شادي إبراهيم

إن تصاعد التنافس الدولي في إفريقيا يدفع الدول للصراع والتصادم خاصة مع تنامي دور الصين وروسيا، وهو ما قد يكون غير مرحب به من قبل فرنسا خصوصًا والاتحاد الأوروبي وأميركا عمومًا، وهو ما ينذر بارتفاع صادرات السلاح في السنوات القادمة.

الجزء الأول

إن خريطة السلاح في إفريقيا خريطة معقدة يتداخل فيها العديد من المستويات الدولية والإقليمية والمحلية، وتحركها عوامل اقتصادية ومجتمعية وسياسية، فتناول شقٍّ واحد من المستويات أو العوامل يخل بالصورة الواقعية ولا يسبر أغوارها. لذلك عندما نتحدث عن خريطة السلاح يجب أن نستحضر ثلاث خرائط ونضعها بجانب بعض حتى نصل لفهم عميق وندرك سلوك الأطراف المؤثرين في الخريطة.

\الخريطة الأولى هي خريطة الموارد والثروات الخام والطبيعية، والثانية هي الخريطة الديمغرافية التي تظهر عليها تركيبة المجتمعات وتوزيع القبائل والجماعات الإثنية، أما الخريطة الثالثة فتتمثل في الحدود السياسية التي عملت الدول الاستعمارية على رسمها وفق مصالحها الاقتصادية والسياسية.

من خلال هذه الخرائط يمكن أن نفهم طبيعة الصراعات القائمة داخل إفريقيا بوجه عام، وبين الدول والأقاليم المختلفة، فلا تزال الدول الاستعمارية تمارس نفوذًا عاليًا قادرًا على إسقاط الأنظمة وإثارة المشاكل داخل كل دولة عبر توظيف التقاطعات بين تلك الخرائط وإدارة الخلافات بين الدول والمكونات المجتمعية المختلفة من أجل تحقيق أهدافها المتمثلة في سرقة الموارد والثروات الطبيعية.

وهو أمر لا يتحقق إلا بوجود أنظمة ديكتاتورية فاسدة تفتقد للشرعية وتحتاج دائمًا للاعتراف الدولي ما يدفعها لتوثيق العلاقات مع الدول الاستعمارية عبر التنازل عن الثروات الطبيعية ورهن القرار السياسي لها، وتضع بعض الدول الاستعمارية قواعد عسكرية لها في نقاط استراتيجية في إفريقيا بهدف تحقيق مصالحها الجيوسياسية.

تعمل الدول الاستعمارية والدول الكبرى على تصدير السلاح إلى الدول الإفريقية في عملية تنافسية لبسط النفوذ؛ حيث تستفيد من العائد المالي من بيع السلاح وتشغيل مصانعها وتجربة الأسلحة الجديدة التي تنتجها، بالإضافة إلى مكاسب الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، والجماعات المسلحة المختلفة سواء المتمردون والمرتزقة.

وتحرص الدول الاستعمارية على استمرار حالة الفوضى والاقتتال حتى تستطيع ممارسة نفوذها عبر تبني سياسات أمنية بحتة. ورغم تنامي العديد من الأزمات التي انعكست نتائجها على الاتحاد الأوروبي والغرب مثل قضية الهجرة إلا أن عددًا من دول الاتحاد مثل فرنسا لا تزال تتبع تلك السياسة.

وتتصدر فرنسا مع كل من روسيا وأميركا والصين صادرات السلاح لإفريقيا، وتختلف كل دولة في طبيعة سياساتها التي تتبعها؛ حيث تميل بعض الدول كفرنسا إلى اتباع سياسات أمنية بينما تميل الصين إلى اتباع سياسات اقتصادية.

نظرة حول حجم تجارة السلاح في إفريقيا

أولًا: تصاعد حجم الإنفاق العسكري

يُقدَّر حجم الإنفاق العسكري في إفريقيا بنحو 43.2 مليار دولار في عام 2020، بزيادة قدرها 5.1 في المئة عن عام 2019 وأعلى بنسبة 11 في المئة عن عام 2011.

وشهدت دول شمال إفريقيا ارتفاعًا في الإنفاق العسكري بنسبة 6.4 في المئة في عام 2020 إلى 24.7 مليار دولار. ورغم الأزمات الاقتصادية الناجمة عن انتشار فيروس كورونا، احتلت إفريقيا المركز الأول من حيث ارتفاع نسبة الإنفاق العسكري عام 2020 حيث بلغ 5.1 في المئة، فيما جاءت أوروبا ثانية بنسبة 4 في المئة، والأميركتان بنسبة 3.9 في المئة، وآسيا وأوقيانوسيا بنسبة 2.5 في المئة.

