علي عبد اللطيف اللافي

كثيرة هي الانتقادات الموجهة لحكومة عبدالحميد الديبية، ولكن هامش الخيارات الضيقة وتواصل المناكفات والتباينات والخلافات – الجزئية والكليةبين طرفي الصراع الذي كان قائما فبل 5 فبراير 2021 (تاريخ انتخاب رئيسها وانتخاب مجلس رئاسي ثلاثي وممثل للمناطق الثلاث).

وهو صراع معقد ومسلح امتد على اكثر من ست سنوات (2014-2020)، لم ولن يترك للأطراف الدولية الساعية أي خيار ثان غير إيجاد حل للأمم المتحدة ومبعوثها السادس ومواصلة دعم الحكومة الحالية وصولا للموعد الانتخابي المقرر ليوم 24 ديسمبر.

ذلك أن الملف الليبي يمكن ان تكون له تداعيات وترتبات تربك كل المنطقة ( افريقيا – جنوب المتوسط ) وتغيير المعادلات وهو ما يتعارض مع الاستراتيجيات الامريكية القائمة والمبنية على تحول ملفات المنطقتين الشرق أوسطية والشمال افريقية لملفات نائمة .

مراقبون أمميون لإدارة المرحلة والاشراف على انسحاب المرتزقة

أولاعمليا أثارت الرسالة التي تحدث فيها الأمين العام للأمم المتحدة “أنطونيو غوتيريش” عن عزم الأمم المتحدة نشر 10 مراقبين، لمراقبة وقف إطلاق النار خلال المرحلة المقبلة، الجدل بشأن فاعلية آلية الأمم المتحدة لمراقبة وقف إطلاق النار والإشراف على انسحاب ما يفوق 20 ألف من المرتزقة – والذين دخلوا الأراضي الليبية بدعم وتمويل إقليميحيث قال “غوتيريش” في رسالة موجهة إلى رئيس مجلس الأمن بتاريخ السادس من أغسطس/أوت الماضي، إنه من المتوقع أن تنشر المنظمة الدولية فريقًا أوليًّا يتألف من 10 مراقبين سيعملون مع اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) لرصد تنفيذ الأطراف أحكامًا محددة من اتفاق وقف إطلاق النار.

ثانياالمبعوث الاممي قال يومها في رسالته والتي تضمنت استعراضًا استراتيجيا للبعثة الأممية لدى ليبيا أن “مقر الوجود المتقدم لهذا الفريق سيكون في العاصمة طرابلس إلى حين الانتهاء من ترتيبات الدعم الأمني واللوجستي، وغيرها من الترتيبات المتقدمة من البعثة في مدينة سرت (المنطقة الوسطى من ليبيا)، “حيث سيتم نشر 60 مراقبًا على أقصى تقدير في تلك المدينة” (وهي المدينة الاستراتيجية راهنا والتي توجد على حدودها قوات طرفي الصراع.

ثالثافعليا تخشى الأمم المتحدة وكذلك المجتمع الدولي، انهيار الهدنة الهشة بين أطراف الصراع الليبي، خاصة في علاقة بالانتخابات حيث يهدد كلا الطرفين بالعودة إلى القتال إذا لم تجر ى تلك الانتخابات في موعدها أي في 24 ديسمبر المقبل وهو ما أكده أحد طرفي الصراع أي الجنرال المتقاعد “خليفة حفتر”وهذا الأخير في الواقع لن يقبل بنتائج الانتخابات لو لم تكن مرضية ولصالحه ولصالح حلفائه، وهو أمر لا ينسحب عليه وحده بل على عديد الأطراف في المنطقتين الشرقية والغربية.

رابعابقراءة موضوعية لا يزال الغموض يلف إمكانية إجراء الانتخابات رغم الضغوط الدولية المستمرة لإجرائها، حيث أصدرت الولايات المتحدة وأربع دول أوروبية أول أمس الأحد 12 سبتمبر الجاري، بيانا دعت فيه إلى الالتزام بموعد الرابع والعشرين من ديسمبر، في رسالة ضمنية لحفتر ولكل الأطراف الليبية وأيضا للأطراف الداعمة لحكومة عبدالحميد الدبيبة مفادها أن لا مجال للتأجيل.

