عبد الرزاق مقّري

إن سبب خسارة حزب العدالة والتنمية ليس أداؤه بل منهجه، هو ذلك المنهج الذي يدور حول عبارات أضحت فارغة تنتمي للغة الخشب.

الجزء الثاني

إن منهج الإدماج في التعامل مع الإسلاميين منهج مؤطر أمريكيا من قبل الديمقراطيين خصوصا ومن أغلب الدول الأوربية، ومطبق منذ القدم في الكويت واليمن والأردن، وأخذ هذا التوجه أهمية كبيرة في المغرب العربي بعد الربيع العربي لاعتبارات يطول شرحها.

وهو منهج يقابل خيار الاستئصال الذي لا يقبل أن يستفيد الإسلاميون بأي موقع في الساحة السياسية، ويعتبر أن أي شبر يحوزه هؤلاء بالمشاركة السياسية يتقوون به فيصعب إنهاء وجودهم من ساحات الشأن العام، وهو منهج اليمين الأمريكي المتشدد الذي أفرز الظاهرة “الترامبية”، وعدد من التيارات المتطرفة في أوربا وخاصة في فرنسا، و هو مطبق في العالم العربي في دول الخليج وفي مصر حاليا، وفي العراق وسوريا وتونس سابقا.

لا أظن أن الملك فكر في أمر إنهاء الإسلاميين سياسيا وحده، أعتقد جازما بأنه شُجّع من جهات عربية معلومة ذات توجه استئصالي لتسريع الأمر وعدم ترك أي فرصة قريبة لحزب العدالة والتنمية ليصحح أخطاءه.

فالملك يحتاج إلى أموال عربية كبيرة يواجه بها مشاكله الداخلية والخارحية، وقد يحصل عليها فعلا الآن بعد التخلص من حزب العدالة والتنمية. غير أن هؤلاء وحليفهم الملك ورجال الأعمال في الداخل المغربي سينفقون أموالهم ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون.

فالحركة الإسلامية في المغرب متجذرة ولها ركائز قوة أخرى كثيرة غير العدالة والتنمية، والعدالة والتنمية ذاته له إمكانات بشرية وهيكلية وفكرية كبيرة ومتنوعة تسمح له بالاستدراك إذا اعترف بأخطائه وجدد نفسه، مع التنبيه بأن بنكيران الذي طلب من العثماني الاستقالة لن يستطيع أن يكون البديل إن لم يكن هو ذاته ضمن موضوع التجديد، إذ لا يختلف فكريا مطلقا مع العثماني في أبرز القضايا الفكرية والسياسية التي أضعفت الحزب.

وإذ أقول هذا فإني أشبه أمرهم بأمر حركة مجتمع السلم في الجزائر التي لم تستطع الوقوف بعد عثراتها والرجوع للصدارة والتحرر من التبعية العقيمة للنظام السياسي وإبراز أجيال قيادية جديدة وتحقيق نتائج جيدة في الانتخابات التشريعية السابقة رغم التزوير إلا بمجهود تجديدي شامل في الفكر والسياسة والعمل الاجتماعي استهدف كبار قادة الحزب السابقين الذين كان عدد منهم يتصارعون بينهم، ليس على أساس فكري تجديدي، بل من يكون منهم أقرب إلى السلطة.

ولا تزال حركة حمس إلى الآن تكافح للتخلص من أخطاء الماضي ولم تصل بعد إلى التجديد الكامل المؤهل للريادة والاستنهاض الحضاري حيث أنها تأخرت كثيرا قبل الانطلاق في هذه المسيرة التجديدية التاريخية، وكلما بدأ حزب العدالة والتنمية المغربي سريعا بعد النكسة كلما كان الاستدراك أقرب.

