المختار غميض

صرخة قوية هذه المرة علّ صداها يدوي في قصر قرطاج، تلك التي انطلقت من شارع الثورة وسط العاصمة التونسية كما لو انطلقت ذات ثورة قبل عَقد زمني، فصدع بها السبت المنقضي بعد تخوُّفعدد من النشطاء والنخبة وعامة الشعب الرافضين للانقلاب الدستوري لرئيس الجمهورية قيس سعيّد، داعين إياه إلى العودة للمسار الدستوري الديمقراطي.

الصرخة تأتي بعد احتجاجات سابقة مختلفة الأهداف جوبهت بقمع، لكن هذا الحراك كان الأكثر إعدادًا لما سبقه، ولم يتعرّض إلى الفضّ الأمني على خلاف سابقيه، خاصة كالذي انتظم مساء الأربعاء 2 سبتمبر للتنديد بالاغتيالات السياسية، حيث لم يسلم فيه الصحفيون أنفسهم من الاعتداء.

فضلًا عن عدم قمعه، فإن ما ميّز حراك 18 سبتمبر هو كونه التحرك الأكبر والأكثر تنظيمًا وتأطيرًا، لذلك سيكون بمنزلة الجرعة المؤثِّرة في الانقلاب والرسالة الأقوى التي ستصلُ إلى قصر قرطاج الذي ظلَّ منغلقًا على نفسه غير سامع للرأي الآخر.

بالتالي إذا قدر لهذه الصرخة أن تكون في وادٍ، فإن الشارع يبدو مصرًّا على صرخات قادمة كجرعة ثانية لتقوية المناعة ضد الانقلاب.

سلمية بعد قمع

على مدى 50 يومًا من انقلاب قيس سعيّد لم يرَ الشارع التونسي أي نتيجة تتحقق على أرض الواقع، بعد الحراك الذي مهّدَ للانقلاب والذي بدا مرتّبًا بشكل غير اعتباطي يضاهي مظاهرات التفويض التي قام بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أو قائد قوات الكرامة الليبية خليفة حفتر قبيل إعلان انقلابهما.

فلأول مرة منذ الانقلاب الدستوري الذي نفّذه الرئيس التونسي قيس سعيّد قبل 50 يومًا، معلِنًا إجراءات استثنائية وغلق مؤسسة البرلمان وحلّ الحكومة، تحرّكَ شارع الثورة في قلب العاصمة تونس يوم السبت 18 أكتوبر بعد دعوات للمطالبة بالعودة إلى المسار الديمقراطي ورفض كل التجاوزات الخطيرة التي جاءت بعد 25 يوليو الماضي.

وهذه المظاهرات الكبيرة غير مسبوقة ليس من حيث العدد فقط، وإنما أيضًا من حيث عدم فضّها من طرف الأمن، بعد تراجع رئيس البرلمان راشد الغنوشي يوم 26 يوليو عن دعوة الشارع للتحرُّك أمام مقرّ مجلس نواب الشعب غداة رفض الجيش فتحه أمام البرلمانيين، وذلك تفاديًا لأي منزلقات أمنية أو مواجهات دموية قد تحدث.

ومع بطء المسار التصحيحيكما يسمّيه أنصار قيس سعيّد، فإن الشارع سئمَ الخطابات والوعود الرئاسية بمقاومة الفساد وملاحقة الفاسدين ومكافحة احتكار المواد الأساسية التي ظلت شعارات دون نتيجة.

وبالتالي لم يربح عامة الناس تحسين وضعهم المعيشي، ولا هم حافظوا على مكتسبات ثورتهم، وأولها حق التعبير التي تكاد تكون المكسب الوحيد بعد الثورة، والذي بات مصابًا في مقتلٍ بعد الانقلاب الذي كان حراك 25 يوليو حاضنته الشبابية أو البيئة الخصبة التي ارتكزَ عليها المحتكر الأوحد للسلطة.

فهل باتت تونس اليوم بين حَراكَين يمثِّلان الثورة والثورة المضادة؟

وهل توحّدت قوى الثورة في حراك 18 سبتمبر؟

الحل في الشارع؟

عندما قرّرَ رئيس الجمهورية فرض التدابير الاستثنائية، تعمّد تأويل الفصل الدستوري 80 دون الأخذ بإجراءاته، ومنها المحافظة على استمرارية انعقاد البرلمان، ولم يلجأ إلى الشعب في إجراء استفتاء بل احتكر جميع السُّلَط وجمّد اختصاصات جميع المؤسسات في خرق للدستور، وفي مخالفة لجميع النظم الديمقراطية حيث يكون الدستور هو الملجأ لحلّ الأزمات.