خامسافعليا ينتشر في ليبيا الآلاف من المرتزقة السوريين الذين أتت بهم الأطراف الدولية والإقليمية المتصارعة (الامارات والأطراف الداعمة للجنرال المتقاعد خليفة حفتر من جهة وتركيا وحلفائها في المنطقة الغربية)، إضافة الى مئات المقالين السودانيين والتشاديين ضمن قوات حفتر مضاف إليهم آلاف من مرتزقة فاغنر الروسيون الذين قاتلوا إلى جانب قواته.

سادسايطرح المتابعون للأوضاع في ليبيا أسئلة بشأن قدرة العشرات من المراقبين الأمميين الذين أشارت تقارير سابقة إلى أنهم سيكونون غير مسلحينعلى مراقبة أو إيقاف الحرب إذا عادت، ويرى هؤلاء أن العملية لا يمكن وصفها سوى بالشكلية لأنه منطقيا لن يتمكن هؤلاء من فعل أي شيء إذا انهارت الهدنة وعادت لغة الحرب والمواجهات بين أطراف النزاع.

ثنائية دعم حكومة الوحدة الوطنية وتوجيه الانتقادات لها

أالمبعوث الأممي انتقد أداء حكومة الدبيبة بل ووصفها بأنها “مازالت ضعيفة” وقال إن سلطة رئيس حكومة عبدالحميدالدبيبة لا تزال ضعيفة في أجزاء من ليبيا بما في ذلك شرق البلاد…، بل واعتبر أن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة تطور يبعث على التشجيع، لكنه قال إن “التعاون السياسي بين المؤسسات لا يزال منعدمًا”. ولاحظ غوتيريش أيضا “تعطل التقدم على الجبهات السياسية والأمنية والاقتصادية”.

بميدانيا حكومة الدبيبة تستنسخ بخطوات سريعة تجربة حكومة الوفاق السابقة برئاسة فايز السراج التي جاءت سنة 2015 لتوحيد البلاد ولكنها تحولت إلى طرف في الصراع بحكم ما اتاه الجنرال المتقاعد وأيضا نتاج غياب خطة وعقل سياسي استراتيجي لديها ورغم قدرتها في صد مشروع العسكرة وفي افشال خطة سيطرة حفتر وداعميه الإقليميين على العاصمة ومن ثم طرد قواته من كل مدن الساحل الغربي، الا أنها سقطت في أخطاء قاتلة مما استوجب حوار أغسطس 2020 والذي تلته حوارات بوزنيقة المغربية وقمرت التونسية وصولا لجولة جنيف في بداية فيفري 2021 والتي تم خلالها انتخاب دبيبة ومجلس رئاسي ثلاثي جديد.

جحكومة الوحدة الوطنية بقيادة رجل الأعمال عبد الحميد الدبيبة تواجه ظاهرا تحدي سحب البرلمان الثقة منها حيث خضعت الأربعاء الماضي (8 سبتمبر الحالي) إلى المساءلة بشأن مشاريع أعلن عنها لكنها غير مدرجة في مشروع قانون الميزانية، ومعلوم أن البرلمان يرفض حاليا المصادقة على قانون الميزانية بسبب تضمنها بنودا تتعلق بمشاريع تنموية لن يكون بمقدورها تنفيذها خلال الأشهر الثلاثة المتبقية لها إذا جرت الانتخابات بحسب ما هو مخطط لها.

دفعليا ساءت العلاقة أيضا بين الدبيبة و حفتر حيث يتعمد الدبيبة تجاهل الجنرال المتقاعد ويعتبر أنه غير معني بالتواصل معه كما يرفض تخصيص ميزانية له ضمن الميزانية العامة وأن تلك الميزانية هي من حقة مؤسسة الجيش في كل يلبيا وليس من حق الجنرال ونجليه واتباعهم فقط وهي رؤية يرفضها حلفاء حفتر المحليين رغم انحسارهم سياسيا وعسكريا.

