الفيتوري شعيب

ربما انتهى شهر العسل قبل أن يبدأ بين حكومة الوحدة الوطنية والبرلمان الليبي المانح للثقة لها في 10 مارس/ آذار الماضي، حيث لم يتعدّ هذا التوافق إلا على منحها الثقة لا أكثر، إذ إن الجدال بينهما لم يتوقف منذ ذلك الوقت.

وبعد أن كان الشعب متفائلا بحلّ الأزمة في البلاد، وإنهاء الصراع فيها، أصبح اليوم أكثر إحباطاً، باعتبار أن التوافق الذي أنشئت على أثره الحكومة لم يدم طويلاً، الأمر الذي لا يٌعزى إلى الأوضاع الداخلية في البلاد فحسب، بل أسهم العامل الإقليمي المتداخل في الأزمة، بشكل كبير، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، في إعادة إنتاج الأزمة التي ستكون عواقبها وخيمة في قابل الأيام، إن استمرّت بهذه الوتيرة وهذا التدافع.

كان للممانعة التي سار عليها البرلمان في عدم إقرار الميزانية في جلساتٍ متوالية، ونهج الموادعة الذي اتخذته الحكومة اتجاه ذلك بدون تحقيق نتائج أو أية جدوى تسهل من إقرارها، كان لهما آثار جانبية جعلت من البرلمان يطالب بمساءلتها، على الرغم من عدم إقرار ميزانية لها!

ذهب الواقع الليبي المنقسم سياسياً بعد الأحداث أخيرا إلى ترسيخ مبدأ المحاصصة والجهوية في جل الاتفاقات التي حدثت خارج البلاد وداخلها، وأسهم هذا الأمر في إيجاد حالةٍ من عدم التوافق، وقبول الآخر، بمنطق جهوي ومحاصصي، تحصد نتائجه اليوم حكومة الوحدة الوطنية، باعتبار أن المحاصصة والجهوية تعملان على الفرقة وليس الاجتماع، بل ولا يمكن معها وبها بناء دولةٍ حديثةٍ تبنى على الكفاءات والوطنية.

وهذا من أهم المعضلات السياسية والتنفيذية اليوم في ليبيا، ومن الواضح، أيضاً، أن التحرّر منها لن يكون بسهولة في قابل الأيام والأعوام، إذ إن الكل يتحدّث عن المناطقية والجهوية في الأمور السياسية، ناهيك عن التنفيذية فيها، بل وصل ذلك إلى محاولة تكوين قاعدة دستورية تجري عليها الانتخابات المقبلة وفق هذا النهج والتصور، الأمر الذي سيهدم ما تبقى من الدولة إن وجد.

كما أنه لا يخفى على أحد وجود جزء معطّل في البرلمان الليبي، يتخذ من نهج الممانعة طريقا له في تحقيق المصالح والمآرب، بل ربما يتخذ الممانعة وظيفةً له من أجل العمل على اصطياد أكثر من عصفور سياسي بحجر واحد ربما! وتعطيل إقرار الميزانية والمساءلة للحكومة خير شاهد على ذلك.

في المقابل أيضا، تسيس الجهات التنفيذية في الدولة يجعلها تتحرّك بوصفها كتلة سياسية لتحصيل مصالحها، ولو اضطرّها أن تجمع بين الأضداد والتناقضات، الأمر الذي يجعلها في أدنى المستوى التنفيذي للخدمات، والعمل على حل الأزمات.

وبالتالي، فإنها لن تقدّم شيئا يذكر في إرساء الدولة الحديثة وتقوية بنيانها. وعلى الرغم من أن هذا التوجه الأكثر فجاجة في ظلم مؤسسات الدولة، والحد من كفاءة العاملين فيها، إلا أن هذا الاتجاه ظل مُمارسا عقب نجاح الثورة، وفي حكوماتٍ متتالية، الأمر الذي يستدعي العمل على الحدّ منه على أقل تقدير إن ثمة هناك صعوبات في إنهائه.

لا تتعلق المسألة، في الحالة الليبية، بحدود الممانعة والموادعة بين مكونات الدولة الواحدة فحسب، بل تتعدّاهما إلى أبعد من ذلك بكثير، حيث تتعلق الحالة الليبية بالسلطة ذاتها، وآليات إيجادها ومن ثم استبدالها، ابتداء بالأجسام التشريعية وليس انتهاء بالحكومات التنفيذية المتعاقبة، حيث إن جميعالأجسام ترفض بطريقة غير مباشرة أن يكون حل الأزمة وانتهاؤها على حسابها، مع عدم إهمال العامل الإقليمي المساعد لذلك.

وبالتالي، فإن النظرة الحقيقة لقيام الدولة في ليبيا هو الدفع الحقيقي نحو إنجاح الطرق الفاعلة لإنجاح الاستحقاقات المقبلة، المتفق عليها حوارياً، والمتمثلة في إجراء الانتخابات البرلمانية في 24 ديسمبر/ كانون الأول 2021، تَضْمينا لخريطة الطريق التي تبناها ملتقى الحوار السياسي الليبي في نوفمبر/ تشرين الثاني 2020 في تونس.

