ظهرت حالات الانتحار مجدداً في المشهد العام لليبيا الذي يواجه تعقيدات الفوضى وغياب الدولة وافتقاد الحلول والفرص. أما جديد هذه الظاهرة فتمحور حول تفسير متخصصين لها بأنها “أحد أشكال التهرب من المسؤولية من خلال الاستسلام للوضع الصعب السائد وأزماته“. 

في السنوات الأخيرة، انتشرت ظاهرة الانتحار بين الشباب، وبلغت معدلات مرتفعة جداً أخافت نشطاء ومراقبين للوضع في ليبيا، خصوصاً في ظل الإهمال الحكومي الذي لا يزال مستمراً مع عدم إعلان الحكومات المتعاقبة إحصاءات رسمية لعدد المنتحرين. 

وفي الأسابيع الأخيرة، سجلت ثلاث حالات انتحار جديدة في ليبيا، توزعت على اثنتين في مدينة سرت (شرق)، وواحدة في العاصمة طرابلس. ونشرت صحف ليبية تفاصيل العثور على شاب في الـ 36 من العمر مشنوقاً في طابق سفلي بمجمع قريب من شاطئ بحر سرت. جاء ذلك بعد ساعات على العثور على شخص آخر مشنوقاً أيضاً في مبنى يقع على طرف المدينة، في واقعة حصلت غداة الإبلاغ عن فقدان القتيل. ونقلت مصادر صحافية عن التحقيق أن المنتحر الأول شنق نفسه بسبب معاناته من مرض نفسي، في حين لم تفلح الجهود التي بذلت لمحاولة إنقاذه عبر نقله إلى المستشفى. أما المنتحر الثاني فكان يتمتع بصحة جيدة عندما خرج للتسوق قبل أن يفقد أثره، ما أعجز أهله عن تفسير سبب انتحاره. 

وفي شأن واقعة طرابلس، أبلغ أهالي منطقة قصر بن غشير السلطات أن “جثة شاب في منتصف الثلاثينات تتدلى من حبل”، قبل أن يؤكد أهله أنه يعاني من مضاعفات الإدمان على المخدرات، والتي لم يستطع والداه إقناعه في تركها، وقبول الخضوع لعلاج من أجل التخلص من آثارها. 

ورغم إعلان الضابط في مديرية أمن طرابلس، المدني اشناق، أن مراكز الشرطة وأجهزة الأمن تتلقى بلاغات دائمة عن حالات مشابهة، لكنه أكد عدم وجود إحصاء رسمي للعدد الحقيقي للمنتحرين في البلاد في السنوات الأخيرة. ويبلغ اشناق الـ”العربي الجديد” أن “مسؤولين في وزارة الداخلية يعتقدون بأن البلاغات التي تصل عن منتحرين تتطلب تحقيقات أوسع لمعرفة الأسباب الحقيقية التي تقف وراءها، وسط مخاوف من علاقة الوفيات بتصفيات تنفذها عصابات مسلحة بغرض الانتقام او تفادي ملاحقات”.

يضيف: “الإقرار بأن كل هذه الانتحارات سببها أمراض نفسية ومشكلات في تعاطي المخدرات أو أخرى اجتماعية أمر لا يمكن التسليم به بالمطلق، ونسأل هل يمكن استبعاد فرضية أن بعضهم قتلوا شنقا لإخفاء جريمة؟”. في مطلع سبتمبر/ أيلول 2020، وفي مناسبة اليوم العالمي لمنع الانتحار، نشرت وحدة البحوث الاجتماعية التابعة لمديرية أمن طرابلس دراسة عن الظاهرة امتنعت فيها عن الإشارة الى احتمال وقوف عوامل وراء عملية الانتحارات، مثل تنفيذ تصفيات.

لكن الباحث الاجتماعي عبد العزيز الأوجلي يرفض وجود مبررات أخرى لحالات الانتحار التي يعتبرها “شكلاً جديداً من التهرب من المسؤولية. وهذا احتمال لا يمكن استبعاده أو إخفاؤه في بيئة محافظة تعتبر الانتحار عاراً مجتمعياً”. وفي مطلع يناير/ كانون الثاني الماضي، أعلنت الأجهزة الأمنية في مدينة زليتن شرق طرابلس أن رجلاً أربعينياً انتحر بعد ساعات من إطلاقه من قبل مليشيا مسلحة كانت خطفته مع زوجته في وضح النهار.

