عائد عميرة

كما كان متوقعًا، آثر برلمان عقيلة صالح المنعقد في طبرق شرق ليبيا تعقيد الوضع في البلاد، فبعد أن صوت قبل أيام على سحب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، في إجراء غير قانوني، ها هو الآن يواصل تجاوز القانون.

التجاوز هذه المرة تمثّل في إقراره قوانين مثيرة للجدل بشأن الانتخابات وتأجيل الانتخابات البرلمانية إلى مطلع العام المقبل، ما من شأنه أن يزيد من انقسام البلاد، في وقت يأمل فيه الليبيون أن يغلقوا ملف الفوضى والعنف إلى الأبد، لكن في وجود عقيلة صالح وجماعته يبدو الأمر صعبًا بعض الشيء.

قوانين على مقاس حفتر

المادة 12 من قانون الانتخابات الرئاسية الذي أقره البرلمان الليبي وحمل توقيع رئيس المجلس عقيلة صالح، أثارت انتقادات كثيرة، إذ نصت على إمكانية ترشح “مسؤول عسكري” لمنصب الرئاسة بشرط التوقف “عن العمل وممارسة مهامه قبل موعد الانتخابات بثلاثة أشهر، وإذا لم يُنتخب يعود لسابق عمله”.

المتتبع للوضع في ليبيا يرى أن هذه المادة صيغت خصيصًا لتلائم وضع اللواء المتقاعد خليفة حفتر، خاصة أنه أعلن في 23 من سبتمبر/أيلول “تجميد مؤقت” لمهامه العسكرية ونقل قيادة قواته إلى الفريق أول عبد الرزاق الناظوري الذي يشغل أيضًا منصب رئيس أركان القوات التي يقودها.

تجميد حفتر لمهامه بصفة مؤقتة ونقلها إلى الناظوري يفهم منه أنه إعلان غير رسمي عن نيته الترشح للرئاسة، ما دام القانون الانتخابي قد فُصّل على حسابه، ويأمل حفتر في الفوز بالرئاسة بعد فشله في فرض توجهه بقوة السلاح.

وكان خليفة حفتر قد شن حملة عسكرية على طرابس، مقر حكومة الوفاق الوطني السابقة، في أبريل/نيسان 2019، لكن قوات الوفاق تصدت له بدعم عسكري من تركيا وألحقت به هزيمة نكراء بعد أشهر من القتال.

يعلم حفتر يقينًا أن برنامجه لا يمكن تطبيقه في ليبيا، فهو لا يحظى بقبول أغلبية الليبيين، لا سيما في غرب البلاد، بسبب حربه الأخيرة على طرابلس، التي انتهت بتراجعه ووقف إطلاق النار، وحتى في الشرق الذي يدّعي السيطرة عليه، أصبح نفوذه في تراجع متواصل هناك بعد انحسار تأييد قبائل قوية له وبعض داعميه الخارجيين، ومع ذلك فإنه يعيد تهيئة نفسه تدريجيًا بلعب الورقة السياسية هذه المرة في أفق الانتخابات.

ويتهم حفتر وقوات الكرامة التي يقودها بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وقد تم رفع قضايا ضدهم في الداخل والخارج، كما يُتهم حفتر أيضًا بالسعي لإقامة ديكتاتورية عسكرية في البلد النفطي الذي يعيش حالة من الفوضى منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 بعد ثورة شعبية.

سلاح حفتر في هذه الانتخابات، تخويف البلد بمستقبل مظلم إن لم يتم انتخابه رئيسًا لليبيا، فهو يعتمد على ميليشيات ومرتزقة تأتمر بأمره، لا يهمها مصلحة الليبيين وإنما مصلحتها المالية فقط، فبقاؤها رهين بالمال الذي يُقدمه لها حفتر والداعمون له.

تأجيل الانتخابات التشريعية

لم يكتف مجلس النواب بتهيئة الطريق أمام حفتر للترشح لمنصب الرئاسة فقط، بل أقر تعديلًا على موعد الانتخابات المرتقبة، فعوضًا عن أن تعقد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية معًا يوم 24 من ديسمبر/كانون الأول، تقرر أن تُجرى الانتخابات الرئاسية في موعدها، على أن تؤجل الانتخابات التشريعية إلى يناير/كانون الثاني المقبل، بهدف منح المفوضية العليا للانتخابات وقتًا لإجرائها، وفق الناطق باسم مجلس النواب عبد الله بليحق.