ولنا في المملكة المتحدة وكندا مثالًا، فعندما انقسمَ الشارع البريطاني حول خروج بلدهم من الاتحاد الأوروبي بين موافق ومعارض، لجأت السلطة إلى تنظيم انتخابات مبكِّرة والعودة إلى الشعب، كذلك في كندا قرّر رئيس وزرائها جاستن ترودو الاحتكام إلى الشعب عبر انتخابات مبكرة بعد حلّ البرلمان.

وأمام هذا الوضع لم تجد القوى المؤمنة بالمسار الديمقراطي في تونس سوى أن تتوحّد جميعها في حراك 18 سبتمبر، الذي يمكن أن يجمع كل القوى المناهضة للانقلابات بأي شكل كانت وتحت أي ذريعة كانت، فمناهضة الاستبداد هي غاية جماعية بغضّ النظر عن التوجهات المختلفة.

لذلك جاء الحراك مقابل حراك 25 يوليو الذي مهّد للتدابير التي اتخذها قيس سعيّد عشية اليوم نفسه الذي كان عنيفًا وشهدَ أعمال عنف ضد أشخاص وحرق مقرّات حزبية، على خلاف يوم 18 سبتمبر الذي تميّز بسلميته.

كما اتسمت مسيرة 18 سبتمبر بطابعها النخبوي، بحيث دعا إلى المسيرة الخبير في الشأن الدستوري جوهر بن مبارك، كما وجّه منشورًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي سرعان ما انتشر، للمشاركة فيها.

كما أن حرية الرأي والتعبير والتظاهر السلمي هي حقوق لجميع المواطنين وليست فضلًا أو تكرُّمًا من أحد، أو إنجازًا لسلطة الانقلاب، بل المِنّة لشهداء ثورة الياسمين والشعب عمومًا.

صحيح لم تكن المسيرة مليونية، فالتحرُّك الذي كان ضد عودة الإقصاء انخرطت فيه النخبة من سياسيين ونوّاب برلمان ومثقفين وإعلاميين في وقفة 18 سبتمبر، حيث لم تكن مسيرة ممثلة لطرف بعينه كما يدّعي البعض كونها من تنظيم حركة النهضة في إعادة لسيناريو يوم الانقلاب، بل شاركَ فيها حتى المناهضون لما يسمّى بتيارات الإسلام السياسي.

ولربما الوقفة الاحتجاجية ستكون بحجم أكبر لولا الحيطة والحذر اللذين عمل بهما الحراك، تجنُّبًا لأي قمع للمسيرة أو محاولة التشويش عليها من طرف مندسّين هنا أو هناك لإرباك صف المناهضين لقيس سعيّد.

ومن هنا يمكن التأكيد أن المظاهرة كانت أقرب إلى عملية جسّ نبض لكسر الجليد، أكثر من أنها مظاهرة مليونية، في انتظار تفاعل رئيس الجمهورية معها ومعرفة موقفه على الأقل وردود المتواطئين والمناوئين أو حتى ما يسمّى الأغلبية الصامتة، ناهيك عن اختبار المواقف الخارجية التي طالبت رئيس الدولة بالحفاظ على الحريات.

وفي المقابل ليعرف منظِّمو الوقفة آفاق التحرك المقبل في ضوء ذلك التفاعل، وربما اتخاذ خطوات تصعيدية حيث بدأ النشطاء يتحدثون عن تنظيم مسيرات قادمة يوم السبت 25 سبتمبر.

حاجز خوف .. وكُسر

من الجدير بالذكر في هذه التظاهرة هو الحس الأمني اللافت للنظر، الذي كان في مستوى اللحظة بعيدًا عن أي مساعٍ لتدخُّل النقابات الأمنية ضد هذا أو ذاك، ورفض توظيف الأمن الجمهوري، وهو المكسب الثوري، من أطراف معيّنة تحت أي ذرائع أو مسميات كتصحيح المسار، بهدف العودة إلى مربع ترهيب الناس من التظاهر خدمةً للاستبداد، وهذا لا شك سيحفّز المتخوفين الراغبين في الخروج ولم يخرجوا على المشاركة في الوقفات القادمة بشكل أكبر.

هذا النجاح لا شكّ أنه معمّد بـ 10 سنوات من الانتقال الديمقراطي والمحاولات الالتفافية الفاشلة على الثورة، حيث انتظمت انتخابات تشريعة وبرلمانية وبلدية حرة ونزيهة، ناهيك عن حرية التعبير والإعلام والتنظُّم التي لن يفرط فيها الشعب الذي اعتاد على الممارسة الحرية غير القابلة للهزيمة أو الطمس، رغم شراسة الحرب المسلَّطة على المشعل الأول والأخير لإطفائه وتأكيد مقولة إن العرب غير أهل للمدنية.

لذا يبقى إصرار التونسيين على بقائه مضيئًا ببرهنتهم على أنهم شعب حي قادر على إعطاء جرعات أمل واحدة تلو أخرى لاستئصال وباء الاستبداد.

***

المختار غميض ـ كاتب من تونس

____________

مواد ذات علاقة