خالد محمود

“الشعب يريد إسقاط البرلمان”… هكذا هتف حشد شعبي ضم بضعة آلاف من المتظاهرين في العاصمة الليبية طرابلس دعماً لرئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة بعد سحب مجلس النواب من مقره بمدينة طبرق بأقصى شرق البلاد، الثقة عنها.

يبدو الخبر ديموقراطياً للغاية، فأنت هنا تتحدث عن مظاهرة شعبية سلمية، احتشد فيها المئات من مؤيدي الدبيبة في ميدان الشهداء بوسط العاصمة طرابلس، وتولت أجهزة الأمن التابعة لحكومة الوحدة تأمينها، لكن بالتعاون مع الميليشيات المسلحة.

أداء مسرحي للدبيبة

لم يخل المشهد من مسحة سينمائية غير معتادة، بعدما انحنى رئيس الوزراء أمام أنصاره في ساحة الشهداء الواسعة المحاطة بأشجار النخيل والمباني ذات الطراز الإيطالي، وسط المدينة، على هامش حفل زفاف جماعي مولته حكومة الدبيبة، الذي لم يفوت الفرصة دون أن يعد مستمعيه بالمزيد من القروض والهبات والعطايا.

وقبل ثلاثة أشهر من موعد الانتخابات التي تعد حاسمة لمستقبل البلاد، حمل المتظاهرون لافتات مناوئة لبرلمان بلادهم في عاصمتها، وطالبوا بإسقاطه، استناداً إلى دعوة الدبيبة، لكنهم تجاهلوا في المقابل المطالبة بتفكيك الميليشيات المسلحة وإنهاء التواجد العسكري التركي على الأراضي الليبية، بما في ذلك ترحيل المرتزقة السوريين الذين جلبتهم تركيا للقتال إلى جانب القوات الموالية للحكومة.

على بعد كيلومترات قليلة، تقع معسكرات الميليشيات المتناحرة منذ عشر سنوات على مناطق النفوذ والهيمنة في قلب طرابلس، بمنأى عن مطالب الجماهير، وهو أمر ستستفيد منه أيضاً القوات التركية المتواجدة على نفس المسافة تقريباً رغم تواجدها الرسمي في قاعدة معيتيقة الجوية بالمدينة.

وإلى جانب هذا الثنائي، يقبع جيش يضم آلاف المرتزقة السوريين في معسكرات تطوق العاصمة الليبية، وتشرف عليها تركيا وقوات حكومة الدبيبة.

لكن اللافت للانتباه أن حركة الطائرات العسكرية التركية في الأجواء الليبية لم تنقطع ليبيا خلال الساعات الماضية، وبالتزامن مع المظاهرة المؤيدة لحكومة الوحدة، فقد تحدثت مصادر عسكرية غير رسمية بالإضافة إلى وسائل إعلام محلية عن رصد طائرات شحن عسكرية تركية، في ثلاث رحلات على الأقل إلى قاعدة مستمرة صوب الوطية ومطار مصراتة في غرب البلاد.

في السابق، حين تظاهر سكان العاصمة ضد الميلشيات، كان الرد يأتيهم دائماً بالرصاص الحى، فالمليشيات المسلحة لم تتوانى عن إطلاق النار على متظاهرين كانوا يطالبون بخروجها من المدينة وتشكيل جيش وشرطة، ورفعوا شعار مثل “ملينا ملينا نبو المشير يجينا”، في إشارة المشير خليفة حفتر القائد العام للجيش الوطني.

ونتيجة لتقاتل المليشيات فيما بينها تعيش العاصمة طرابلس وضعاً أمنياً غير مستقر تحاصره الشكوك، خاصة بعدما لاحظت منظمة العفو الدولية في تقرير خلال شهر فبراير/شباط الماضى، أن سلطات طرابلس قامت بترقية وإضفاء الشرعية على قادة الميليشيات المسؤولة عن الأعمال المروعة، بدلاً من ضمان إجراء المساءلة، وتقديم التعويض.

