يعتقد صنع الله في تفسيره لأزمة الصراع على بقائه في منصبه بأنه إما أن تكون هناك ضغوط خارجية أو تصفية حسابات قديمة، وهكذا ببساطة فلا ثالث بينهما.

وفي لغة استعلائية واضحة خاطب الوزير قائلاً: لن تستطيع هدم المؤسسة التي يتجاوز عمرها 53 عاماً، بينما عمر وزارة النفط في أي حكومة عاماً أو عامين“. وفى معرض المقارنة، يقول صنع الله إن المؤسسة استضافت الوزارة إدارياً ومالياً، لكن الأخيرة ردت بالإساءة.

محاولات الإزاحة تتكرر مع سليمان الشنطي رئيس هيئة الرقابة الإدارية الليبية، المسؤول عن كشف الفساد الإداري بمختلف أجهزة الدولة، التي كانت يوماً في ليبيا.

الشنطي يخوض بدوره معركة مماثلة لمعركة صنع الله، لكنه هذه المرة يحدد وكيله خالد ضو على أنه العدو المستهدف.

لم يتوان الأخير عن الاستعانة بميلشيات من جهاز دعم الاستقرار.

ببساطة شديدة اجتاحت عناصر الجهاز المحسوب على حكومة الوحدة مقر الهيئة، وأجبرت حراسها على الرحيل، في مشهد كاشف لانفلات الأمن وعجز الحكومة، وهيمنة الميليشيات بقوة السلاح على عملية صنع القرار السياسي.

هذه مجرد عيّنة من مناصب حكومية تأبى التغيير.

وحين ستنتهى ستيفاني من كتاب تعكف عليه تلخص فيه دورها في ليبيا، سيتعين عليها أن تشرح لماذا نجح بعض السياسيين الليبيين، الذي وصفتهم في السابق بالكائنات المنقرضة، في الاحتفاظ بمواقعهم.

في السابق اعتبرت ستيفاني هؤلاء محافظين على وضع يتيح لهم الوصول إلى خزائن الدولة، بعدما نجحوا في تطوير نظام المحسوبية بمهارة على مدى السنوات الماضية“.

ديناصورات الإدارة التي تماطل في مغادرة مواقعها هي انعكاس لاتفاق ضمني بين ديناصورات أخرى تمارس العمل السياسى يومياً. وهكذا قال دبلوماسي غربي عاد لتوه من العاصمة الليبية طرابلس، لافتاً إلى أن لا أحد ببساطة يريد أن يتخلى عن موقعه، لكنهم مع ذلك يرفعون عقيرتهم ويصيحون في وسائل الإعلام للمطالبة بالتغيير، وكأنهم ليسوا ضده.

المفارقة لا تنحصر من وجهة نظر الدبلوماسي، الذي رفض تعريفه، عند هذا الحد بل تتخطاه إلى فكرة أعمق من ذلك بكثير، إذ يتابع: “هؤلاء نجحوا في السابق في نيل مناصبهم الحكومية والرسمية في ظروف غامضة، لن يجدوا عملاً آخر بسهولة إذا ما استقالوا في اليوم التالي“.

وفى كل الأحوال، لا تزال ليبيا تنتظر نجاح ممثلي مجلسي النواب والأعلى للدولة، الذين أعلنوا العام الماضي عن اتفاق شامل حول المعايير والآليات الشفافة والموضوعيةلتولي المناصب السيادية، في تطبيقه على الأرض.

رغم كل المساعي والمفاوضات التي جرت في المغرب بين ممثلي المجلسين، لكنهم إلى الساعةفشلوا في التوصل إلى اتفاق مماثل لاستكمال الإجراءات اللازمة التي تضمن تنفيذ ما اتفقوا عليه.

ومع ذلك فقد أعلنوا افتتاح باب الترشح إلى المناصب السياديةالسبعة في البلاد، وهى محافظ مصرف ليبيا المركزي، النائب العام، رئيس هيئة الرقابة الإدارية، رئيس هيئة مكافحة الفساد، رئيس المفوضية العليا للانتخابات ورئيس المحكمة العليا، بهدف اختيار مرشحين لهذه المناصب الإستراتيجية حتى تتمكن السلطة التنفيذية التي سيتم انتخابها الأسبوع المقبل في جنيف من التنسيق بشكل سلسمع المسؤولين الجدد

هذه المناصب الرئيسية التي لطالما انقسمت بشأنها السلطتان المتنافستان تعكس مشكلة ليبيا الغارقة في فوضى غذّتها التدخلات الأجنبية منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، وتشهد نزاعاً قبل إجراء الانتخابات المقررة في ديسمبر/ كانون الأول المقبل.

***

خالد محمود ـ كاتب متخصص في الشؤون العربية

__________

مواد ذات علاقة