احتفت وسائل الإعلام العربية والدولية باختيار نجلاء بودن رئيسة لوزراء تونس، لتكون أول امرأة تتولى هذا المنصب لا في بلدها فقط، بل كذلك في العالم العربي كله الذي كثيراً ما تتولى النساء فيه وزارات هامشية أو أخرى مهمة مرتبطة بـ”الأمومة” كوزارة الشؤون الاجتماعية في مصر وما يماثلها في عدد من الدول العربية.

تخرج عن هذا استثناءات قليلة، تتولى فيها النساء مناصب مؤثرة في صناعة القرار، أو ما يطلق عليه مناصب “سيادية”، في ظروف تكاد تتشابه إلى حد بعيد، يجمع بينها أنها مناصب منحت للنساء في لحظة نجاح ثورات الربيع العربي، أو بعد كفاح نسوي طويل في بلدان شهدت حراكاً اجتماعياً وسياسياً كلله نجاح نسبي.   

 يظهر ذلك في ما شهده السودان وليبيا وتونس من تعيينات جريئة لسيدات في وزارات الخارجية والعدل، كما تولت امرأة عربية حقيبة الدفاع لأول مرة في لبنان.

لكن تولي النساء هذه المناصب لا يمر عادة من دون سخرية أو تشكيك، سواء من معارضي تولي النساء مناصب مرموقة أو من المدافعات عن حقوق المرأة اللواتي يشككن في نيات السلطات التي تختار النساء لتولي المناصب السيادية. إذ غالباً ما يرتبط اختيار السلطة لهن برغبة في تحسين صورتها أمام الغرب في ظل أزمة شرعية تحياها تلك السلطة وتجعلها تتجه إلى إعلان التمسك بالمدنية ومخالفة خط الإسلاميين من خلال تصدير النساء كواجهة لكسب التأييد الدولي.

 تولي النساء مناصب سيادية لا يمر عادة من دون سخرية أو تشكيك، سواء من معارضي تولي النساء مناصب مرموقة أو من المدافعات عن حقوق المرأة اللواتي يشككن في نيات السلطات 

لا يختلف هذا الطرح عما تشهده تونس حالياً، إذ يمر الحكم فيها – بعدما بات يتلخص في شخص الرئيس قيس سعيّد- بأزمة داخلية ودولية تهدد شرعيته، مع تصاعد الضغوط على الرئيس التونسي للعودة إلى المسار الدستوري عقب القرارات التي اتخذها في 25 يوليو/ تموز الماضي، وجمّد بموجبها البرلمان ورفع الحصانة عن نوابه، وأقال رئيس الوزراء هشام المشيشي.

مع نهاية الشهر المعلن عنه لسريان القرارات، مدد سعيد العمل بها إلى أجل غير مسمى، واستمر الضغط الداخلي والدولي لإنهاء الوضع الاستثنائي وإعادة عمل البرلمان أو الإعلان عن انتخابات مبكرة لتشكيل برلمان جديد، وتفعيل العمل بالدستور. إلا أن سعيد فاجأ الجميع بقرارات جديدة يستمر فيها الوضع القائم مع قرار فردي بتعديل الدستور من خلال لجنة يتولى هو نفسه تشكيلها والإشراف عليها، وهذا ما اعتبره سياسيون ومحللون غربيون “تثبيتاً لحكم الرجل الواحد” في انتكاسة تعود بتونس إلى عهد الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

ومثل بن علي، لجأ سعيد إلى تصدير الوجه المدني التقدمي في مواجهة الوجه الإسلامي المعروف عنه معاداة النساء، وبخاصة معاداة توليهن مناصب مؤثرة في الحكم، فاختار الأستاذة الجامعية التي يخلو تاريخها من العمل السياسي أو حتى من أية مواقف سياسية معلنة، نجلاء بودن، رئيسة لوزرائه.