هناك عدة مستويات من الصراعات داخل إفريقيا:

مستوى أول يمكن أن نعرِّفه بأنه المستوى الذي يشهد توترات وصراعات بين الدول، ويتمحور حول خلافات حدودية كما هي الحال بين الجزائر و المغرب؛، حيث يعد ملف الصحراء الغربية وجبهة البوليساريو أحد الملفات الشائكة بين الدولتين، وقد بلغ الإنفاق العسكري في الجزائر نحو 9.7 مليارات دولار في عام 2020، وهو أقل بنسبة 3.4 في المئة مما كان عليه في عام 2019.

لكنه ظل إلى حدٍّ بعيد الأكبر في إفريقيا، أما في المغرب فقد بلغ حجم الإنفاق العسكري، عام 2020، نحو 4.8 مليارات دولار بزيادة 29 في المئة عن عام 2019 وبنسبة 54 في المئة عن عام 2011.

فيما تتصاعد أيضًا خلافات على استخدام الموارد كما هي الحال في أزمة سد النهضة بين مصر والسودان من جهة وإثيوبيا من جهة أخرى، وهو ما يدفع دول الإقليم إلى التنافس على شراء السلاح.

ورغم قلة الشفافية بشأن ميزانية الدفاع في مصر، إلا أن حجم الإنفاق النهائي على الدفاع قُدِّر بنحو 66 مليار جنيه مصري، أي ما يعادل 4.1 مليارات دولار في 2020 أي ارتفاعًا بـ18 في المئة عن 2019 التي بلغت فيها نسبة الإنفاق 59 مليار جنيه مصري، أي 3.35 مليارات دولار في عام 2019 و2.9 مليار دولار في عام 2018.

وهي أرقام منفصلة عن مخصصات التمويل العسكري الخارجية التي تحصل عليها مصر من اتفاقية كامب ديفيد والبالغة 1.3 مليار دولار، أي إن إجمالي الإنفاق الدفاعي وصل إلى 5.4 مليارات دولار. وفي المقابل، رفعت إثيوبيا إنفاقها العسكري من 287 مليون دولار قبل عام 2013 إلى 519 مليون دولار في عام 2019(3)، رغم التحديات الاقتصادية والمجتمعية والسياسية التي تمر بها الدولتان.

أما المستوى الثاني من الصراعات فيتمثل في الحروب غير النظامية أو الحروب غير المتكافئة التي تكون بين الجيوش النظامية ضد الجماعات المسلحة سواء متمردون داخل الدولة أو تنظيمات عابرة للحدود، وتتصدر منطقة إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى من حيث الإنفاق العسكري هذا المستوى؛

حيث بلغ حجم الإنفاق العسكري 18.5 مليار دولار عام 2020 وهو أعلى بنسبة 3.4 في المئة مما كان عليه عام 2019، وأقل بنسبة 13 في المئة مما كان عليه عام 2011.

فيما خصصت نيجيريا 2.6 مليار دولار لجيشها عام 2020، بزيادة قدرها 29 في المئة مقارنة بعام 2019 من أجل مواجهة تنظيم بوكو حرام وغيره من الجماعات المتمردة.

ثانيًا: الصادرات العسكرية

تحتل روسيا المرتبة الأولى عالميًّا في تصدير السلاح إلى إفريقيا؛ حيث بلغ حجم صادرات السلاح أكثر من 15 مليار دولار عام 2019، وهي زيادة أكثر من الضعف بالمقارنة مع عام 2000 حين بلغت الصادرات 7 مليارات دولار. فيما تحتل فرنسا المرتبة الثانية بنحو 8 مليارات دولار خلال عام 2019 وهي زيادة تصل لقرابة الضعف أيضًا بالمقارنة مع صادراتها في عام 2000 التي كانت تبلغ نحو 4 مليارات دولار.