لقد نصحت العديد من قادة حزب العدالة والتنمية ليعتقوا أنفسهم من فخ التطبيع ولو أدى بهم الحال إلى الخروج من الحكومة و قلت لهم ما مفاده أن الانتخابات التشريعية قريبة وستكون لكم حظوة كبيرة عند الناخبين لو استقلتم من الحكومة بسبب التطبيع الذي أريد لكم أن تكونوا أنتم من يمضيه ويتصدره، وحتى إن تعرضتم للتزوير الانتخابي فستكون خسارتكم مشرفة، وأنكم إن صممتم على الفعل المشين ستدفعون الثمن في الانتخابات المقبلة بمذلة.

للأسف الشديد حصل الذي خشيته، ولم ينفعهم حتى استغلال رمزية حماس الفلسطينية وقائدها المجاهد أبو العبد هنية ووفده المرموق حين استقدموهم لزيارتهم (في وقت غير مناسب بالنسبة للقضية الفلسطينية) طمعا في معالجة الأثر الشعبي السلبي على مصيرهم الانتخابي … وفي الأخير انتقمت فلسطين وخسر حزب العدالة والتنمية.

قد تكون خسارة حزب العدالة والتنمية بهذا الشكل الموجع سببا لاستفاقة الحركة الإسلامية كلها وليس هذا الحزب فقط، هذا الحزب الذي عوِّل عليه كثيرا في تقديم نموذج ناجح يتسم بالديمومة والتطور المتصاعد.

إن هذا الدرسَ البليغ درسٌ لكل حركات المشاركة السياسية الحكومية العقيمة التي باتت تزيد في عمر الأنظمة الفاسدة الفاشلة العميلة في كل العالم العربي،  من حيث أرادت هذه الحركات الإسلامية بالنسبة لبعضها، ومن حيث لم ترد بالنسبة لأغلبها .

إن سبب خسارة حزب العدالة والتنمية ليس أداؤه بل منهجه، هو ذلك المنهج الذي يدور حول عبارات أضحت فارغة تنتمي للغة الخشب مثل التنازل من “أجل الوطن”، “سلامة الدولة”، ” استقرار الوطن”، “حماية الديمقراطية”، “المصلحة العامة”،  “قطع الطريق على العلمانيين”، “دفع المفاسد أولى من جلب المصالح..الخ.

لقد أظهر هذا المنهج المتبع من مختلف الحركات الإسلامية التي تُحشر كلُّها من طرف خصومها في “جماعة الأخوان المسلمين” ليسهل ضربها بأنه منهج تجاوزه الزمن وأصبح يحقق عكس مقاصده المعلنة إذ كل الأنظمة التي يتنازل لها قادة التيار الإسلامي تشتغل بشكل منهجي ضد تلك المقاصد، وما قبولهم لمشاركة الإسلاميين في التسيير الحكومي إلا لضرب ذات المقاصد، وبمساهمة هؤلاء الإسلاميين.

ومما عقد مسيرة هؤلاء القادة السياسيين الذين جاؤوا من حركات دعوية إحيائية إصلاحية أن طول اتباع منهج المشاركة العقيمة أنتج قيادات صار لها نفوذ في مؤسسات أحزابهم ألفوا امتيازات الحكم وأهبّته ووجاهته وخدماته وعيشه الهانئ، وصار لبعضهم أصدقاء وعلاقات ووشائج شخصية مع نخب الفساد وأعداء المشروع في الحكم.

فلم تصبح لهم القدرة على اتخاذ قرار مغادرة هذا الواقع المألوف، وركوب مخاطر المعارضة وإغضاب الحكام، بل منهم من أصبح هو ذاته فاسدا ويسعى لاستغلال حزبه والانتفاع بمنهج المشاركة لمصلحته الشخصية، على هامش جسمهم الكبير الذي أضحى عاجزا على التصرف تجاه هذه الحالات الشاذة.

وزاد في ابتعادهم عن أهدافهم الإحيائية الأصلية انغماسهم كليا في السياسة دون أن يوجدوا لمشروهم مؤسسات ومشاريع ومسالك لإصلاح المجتمع وخدمته والتأثير فيه والاستفادة منه لإعلاء شأن المعروف وحطّ رؤوس مختلف المناكر.