 تحركُ سعيد مماثل لما قامت به الحكومتان اللتان تديران الوضع الانتقالي في السودان وليبيا في الوقت الحالي، إذ أتى اختيار النساء في المناصب السيادية في مفارقة للنظم المحافظة التي حكمت الدولتين، ومن ثم تشكّل حكومتين راغبتين في الدعم الدولي في وجه الانقسامات الداخلية، وقوة شوكة العسكريين والإسلاميين.

 مثل بن علي، لجأ سعيد إلى تصدير الوجه المدني التقدمي في مواجهة الوجه الإسلامي المعروف عنه معاداة النساء، وبخاصة معاداة توليهن مناصب مؤثرة في الحكم

من الضرب بعصا “الرباطة” إلى الخارجية 

يعرف من زار السودان قبل نجاح “ثورة ديسمبر” في إزاحة البشير، مشهد مجندي الأمن الذين يدورون في الشوارع حاملين عصا رفيعة، يمدونها لضرب بائع فقير هنا، أو امرأة لا يعجبهم زيها هناك. هؤلاء المجندون تشبعوا بخطاب الرئيس السابق المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين، والذي كان يفرض على النساء غطاء الرأس وحوكمت في عهده نساء عدة، منهن معارضات سياسيات وصحافيات، بتهمة “ارتداء البنطلون”. واعتاد السودانيون أن يطلقوا على هؤلاء المجندين قساة الوجوه لقب “الرباطة” أي الشبيحة والبلاطجة، وكان أحد أدوارهم الرئيسية تذكير النساء بمكانتهن في نظر السلطات السودانية.

خلال ثورة ديسمبر/ كانون الأول 2019، كانت النساء هدفاً مباشراً للاعتداءات البدنية والجنسية من الأجهزة الأمنية المعاونة للبشير، في ممارسة معتادة من النظم الحاكمة لإسكات النساء.

عقب إزاحة البشير، شكلت قوى الحرية والتغيير في السودان حكومة جديدة، انقلبت سريعاً على منهج البشير في استبعاد وإقصاء النساء، مستعينة بالتأييد الدولي، وراغبة في المزيد منه، واختارت قوى الحرية والتغيير الدبلوماسية السابقة أسماء عبد الله كأول وزيرة خارجية في تاريخ السودان، وإن سبقتها الموريتانية الناهة بنت مكناس إلى لقب أول وزيرة خارجية عربية.

وحين أجرى رئيس الوزراء عبد الله حمدوك تغييراً وزارياً محدوداً في 2021، اختار  السيدة مريم المهدي ابنة السياسي السوداني الراحل الصادق المهدي ممثلة السودان أمام المجتمع الدولي في وقت حساس تواجه فيه السودان تحديات إقليمية ومصيرية.

خلال تولي المهدي منصب وزيرة خارجية السودان، استطاعت أن تصل بالسودان إلى موقف متوازن في أزمة سد النهضة، يحافظ على علاقات السودان مع الحكومتين المتصارعتين في مصر وإثيوبيا، ومساعدة مجلس الوزراء في ترتيب التعاون الاقتصادي الدولي مع السودان ورفعها من قوائم الدول الداعمة للإرهاب، وإن دفعت السودان ثمناً بقبول تطبيع “خامل وشكلي” مع إسرائيل.

واهتمت وزارة المهدي بمبدأ الشفافية والمسؤولية أمام الشعب السوداني، وباتت تصدر تقارير دورية موجهة إلى الداخل حول تحركات الوزارة تحت عنوان “التنوير الصحفي للرأي العام”، لترسي المهدي بذلك مبدأً يغيب على بال الكثيرين ممن يتولون شؤون الحكم في العالم العربي. 

ليبيا… السيادة بالجملة 

في ليبيا، أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة تعيين خمس سيدات في حقائب وزارية، من بينها حقيبتان سياديتان؛ الأولى هي وزارة الخارجية التي اختار لها نجلاء المنقوش، والثانية العدل التي اختار لها حليمة عبد الرحمن.