وسبق ذلك تناقل وسائل إعلام في ديسمبر/ كانون الأول 2020 نبأ انتحار فتاة شنقت نفسها وشاب أطلق الرصاص على رأسه في مدينة البيضاء (شرق). ويتهم الأوجلي في حديثه لـ”العربي الجديد” السلطات بالإهمال المتعمد للظاهرة وتجاهل البحث عن أسبابها، مذكراً بأن “مدينة البيضاء سجلت وحدها 60 حالة انتحار عام 2017، من دون أن تكترث السلطات التي عمدت عبر وزارة الداخلية الى تحذير الشباب من الإقبال على لعبة تشارلي كونها أحد أسباب الانتحار”. 

وفيما يبدي الأوجلي انزعاجه الشديد من طريقة تعامل السلطات مع الظاهرة، يلفت إلى أن برامج الحكومة الحالية التي تستهدف العناية بالشباب وتحسين أوضاعهم الاقتصادية قد يزيل الكثير من أسباب الانتحار مثل الفقر أو الضيق الاجتماعي الذي قد يدفع الشباب الى التعرض لصدمات نفسية أو التورط بتعاطي المخدرات بعد الانخراط في تجارتها بحثاً عن مصادر للرزق. لكنه يرى أيضاً أن “صدق الحكومة وجدّيتها أمران مهمان، في حين أن استخدام هذه البرامج كدعاية انتخابية سيبقي شريحة الشباب مهددة بالانتحار”. 

لا يلقى الانتحار في ليبيا، رغم ارتفاع نسبته، اهتماماً من الجهات الرسمية نتيجة لاستمرار الحرب بالإضافة إلى عوامل أخرى. ومنذ يناير/كانون الثاني الماضي، لم يعلن رسمياً عن أية حالات انتحار في البلاد. إلا أن حسين بن عامر، الأكاديمي في كلية الدراسات العليا للعلوم الأمنية التابعة لوزارة داخلية حكومة الوفاق الوطني، يؤكد استمرار البلاغات بشأن الانتحار، وكان آخرها انتحار رجل أربعيني الأسبوع الماضي في مدينة زليتن (شرق طرابلس)، بعد إطلاق سراحه بساعات من قبل مليشيات مسلحة أقدمت على اختطافه وزوجته في وضح النهار.

ونهاية يناير/كانون الثاني الماضي، تناقلت وسائل إعلامية ليبية نبأ انتحار شخصين، أحدهما فتاة عمدت إلى شنق نفسها، والآخر شاب أطلق الرصاص على رأسه في مدينة البيضاء شرق البلاد. وبحسب التقارير الإعلامية، فإن الحادث أعاد إلى الأذهان حوادث الانتحار الكثيرة التي شهدتها المدينة خلال الربع الأول من عام 2017، والتي وصلت إلى ستين حالة انتحار، من دون أن تكشف الجهات المعنية الأسباب التي تقف وراءها. واكتفت سلطات حكومة الوفاق الوطني بنشر دراسة ترصد الظاهرة في العاصمة طرابلس فقط.

وبمناسبة اليوم العالمي لمنع الانتحار في العاشر من سبتمبر/أيلول الماضي، اكتفت وحدة البحوث الاجتماعية التابعة لمديرية أمن طرابلس بنشر دراسة عن الظاهرة في طرابلس فقط، خلصت فيها إلى أن غالبية ضحايا الانتحار في طرابلس هم من فئة الذكور بنسبة 58.8 في المائة، وتتركز لدى الفئة العمرية ما بين 21 و30 عاماً. كما بينت أن غالبية المنتحرين تسرّبوا من المدارس خلال المرحلة الإعدادية، مشيرة إلى أن معظمهم عاطلون عن العمل ويعيشون في أحياء فقيرة، وقد دخل كثيرون مستشفى الأمراض النفسية في طرابلس.

وأشارت الدراسة إلى أن 35 في المائة منهم يعانون من اضطرابات نفسية واكتئاب، و26 في المائة من العزلة واليأس، فيما يقدم 8 في المائة على الانتحار نتيجة تعاطي الكحول والمخدرات، و17 في المائة نتيجة الضغوط الاجتماعية.