ومن أخطر ما توصل إليه هذا الواقع أن هؤلاء صاروا يفتون لأنفسهم ويغلّطون أتباعهم بليّ النصوص وابتكار توجهات فكرية يلحقونها بـ “فقه المقاصد” من غير وجه حق، ومن أغرب ما أجيب به قادة حماس حين سألوا قادة حزب العدالة والتنمية عن سبب التنازل في مسألة التطبيع قولهم ” إنها إكراهات الحكم!فما هي إلا شهور قليلة حتى سقطوا من الحكم سقوطا سريعا مذهلا، ولم يخف الصهاينة الذين طبعوا معهم ابتهاجهم بصعود أصدقائهم المغاربة المطبعين الأصليين في هذه الانتخابات الأخيرة، وسقوط الإسلاميين الملحَقين بالتطبيع خلافا لمبادئهم.

لقد بدأ سقوط منهج المشاركة العقيم منذ سنوات، وهو في حالة تسارع مع الأحداث المتتالية والمتسارعة في تونس والمغرب ومن قبل في الجزائر ومن قبل في دول المشرق العربي، ولعل خسارة العدالة والتنمية هي الصدمة التي تدفع للتفكير في الخروج نهائيا من هذا المنهج ليتخفف الإسلاميون عن أنفسهم من ثقل مسؤولية “التازل من أجل الدولة واستقرار الوطن وتحقيق الديمقراطية” – كما يقولون – فلا يجعلوا لأنفسهم سقفا في الكفاح من أجل الحريات والتغيير الفعلي للواقع البئيس الذي يعيشه عالمنا العربي، الذي لا سبب له سوى الأنظمة الفاسدة الفاشلة العميلة التي يتنازلون لها لأجل مجرد قبولهم في الساحة السياسية دون فاعلية لتغيير واقع الأوطان والأمة والشعوب.

فإما أن يكونوا في الحكم مشاركين فعليا وفق حجمهم الانتخابي في انتخابات حقيقية حرة ونزيهة أو ممكنين بواسطة الإرادة الشعبية من أجل تطبيق برامجهم لنهضة بلدانهم، أو يكونوا في المعارضة يعملون ما بوسعهم من أجل التغيير، ولو طال بهم الزمن، فلا يضعهم المستبدون بينهم وبين الشعب، وليبحثوا لأنفسهم عن طرق عصرية جديدة غير مألوفة للنضال السياسي، بين التوجهات الإصلاحية والتوجهات الثورية السلمية، يضعفوا بها الأنظمة الفاسدة دون صدام معها ما أمكن، ويسألوا العافية من الله وحده، حتى تعتدل موازين القوة لصالح التغيير الفعلي بمشاركة الأنظمة القائمة أو ضدها أو لإنهائها، بالتحالف مع قوى المجتمع المتعددة وفواعل السنن الغلابة.

إن فعلوا ذلك لن ينفع لإنهائهم لا نهج الإدماج ولا نهج الاستئصال، لأن المواجهة المباشرة عندئذ ستكون بين الأنظمة والشعب، فما هم إلا جزء من الشعب.

وإن كانوا غير قادرين على المواجهة وسط الشعب، أو اشترطوا على الله لأنفسهم عدم التعرض لأي خطر، فليخرجوا من السياسة ويكتفوا بالعمل في المجتمع، أو يبقوا في بيوتهم وليتركوا المواجهة بين الشعب والأنظمة الفاسدة فسيجد الشعب طريقه في يوم من الأيام.

***

عبد الرزاق مَقْري ـ سياسي جزائري و برلماني سابق، ورئيس حركة مجتمع السلم الجزائرية ، وهو الأمين العام لمنتدى كوالالمبور للفكر والحضارة منذ مارس 2015. عرف مقري بداية الثمانينات من القرن الماضي بنشاطه الطلابي والدعوي في ولايات الشرق الجزائري أيام دراسته الجامعية في مدينة سطيف والتي درس بها الطب .

_________

مواد ذات علاقة