السعي لتعقيد الوضع في البلاد، ليس جديدًا على عقيلة صالح والبرلمان الذي يرأسه

أقر البرلمان إلى جانب ذلك، قانونًا انتخابيًا مثيرًا للجدل، من دون أن يتم تمريره للتصويت ودون تشاور أو توافق مع شريكه السياسي المجلس الأعلى للدولة، يضم هذا القانون الكثير من التفاصيل المريبة مثل منع الأحزاب من المشاركة بنظام القائمة، وأن تكون المنافسة على المقاعد بالشكل الفردي، وذلك خلافًا لصيغة مشروع القانون الذي تقدم به المجلس الأعلى للدولة.

تعميق الخلافات

هذه الإجراءات الجديدة الصادرة عن البرلمان الليبي من شأنها تعميق الخلافات في هذا البلد العربي، فالصراع على أشده الآن بين مؤسسات الحكم هناك، وتحديدًا بين مجلس النواب من جهة والمجلس الأعلى للدولة وحكومة الوحدة والمجلس الرئاسي من جهة أخرى.

تبين تحركات مجلس النواب، وجود نية مبيتة للاستثمار في الفوضى، خاصة أن هذه القرارات جاءت في أعقاب سحب برلمان عقيلة صالح الثقة من حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، في خطوة بدا أنها تهدف إلى تقليم أجنحتها وسحب الشرعية منها.

وكان رئيس الحكومة الليبية عبد الحميد الدبيبة قد رد على تحرك البرلمان المنعقد في طبرق قائلًا إنه “لم يكن قانونيًا ولا دستوريًا ولا أخلاقيًا، وقال إن مجلس النواب كان مليئًا بالعراقيل وبالأشخاص الذين يريدون الحرب والدمار فقط”.

من جانبه، حذر مبعوث الأمم المتحدة الخاص إلى ليبيا يان كوبيتش من أن الإخفاق في عقد انتخابات رئاسية وتشريعية برلمانية في موعدها المحدّد سابقًا قد يجدد الانقسام والصراع، ويحبط الجهود المبذولة لتوحيد الدولة الليبية، بعد عقد من الاضطرابات، وقال كوبيتش أمام مجلس الأمن: “إجهاض الانتخابات سيكون بالنسبة للكثيرين إشارة إلى أن العنف هو السبيل الوحيد للوصول إلى السلطة في البلاد”.

بالتزامن مع ذلك، أعلن الناطق باسم المجلس الأعلى للدولة محمد عبد الناصر، رفض المجلس ما أسماها خروق مجلس النواب المستمرة للاتفاق السياسي الوارد في الإعلان الدستوري، وآخرها إصداره قانون انتخاب البرلمان، وحمّل عبد الناصر مجلس النواب وأعضاءه مسؤولية أي تأجيل أو تعطيل للانتخابات، وتستوجب المادة 23 من الاتفاق السياسي التوافق بين المجلسين بشأن قانون انتخاب البرلمان.

كما عبّرت العديد من الأحزاب عن رفضها لما أقره البرلمان، على غرار حزب الجبهة الوطنية الذي شدّد على أن إجراء الانتخابات على أساس النظام الفردي من دون القوائم الحزبية ينذر بما اعتبره مخرجات كارثية ترسّخ الولاءات القبلية على حساب الأفكار والبرامج.

ويأمل الليبيون في إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة لإخراج البلاد من الأزمات التي تعيش على وقعها منذ سنوات، فالذهاب مباشرة إلى الشعب لانتخاب رئيس ومن يمثل الليبيين في برلمان جديد، من شأنه تجاوز جميع التناقضات القانونية وبناء هيكل مؤسسي واحد يمكن أن تتعامل الجهات الفاعلة الإقليمية والمجتمع الدولي معه، كونه يستند إلى الشرعية الانتخابية، لكن يبدو أن هناك جهات لا يُساعدها أن تجري ليبيا الانتخابات في موعدها.

السعي لتعقيد الوضع في البلاد، ليس جديدًا على عقيلة صالح والبرلمان الذي يرأسه، فمنذ انتقاله إلى شرق البلاد واتخاذه طبرق مقرًا له، يعمل هذا المجلس على تعقيد الوضع في ليبيا وتهيئة الطريق أمام حفتر للسيطرة على هذا البلد الغني بالنفط.

***

عائد عميرة ـ محرر في نون بوست

 

 

 

مواد ذات علاقة