مقاربة سوسيو سياسية للحالة التونسية

د. عبد الكريم العراجي (الجزائر)

في هذه الورقة البحثية لا يمكننا تشخيص الظاهرة السلفية المدخلية بمعزل عن المسار التاريخي والسياسي الذي عرفته تونس بداية مع دخول .المستعمر، وما أحدثه من تغيرات اقتصادية واجتماعية

الجزء الثالث

ثالثا: السلفية المدخلية في تونس قراءة سوسيولوجية للواقع والتحديات

الظاهرة السلفية في تونس لا تحتاج قراءة سوسيولوجية أحادية المقاربة من أجل تشخيصها وتحديد معالم الإحداثيات التي ترتكز عليها في عملية انتشارها؛ بل الباحث المتتبع للمسار الظاهرة المدخلية في تونس ملزم بتبني قراءة اجتماعية متعددة المقاربات.

إن القراءة العلمية لواقع السلفية المدخلية لا تتحقق إلا بتحقيق عنصر الفهم العميق لطبيعة المجتمع التونسي الذي يتميز بنوع من الاستثناء الثقافي في العالم العربي كما ذكرنا من قبل، كونه مجتمعا حداثيا تشكل العلمانية جزءا أساسيا من حياته الثقافية والاجتماعية، وهو يحوي فضاء عموميا يعترف باختلاف الثقافات والهويات والتيارات، مثل التيار الليبيرالي والتيار اليساري؛

فالمجتمع التونسي هو مهد الالتزام السياسي بسبب تعدد الأحزاب المعارضة للنظام السابق وهيمنة الثقافة النقابية على الأوساط العمالية، وكذلك هيمنة الخطاب العلماني اليساري على المجتمع السياسي، وهناك عنصر آخر يفرض تحديات على الواقع السلفي هو فعالية الجامعة التونسية وما تنتجه من نقاشات عمومية حول الحياة العامة في تونس، حيث تحمل على عاتقها مشروع التحرير والتنوير من خلال القيام بدراسات نقدية للتراث الإسلامي ونقدها للرجعية والإمبريالية زيادة على ذلك وجود حركة النهضة، باعتبارها كتلة تاريخية ساهمت في عملية التحول الديمقراطي في تونس.

هذه المحددات الثقافية والفكرية في المجتمع التونسي لم تكن ناتجة عن الربيع العربي، بل كانت متجذرة في تونس بسبب قدم مشروع التحديث في عهد خير الدين باشا ودور مدرسة الصادقية في تنوير الشعب التونسي بالقيم الحداثية ودعم الدولة الوطنية في عهد بورقيبة لتحرر المرأة والتخلي عن القيم الرجعية التي كانت تتجلى في قيم الإسلام التقليدي.

ولا يمكن أن نهمل نمط الاقتصاد التونسي المبني على السياحية والقطاع الخدماتي؛ فكل هذه الفواعل تساهم في تأطير نموذج السلفية المدخلية التي تنشط في مجتمع حداثي علماني يؤمن بالنشاط الحزبي والعمل السياسي.

وهذا ما سيفرض على المداخلة مساندة النظام القائم عن طريق الأعمال الدعوية والتقيد بأهداف الاستراتيجية الإقليمية التي تنادي بمكافحة توسع وانتشار صحوة الإخوان المسلمين في تونس والعالم العربي، مما يفرض على السلفية المدخلية مساندة النظام العلماني خشية تحول الربيع التونسي إلى ربيع إخواني بقيادة النهضة.

كل هذه المحددات تساهم في تحديد الواقع السوسيوسياسي للمداخلة في تونس، باعتبارهم جزءا من السلفية المحافظة التي تتحالف مع الأنظمة الحاكمة وفق ضوابط شرعية، وهذا ما سيساهم في تعميق الفجوة بين السلفية والحقل السياسي في تونس بسبب موقفها الراديكالي من المشاركة السياسية والفعل الانتخابي، باعتبارهما نقطتي التقاء بين السلفية الحركية والإسلام السياسي المتمثل في جماعة الإخوان.

هذا الموقف لم يكن إن صح القول موقف تونسي محض، بل هو موقف وافد على السلفية التونسية من خارج الحدود يلزم السلفية المدخلية بتتبع نهج السلف وعدم الخروج عن الحاكم.