هـما يغيبه البعض هو أن حكومة الدبيبة مدعومة لا أمميا فقط بل أيضا من أهم الأطراف الإقليمية والدولية باعتبار انها ناتجة عن حوار اممي وانه ليس هناك جل سلمي ثاني يمكن التعاطي معه، والثابت أن مناورات عقيلة وحفتر والذان هما حلفين ظاهرين بينما هما في حالة تجاذب مستمرة بينهما على الأرض.

تحدي اجراء انتخابات 24 ديسمبر ومستقبل الدبيبدبة وحكومته

أالدعم الذي تلقاه حكومة الدبيبة إقليميا ودوليا لا يعني انها ليست في مآزق تكتيكيا سواء على مستوى الداخل الليبي او أيضا على مستوى علاقتها بدول الجوار على غرار الإشكالات القائمة مع تونس في فتح المعابر الحدودية وباديات التعاون الأمني والصحي، وبالتالي فالديبية مطالب برفع تلك التحديات معالجتها معالجات منهجية وبروية حتى يمكن تجاوز المرحلة والذهاب لانتخابات 24 ديسمبر في ظروف جيدة وعبر وفاق وطني ليبي واسع.

بمخطط حفتر ومابقي لها من دعم إقليمي ودولي، يسير في اتجاه مقابل للوفاق حيث يقسم جهودهفي ثلاثة اتجاهات/خيارات:

خيار أول، يقوم على تسليم قيادة الجيش للقريب منه أي العسكري عبد الرزاق الناظوري وتقديم نفسه كمرشح رئاسي وهو أمر يقوم على أن حفتر لا يرى الا نفسه زعيما وحاكما لليبيا وان كل من حوله هم مجرد وظيفيين لشخصه ولنجليه ولبقية فراد عائلته ومحيطه.

خيار ثان، يقوم تكتيكيا على التلويح بسحب الثقة من حكومة الدييبة وتشكيل حكومة بديلة لها سواء حاليا او عند عدم التوصل لأجراء انتخابات في 24 ديسمبر بغض النظر عمن هو بديل لدبيبة او حتى تشكيل حكومة في الشرق الليبي فقط.

خيار ثالث، ويتمثل في مواصلة الاستعداد لجولة ثالثة من الحرب خاصة وانه كشخص يفضل أجواء الحروب والحسم الميداني للخلافات وذلك غالب على تفكيره وتفكير نجليه أي العودة الى مربع استنساخ سيسي آخر في ليبيا أو إعادة انتاج القذافي خاصة وانه يخشى من عودة سيف القذافي لمربعات الفعل السياسي.

جالتطورات في ليبيا متسارعة والمخططات الإقليمية والدولية عددها كثير وأنساقها متداخلة والأوراق التي يلعبها هذا الطرف ا, ذلك أكثر من أن تحصى أو تعد ولكنها متداخلة وحالات التقاطع والانقطاع متعددة وهناك اختراق متبادلة بين الأطراف المحلية والأوراق الإقليمية وبين الخيارات الدولية، وكل ذلك يخدم حكومة الدبيبة رغم تطور الانتقادات لها خاصة وان إنجازاتها على الأرض وان ليست منعدمة ولكنها ضعيفة.

ديظهر أن أكثر الخيارات واقعية هي الاتفاق والتوافق على أسس دستورية تجرى على أساسها الانتخابات وعند نقطة الاتفاق والتتويج سيعلن الفريق الاممي وهيئة الانتخابات الى ترحيلها ولأشهر معدودة وبسقف يونيو 2022، وعندئذ سيتم التوصل الى تفاصيل التوافقات وتصبح المعارك برامجية سياسيا واجتماعيا ولكن ذلك ستكون ضوابطه في تونس والقاهرة والجزائر وانقرة وواشنطن وباريس وموسكو ووفقا لديناميكية الاحداث والتطورات في الدوحة وابوظبي وكابل وعواصم إقليمية وولية أخرى أيضا.

***

علي عبد اللطيف اللافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

_________

مواد ذات علاقة