وعلى سبيل المثال، فقد تم تعيين الغني الكيكلي، والمعروف أيضاً باسم غنيوة، زعيم ميليشيا قوة الأمن المركزي أبو سليم، رئيساً لجهاز دعم الاستقرار، حيث وفرت حكومة الوفاق الشرعية والرواتب لهذه الميليشيات عبر دمجها في وزارة الداخلية.

غنيوة الذى يعتبر أبرز قادة الميليشيات التي ارتكبت العديد من الانتهاكات المتعلقة بحقوق الإنسان، من مقرها فى حي أبو سليم أحد أشد الأحياء اكتظاظًاً بالسكان بالعاصمة الليبية طرابلس منذ 2011، بات يتمتع بسلطات واسعة النطاق وصفتها المنظمة بالغامضة، على اعتبار أن دوره سيشمل المتهمين في قضايا الأمن القومي.

قادة الميليشيات يتولون المناصب الرسمية

ورغم سجله القاتم في مجال حقوق الإنسان، فقد تم تعيين هيثم التاجوري، رئيس ميليشيا كتيبة ثوار طرابلس المتورطة في عمليات الاحتجاز التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب، نائباً لغنيوة مطلع العام الجارى.
تم أيضاً دمج قوة الردع الخاصة بقيادة عبد الرؤوف كاره، في وزارة الداخلية منذ عام 2018، وترقية عماد الطرابلسي قائد ما يسمى بميليشيات الأمن العام، إلى نائب رئيس المخابرات.
وعجزت الحكومات المتعاقبة عن مقاضاة أعضاء مليشيات مصراتة عن هجومها على مدينة تاورغاء الذي أدى إلى نزوح حوالي 40 ألف شخص.
بالمجمل ترسخ الإفلات من العقاب بشكل بالغ على مدى السنوات العشر الماضية، بعدما منح قانون صدر عام 2012 الحصانة الشاملة لعناصر الميليشيات، التي غالباً ماتندلع بينها اشتباكات عنيفة كثيرة على الأراضي، أو بسبب خصومات شخصية، في تعبير عن الفشل الرسمي للدولة الليبية في كبح جماحها.
ولا تزال العاصمة مكاناً خطيراً يعج الميليشيات المتناحرة التي تحتفظ بأراضي ونفوذ، حتى أن القوات التي تعتبر نفسها موالية لحكومة الوحدة تعتمد على رجال الميليشيات. وتواجه السلطات في طرابلس تحديات خطيرة في محاولتها غير الناجحة لإيجاد بديل لهذه الميليشيات وكيفية التعامل معها.

خريطة المليشيات المسلحة في طرابلس

لا توجد أرقام حقيقية ورسمية لإجمالي عدد عناصر ميليشيات طرابلس، فمعظمها يمتنع عن ذكرها في مواجهة الخصوم، في دولة تتعرض لابتزاز المليشيات على نحو مستمر.
وتشمل الخريطة المعقدة المليشيات المسلحة في طرابلس: قوة الردع الخاصة التي يقدر عددها بنحو ألفى مقاتل، بينما تضم كتيبة النواصي نحو ألف فقط، مقابل تضاعف حجم قوات الأمن المركزي وكتيبة ثوار طرابلس التي تضم عدداً مقارباً للردع.
وثمة ميلشيات مسلحة أخرى تعمل في طرابلس من مصراتة، أبرزها لواء المحجوب وكتيبة المرسى لواء الحلبوص، و يضم كل منها نحو ألف مقاتل أيضاً.
لكن هذه الميلشيات التي بحوزتها معدات عسكرية ولوجستية، تمتلك أيضاً ولاء معظم سكان العاصمة طرابلس ومدينة مصراتة، وهو ما برهنت عليه حقيقة عدم اعتراض هؤلاء على تواجد المرتزقة السوريين الموالين لتركيا هناك.
_______________

مواد ذات علاقة