وتأتي أميركا ثالثة بوتيرة شبه ثابتة بمبيعات تصل إلى 4 و5 مليارات دولار سنويًّا، تعقبها الصين بمتوسط مليار دولار، كما لا تغيب إسرائيلعن المشهد حيث شكَّلت صادرات الأسلحة الإسرائيلية” 3 في المئة من الإجمالي العالمي بين عامي 2016 و2020 ما يمثل زيادة قدرها 77 في المئة على ما كانت عليه بين عامي 2010 و2014(4)، وَوُجِّه جزء كبير من هذه الصادرات إلى الدول الإفريقية إذ زادت الصادرات الدفاعية إلى نسبة 70 في المئة بين عامي 2015 و2016 لتصل إلى 275 مليون دولار.

الشركات العسكرية والأمنية الخاصة: نوعها ودورها وتشابكاتها

في البداية يجب أن نفرق بين نوعين من الشركات؛ النوع الأول: شركة أمنية خاصة (PSC)، والنوع الثاني: شركة عسكرية خاصة (PMC). يتمثل الفرق بين النوعين في طبيعة المهام والتخصصات.

، فالنوع الأول هو الشركات الأمنية الخاصة التي توفر خدمات مثل حماية مقرات السفارات والبنية التحتية والموانئ، وتمتد أيضًا لحماية المناجم ومقرات الشركات الأجنبية والعاملين فيها، كما توفر خدمات خاصة مثل حماية الأجانب.

أما النوع الثاني من الشركات فهو الشركات العسكرية الخاصة والتي يبرز استخدامها في الشأن السياسي أكثر حيث توفر حماية للمسؤولين في الدول الإفريقية وتقدم الاستشارات العسكرية وتعمل على تدريب القوات المحلية سواء فرق تابعة للجيش أو الشرطة، كما توفر خدمات خاصة مثل جمع المعلومات الاستخبارية، وفي بعض الأحيان تشارك في مهام قتالية. وبصفة عامة، يمكن للشركات العسكرية الخاصة تقديم خدمات الشركات الأمنية الخاصة ولا يمكن حصول العكس.

تهتم الدول الكبرى بدعم هذه الشركات سواء بشكل مباشر أو غير مباشر من خلال علاقاتها بالأجهزة الأمنية والاستخبارية ووزارات الدفاع.

ويرجع هذا الاهتمام إلى انخفاض حجم التكلفة المالية والسياسية؛ فهي من جهة تمتلك مرونة عالية بقدرات عسكرية وأمنية متقدمة، ومن جهة أخرى هي لا تمثل الدولة بشكل رسمي ما يتيح للدولة مرونة دبلوماسية وسياسية.

بالإضافة إلى هذا يسعى قادة الدول الإفريقية إلى توقيع عقود مع الشركات لتوفير الأمن الشخصي لهم أو لمواجهة المتمردين.

وتتميز كل منطقة جغرافية في إفريقيا بخصائص محددة من حيث طبيعة المجتمعات والأنظمة السياسية والاقتصادية وتضاريسها، وهو ما يجعل الشركات أمام خيارات متعددة من أجل تقديم خدماتها، فعلى سبيل المثال تتميز منطقة شمال إفريقيا باستقرار سياسي نوعًا ما، باستثناء ليبيا، فيمكن أن نجد شركات الأمن الخاصة هي الأكثر انتشارًا.

أما غرب إفريقيا فتوجد مشاكل متعلقة بأمن الملاحة وحركة التجارة البحرية ما يمثل فرصة لبعض الشركات للعمل في دلتا النيجر وخليج غينيا، وكذلك في سواحل شرق إفريقيا خاصة سواحل الصومال التي تنتشر فيها عمليات القرصنة.

أما في دول كليبيا وجنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى وجمهورية الكونغو الديمقراطية وتشاد والنيجر ومالي التي تعاني حكوماتها ضعفًا وعجزًا أمام حركات التمرد والجماعات المسلحة فتنتشر الشركات العسكرية الخاصة بكثافة عالية، وهو ما يجعل الأمن والحماية مطلبًا عالي التكلفة لا تستطيع شركات الأمن الخاصة وحدها أن تحققه.

تتمتع تلك الشركات بعلاقات قوية بالقواعد العسكرية للدول الاستعمارية قد تتجاوز مساحة التنسيق إلى المشاركة في تنفيذ العمليات سويًّا، على سبيل المثال قوات فاغنر الروسية تنتشر في العديد من الدول التي تشهد اقتتالًا ومواجهات بين الحكومات والمتمردين والثوار أو جماعات مسلحة مثل ليبيا وموزمبيق وإفريقيا الوسطى.

***

شادي إبراهيم ـ باحث بمركز سيجا بجامعة صباح الدين زعيم.

___________

مواد ذات علاقة