*********

أزمة تلد أخرى في ليبيا: الدوائر الانتخابية

أثير جدل واسع في الأيام القليلة الماضية بشأن توزيع الدوائر الانتخابية في ليبيا، بناء على مقترح مشروع قرار مقدّم من المفوضية العليا للانتخابات للبرلمان الليبي، لإعادة ترسيم الدوائر الانتخابية، وزيادة عدد أعضاء مقاعد أعضاء البرلمان، إلا أن المقترح قوبل شعبياً بالاستياء والتساؤل بشأن جدوى هذا التغيير في هذه المرحلة من عمر البلاد، باعتبار أن مقترح المشروع يأتي في ظل أزمة سياسية وانقسام حاد في البلاد من جهة، كما أنه مغاير لما كان عليه عند انتخاب المؤتمر الوطني العام في 2012، أو حتى البرلمان الحالي في 2014 من جهة أخرى.

قسّم مقترح مشروع القرار المناطق الانتخابية الثلات (الشرقية والجنوبية والغربية)، إلى 32 دائرة انتخابية رئيسية، و98 دائرة انتخابية فرعية، بينما كان مجموع المقاعد الانتخابية للبرلمان للمناطق الثلاث 234 مقعدا، بزيادة عن البرلمان الحالي، والذي سبقة المؤتمر الوطني العامبـ34 عضوا. كما اقترحت المفوضية العليا زيادة أعداد الدوائر الانتخابية إلى 32 دائرة انتخابية بدلًا من 13 دائرة كما في السابق.

أحدث هذا المقترح شرخاً آخر في الأزمة الدستورية والقانونية التي لم يتم الوصول فيها إلى توافقات، سواء على مستوى القاعدة الدستورية التي لم تُنجز بعد، أو حتى الفصل في تغليب الاستفتاء على الدستور من عدمه، وكذلك الاكتفاء بالانتخابات البرلمانية، أو لا بد أن تكون مقرونة بالرئاسية، وذلك كله كان موطن خلاف في الأزمة السياسية والدستورية الليبية، لتضاف إليها أزمة عدد المقاعد الانتخابية ودوائرها، وكأنه يُراد من كل هذه الاختلافات مزيد من الاختلاف بدلا من التوافق نحو نجاح الانتخابات في 24 ديسمبر/ كانون الأول 2021.

ثمة معياران رئيسيان اختارتهما المفوضية العليا للانتخابات لتبرير هذا المقترح: السكاني والجغرافي، غير أنه غاب عن المفوضية استذكار (أو استحضار) “معيار الأزمة السياسيةالتي تمر بها البلاد، بحيث كان من الأوْلى العمل (أو الاكتفاء) بما كان عليه القانون في الانتخابات السابقة، من الاعتماد على المعيار السكاني فحسب، حتى لا تُفتح أبواب الاختلاف والجدل، باعتبار أن العملية السياسية الآنية في ليبيا اليوم بنيت على توافقاتٍ وحوارات، أكثر منها على معايير وقوانين، وحتى على شيءٍ من الدستور، أو حتى الإعلان الدستوري الذي تسير عليه البلاد بعد نجاح ثورة فبراير، وعدّل مرّات ومرّات.

طرح مقترح مشروع قانون يثير الجدل، يحمل مدلولاتٍ سلبية

في المقابل أيضا، تمرير هذا المقترح من مجلس النواب الحالي يحتاج 120 صوتا، وهذا من الناحية العملية والواقعية غير متأت، أو على أقل تقدير لن يكون إنجازه سهلا، خصوصا في ظل برلمان متشظ على نفسه، وقلّما يصدر عن جلساته قرار أو قانون متفق عليه طوال سنوات عمله. وبالتالي، فإن تمرير هذا المقترح المختلف عليه شعبياً، وكذلك برلمانياً، باعتبار أن أعضاءه يمثلون دوائرهم الانتخابية، فإن التصويت على إيجاده لن يكون واقعيا.

ومن جهة أخرى، لن يكون مجديا فتح الباب للجدل والاختلاف على قانون توزيع الدوائر الانتخابية وعددها قبل الموعد المحدد للانتخابات بشهور، وكذلك لن يساهم في حل الأزمة الليبية، بقدر ما يضيف إليها عبئا آخر من الاختلاف والأزمات.

كما أن الإصرار على طرح مقترح مشروع قانون يثير الجدل بين الأوساط المجتمعية والنخبوية في هذا الوقت يحمل مدلولاتٍ سلبية، أكثر من كونه إعادة التقييم والأداء، أو حتى الارتقاء والتطور، إضافة إلى أنه يضع علامات استفهام كبيرة أمام جدوى هذا المقترح وطرحه في مرحلة انتقالية جدّ صعبة من عمر البلاد.

عموما، إنشاء أو استحداث معايير أخرى غير تلك المتّبعة سابقاً في إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية وتقسيمها يمكن أن تكون معول بناء وارتقاء، إذا كانت نابعة من نهج سليم وصحيح وعدالة في التوزيع، خصوصا إذا كانت في دولة مستقرّة سياسياً وأمنياً، وحتى اجتماعياً واقتصادياً، أو أن تكون معول هدم وصناعة لأزمة جديدة تضع البلاد في دواماتٍ سياسية، أو حتى إجرائية تنفيذية يمكن أن لا تكون في هذه الأوقات، خصوصا إذا كانت مبنيةً على التناقضات، وبعيدةً عن الواقع والتوافقات، في دولة مثل ليبيا تتجاذبها الانقسامات والصراعات الداخلية، والتدخلات الخارجية السلبية التي تسعى إلى إجهاض العملية السياسية في البلاد وإفشالها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.

____________

مواد ذات علاقة