هذا التقيد العقدي إن صح القول، جعل السلفية المدخلية تعتمد على استراتيجية مغايرة عكس حركة النهضة وباقي الأحزاب اليسارية والعلمانية، حيث عمدت إلى تبني فئة معينة من المجتمع التونسي، وهي فئة الشباب وبالخصوص الشباب القاطن في المناطق الجنوبية؛

بمعنى أنها استثمرت في هامش المجتمع التونسي؛ وذلك بسبب فقدان هذه الفئات وأوساطها للعمل الحزبي والنقاشات الفكرية الثقافية والحزبية التي تكرس مشروع العلمانية وضرورة إنجاح التجربة الديمقراطية في البلاد، فالدور السلفي في واقعه المعيش يتجسد في الدور الاجتماعي المؤسس على التضامن والتواصل مع فئة الشباب بهدف التعبئة العقائدية ويحمل هذا الدور المجتمعي في طياته استراتيجية سياسية، وهي ترهيب الشباب من العمل الحزبي وتنفيره من كل أشكال العمل السياسي الذي يؤدي إلى إحداث الفتنة.

من وجهة نظرهم هذه الأساليب تقتضيها المصلحة الشرعية، مما يوجهها على تبني خيار آخر، وهو أن تكون بمثابة جماعة ضغط ليس من باب ممارسة الضغط على السلطة من أجل تحقيق أهدافها، بل تعمل على تحقيق أهدافها التي ترتبط بمصالح السلطة السياسية.

ومن هذا الدور المنوط لها هي تمارس ضغطا اجتماعيا باحتكارها للشارع دون أن ننسى فعالية نشاطها الاقتصادي والتجاري في المجتمع، مما يخولها القدرة على التغلغل في الأوساط الاجتماعية التي لا تغزوها برامج الأحزاب والجمعيات الثقافية والأدبية لباقي الفاعلين السياسيين، وتكون بمثابة إسفين بين الصحوة الإخوانية والمجتمع.

هذا الانتشار السريع للظاهرة السلفية كان مع بداية الألفية، حيث كانت الأوساط الشعبية هي الحاضنة الاجتماعية لهذه الظاهرة، وكانت تعتمد على خطابات تنبذ العنف والتطرف، وكانت معادية لأفكار السلفية الجهادية.

لذلك لم تكن تشكل أيّ قلق أمني على النظام الحاكم؛ ذلك لأنها كانت متعاونة مع النظام في رصد تحركات السلفية الجهادية، وهناك من يشكك بأن المدخليين كان لهم دور في هذه المسألة خاصة بعد انطلاق حرب العراق في 2003 فهذه النشاطات والتمركزات في الأحياء الشعبية كانت قبل الثورة، وهذا الانتشار كان ثمرة من ثمار الاستراتيجية الإعلامية للملكة السعودية التي مارست الغزو الفكري والديني للمجتمعات العربية والإسلامية.

لكن المراقب للشأن التونسي بصفة عامة والحركة السلفية بصفة خاصة يرى بأن ثورة 14 يناير 2011 ساهمت في حل عقدة الانغلاق لدى السلفيين وأرغمتهم على الخروج من الأوساط الشعبية ودفعت بهم إلى النشاط في الساحات العمومية وفق آليات الوعظ والإرشاد والتحذير من مخاطر التيارات الإسلامية التي تحرض على التكفير.

لكن لو ندقق الملاحظة والتدبر في مسار السلفية يتبين لنا بأن خروج هذا التيار من الظل إلى العلن لم يكن عفويا، بل كانت له ضمانات وجهات توجهه كجمعيات ومؤسسات مثل برنامج المناصحة الذي يشرف عليه الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية السعودي.

هذا الواقع الذي تعيشه المدخلية هو ناتج عن حداثة التيار السلفي في تونس وعدم قدرتها في مجابهة التيارات السياسية وحتى الموجات الثقافية التي عصفت بالمجتمع التونسي على مدى ستين سنة ساهمت في توسيع الهوة بين السلفية والمجتمع التونسي.

لذلك فلسلفية المدخلية في تونس هي سلفية مهادنة للسلطة؛ لأنها تعادي فكر الإخوان المسلمين والإسلام السياسي الذي يؤدّي إلى جلب المفاسد والفتن.