الحكومة الليبية الانتقالية تشكلت بعد فوضى وتفكك، انقسمت ليبيا معهما إلى مناطق شرقية يحكمها الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر، وغربية تحكمها حكومة وبرلمان منتخبان وأهم وجوهها فايز السراج، ومناطق ثالثة منفلتة لا تخضع لأي سلطة. وفي كلتا المنطقتين الشرقية والغربية لم يكن للنساء مكان في صنع القرار إلا في بعض المقاعد البرلمانية، بل تعددت القرارات التي تعصف بحقوقهن الأساسية بحسب تقارير حقوقية دولية.

ربما لم يختلف الوضع كثيراً بعد تشكيل حكومة الدبيبة، التي يفترض أنها حكومة متوافق عليها برعاية دولية. وبرغم أنه من المتوقع أن يكون عمر هذه الحكومة قصير للغاية ولا يمتد إلى ما بعد الانتخابات المنتظرة في 24 ديسمبر/ كانون الثاني، استطاعت أن ترسي مبدأً في تولي النساء لحقائب سياسية حساسة، ربما تسير عليه الحكومات المقبلة.

قال الكاتب الصحافي الليبي فرج فركاش لرصيف22 إن الوزيرتين نجلاء المنقوش (الخارجية) وحليمة عبدالرحمن (العدل )، قامتا بخطوات تحسب لهما، خاصة في تفعيل وزارتيهما بما يخدم الشأنين الداخلي والخارجي.

ويعلق فركاش “هذا من شأنه أن يبعث برسالة مفادها أن المرأة الليبية قادرة على تولي مثل هذه الوزارات الحساسة التي توكل بلا تفكير إلى الرجال، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها ليبيا حالياً”. 

وسبقت موريتانيا كل من السودان وليبيا في تعيين سيدة في منصب وزيرة خارجية، وذلك عندما تولت الناهة بنت مكناس هذه الحقيبة عام 2008 لتصبح نواكشوط أول عاصمة عربية تسند قيادة دبلوماسيتها لإمرأة.

 أكاديمية مصرية: اختيار النظم العربية للنساء في المواقع السيادية، يأتي استغلالاً من الأنظمة العربية لـ”صفة إمرأة لتحسين صورة الحكومات أمام الغرب”.

يذكر أن النظام السوري أقدم على تعيين امراة في منصب نائب رئيس الجمهورية في إطار حملة لتحسين وجه نظام الأسد الابن في الغرب، إذ اختيرت نجاح علام لهذا المنصب، وهو أرفع منصب تصل إليه امرأة عربية – وإن كان شرفياً- عام 2006، وهي لا تزال في منصبها.

وترى الأكاديمية المصرية عزة هيكل أن اختيار العطار في هذا المنصب جاء بهدف “تحسين الصورة”، و”نوع من تقاسم السلطة والقبلية والطائفية” و”لم يكن من باب الكفاءة”.

وأكدت هيكل، التي تنشط في مجال الدفاع عن حقوق المرأة، أن النساء في العالم العربي قادرات على تولي المناصب السيادية بسبب كفاءتهن، فهناك سيدات يقدن في القبائل في السودان، وينظر إليهن كزعيمات وحاكمات ولكلماتهن نفاذ وقوة. وأضافت: “النساء العربيات قادرات على القيادة إذا ما تم تطبيق معايير التعيين العادلة دون تمييز”.

وتتفق هيكل مع الطرح الذاهب إلى أن اختيار النظم العربية للنساء في المواقع السيادية، يأتي استغلالاً من الأنظمة العربية لـ”صفة إمرأة لتحسين صورة الحكومات أمام الغرب”.

 ربما اختار قيس سعيد رئيسة وزراء كي يحسن من صورته ويستعيد بعضاً من شرعيته التي باتت مهتزة في عيون الغرب، إلا أن هذا لا يمنع نجلاء بودن من السير على خطى سابقاتها من النساء العربيات، اللواتي أوكلت إليهن المسؤولية شرفياً، فصنعن منها نجاحاً واسعاً لم يكن ينتظره الرجال.  

مواد ذات علاقة