وينتقد بن عامر اقتصار الدراسة على طرابلس فقط. ويقول لـ “العربي الجديد”: “يمكن أن يشمل المسح جميع مناطق البلاد”، مشيراً إلى أن الرأي العام يعتمد على إحصائيات يجريها متطوعون، لافتاً في الوقت نفسه إلى أن السلطات لم تعمل بشكل جيد على بناء قاعدة بيانات وإحصائيات لحالات الانتحار في البلاد. ويقول لـ “العربي الجديد” إن “وعي المواطن وتوثيق الأسباب يساهمان في توفير معلومات متكاملة لبناء قاعدة بيانات توضح مناطق تركز وجود هذه الظاهرة لدراسة أسبابها”. يضيف أن بروزها بشكل كبير خلال عام 2017 وتركزها في مدينة البيضاء “لم يلق اهتماماً لدراستها وتحديد أسبابها في هذه المنطقة تحديداً”.

ويسخر مواطنون بسبب كيفية تعامل الحكومة الموازية في بنغازي، شرقي البلاد، مع تفشي ظاهرة الانتحار في مدينة البيضاء خلال عام 2017. واعتبرت وزارة الداخلية في الحكومة أن انتشار لعبة “تشارلي” بين الشباب هي من الأسباب الرئيسية لإقدامهم على الانتحار. وقال بيان الوزارة إن “شيطاناً مكسيكياً، كما تروي الأساطير، يتم استحضاره داخل هذه اللعبة”، واعتبرت اللعبة “خطراً على الأمن القومي”.

من جهتها، تؤكد الباحثة الاجتماعية حسنية الشيخ، على أهمية دراسة أعدها متطوعون وخبراء حول الانتحار. وتقول إنه في حال لم تهتم الدولة بهذه القضية، سيعتمد الخبراء على أنفسهم، مشيرة إلى أن المعنيين لا يتحرون عن أسباب الانتحار.

وتقول لـ “العربي الجديد” إن قضايا الشرف تعد أحد أسباب الانتحار، مشيرة إلى مساهمة التقاليد الاجتماعية في تغييب الأسباب. تتابع: “هناك أسباب تتعلق بالظروف الاقتصادية الخانقة التي يعاني منها الشباب نتيجة شعورهم باليأس، خصوصاً في البيضاء”، معتبرة أن تصريحات بعض المسؤولين عن علاقة حبوب الهلوسة بالانتحار غير مقنعة.

وتفيد الدراسة بأن بعض حبوب الهلوسة التي قد تؤدي إلى الانتحار تعرف محلياً باسم “الفيل الأزرق”، إلا أن سعرها مرتفع وليست في متناول الجميع. وتشير إلى أن المتطوعين حاولوا في الدراسة لقاء ناجين من الانتحار بعد إسعافهم من قبل ذويهم، وكانت الأسباب الاقتصادية والعاطفية بالإضافة إلى الحرب دافعاً رئيسياً للانتحار.

وتشير الشيخ إلى أن الشرطة كشفت عن انتحار فتاة في طرابلس نتيجة تعرّضها للاغتصاب من قبل إحدى المليشيات، إلا أن مثل هذه الحوادث تبقى نادرة، لافتة إلى أن ارتفاع نسبة البطالة وسوء الأوضاع الاقتصادية وتراجع فرص السفر إلى الخارج مع إغلاق الكثير من السفارات في البلاد كلها أسباب تدفع إلى الانتحار.

الدراسة التي أعدها المتطوعون لم تنشر بعد بسبب عدم إتمامها، نتيجة لتوقف العمل عليها بناء على طلب العائلات التي انتحر أبناؤها وهم في سن المراهقة لأسباب عاطفية.
وتتعدد الأسباب، بحسب بن عامر. ويقول إن سبب انتحار الرجل الأربعيني مؤخراً يعود إلى خوفه من الفضيحة بعد اختطافه وزوجته، علماً أن الخاطفين لم يمسوها. إلا أن الضغوط الاجتماعية دفعته إلى شنق نفسه. كذلك، يتحدث عن تحوّل المدارس إلى بيئة عنفية، ما يدفع بعض التلاميذ إلى الانتحار. يضيف أن “الحرب والنزوح والتشرد والاكتئاب كلها أسباب تقود إلى الانتحار”.

___________________

مواد ذات علاقة