لذلك، فإن واقعها مقترن بالتحديات التي تواجهها، باعتبارها ظاهرة وافدة من المشرق ولا تتمتع بالتغلغل العميق في أوساط المجتمع التونسي ووجودها أصبح مرهونا بالمتغيرات الدولية والإقليمية، فهي تتأثر بكل المتغيرات التي تطرأ على دول الخليج وعلى رأسها السعودية التي ترى بأن المدخلية تندرج في سياق أجندتها الدولية، كذلك النهضة الثقافية التي تعيشها تونس تضيق الخناق على هذه الطائفة؛ لأن المجتمع التونسي يؤمن بقيم المدنية والحداثة السياسية.

لذلك، فيمكننا القول بأن الفعل الدعوي للحركة المدخلية لا يمكنه مجابهة الفعل الثقافي والوعي السياسي الذي تعيشه تونس إضافة للزخم الفكري والحضاري الذي يعيشه الفضاء العمومي التونسي يمكنها أن يكون بمثابة صخرة محطمة للموجة السلفية المدخلية.

وما يمكن أن نختم به ورقتنا البحثية هو أن السلفية المدخلية تسعى إلى إنتاج فعل توافقي يكرس قيم الوفاق السياسي بين السلطة والمجتمع. لذلك، يعمل هذا التيار جاهدا على نشر قيم المنهج الوهابي في المجتمع التونسي بهدف عرقلة المد الإخواني وتجسيد مشروع .

وإنتاج خطاب ديني مهادن للسلطة، وهذا ما سيجعل من هذا التيار نموذج معرفي على الصعيد الشرعي والسياسي ربما لا يقرّ بشرعية وجود الفعل السياسي في المجتمعات العربية والإسلامية.

استنتاج عام:

ما يمكن استنتاجه من هذه الورقة البحثية المتواضعة هو أن السلفية المدخلية لم تكن ناتجة عن خيارات دينية أو وطنية تفرضها المصلحة العامة، بل جاءت نتيجة استراتيجية إقليمية تسعى إلى تحقيق الاستقرار السياسي وإقصاء تيارات الإسلام السياسي.

لذلك، فإن هذه السلفية المهادنة هي خيار من أجل مجابهة التيار الإخواني والسلفية الجهادية، وهذا التأسيس يعيدنا إلى التاريخ ولو برهة، عندما يتذكر الباحث العربي كيف كان تأسيس منظمة العرب الأفغان التي كانت سد منيع في وجه الشيوعية المتطرفة وتأسيس هذه المنظمة كانت ناتج من فتوى شرعية تبنتها القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية والمعسكر الغربي.

وبعد أن حطت الحرب الباردة أوزارها ظهر مصطلح جديد، وهو محاربة العدو القريب والمتمثل في الأنظمة السياسية القومية في العالم العربي، والتي كانت مخالفة للشريعة من وجهة نظر الحركات الإسلامية ومع تطور الإسلام السياسي في مصر والجزائر وسوريا والسودان أدركت القوى الغربية هذه الخطورة.

ورأت ضرورة تبني نظرية انقسامية في وسط الحركات الإسلامية، حيث عمدت على الفصل بين حركات إسلامية علمية تؤمن بالشريعة والدين والفقه وحركات إسلامية تؤمن بضرورة بناء دولة إسلامية ومواجهة الغرب الكافر ومع غزو العراق للكويت.

ونجاح الإسلاميين في الانتخابات في الجزائر عمدت القوى الغربية ومراكزها الفكرية على إيجاد حلول لدعم دول الخليج من أجل تقويض طموحات نظام البعث في العراق وإقصاء الإسلام السياسي من المجال العربي الإسلامي.

وهذا الحل تمثل في المدخلية والجامية التي بررت استعانة السعودية بالقوات الأجنبية بالفتوى الشرعية وخوف ولي الأمر على مصلحة المسلمين، وأن الإسلام السياسي غايته الفتنة والحديث عن المدخلية بكل فروعها ونقاط انتشارها يتطلب جهد معرفي كبير وتفكيك للاستراتيجيات الغربية في عالمنا العربي.

لذلك، فإن نجاح هذا التيار هو نجاح متحكم فيه من خارج الحدود القومية للعالم العربي، لذلك يمكننا صياغة فرضيتين مفادهما أن هذا التيار، إما يكون مشروع سياسي إقليمي أو قوة مالية مؤثرة في المنطقة والسياسات الداخلية.

***

د. عبد الكريم العراجي ـ أكاديمي من الجزائر

____________

مواد ذات علاقة