يُمكن القول إن الذهاب الى انتخابات 24 ديسمبر 2021 في ليبيا أصبح أمرا شبه مسلما به محليا واقليما ودوليا رغم محاولات من هنا وهناك للعَرقلة والذهاب نحو “الفدرلة”أو حتى التقسيم أو الدفع نحو تعديل الخارطة الأممية (- ومن ثم تأجيل الاستحقاقات ولو بأشهر عبر ترحيلها لشتاء 2022-)، والجدل المطروح اليوم بين الليبيين هو في نسبة التوافق والاتفاق على الآليات والأجواء السياسية والاجتماعية التي ستدار فيها الاستحقاقات الانتخابية إضافة الى الأسس الدستورية التي ستُجرى على أساسها تلك الاستحقاقات وقبل ذلك آلية وزمن مغادرة ما بقي من المرتزقة للأراضي الليبية وهل سيكون ذلك متدرجا أو عبر دفعات؟

 قراءة تشخيصية للمشهد السياسي الراهن

1- ما قد يُربك الحسابات في أفق تاريخ انجاز الاستحقاقات الانتخابية هو تواصل توازن القوى بين الأطراف الدولية والإقليمية المتداخلة في الملف الليبي وهو أمر ستكون مؤثراته مباشرة على ليبيا وطبيعة اختيارات الناخبين ومن ثم قبول البعض بنتائج تلك الانتخابات نتيجة الترابط بين العديد من المكونات السياسية والاجتماعية من جهة وبين مشغليها الاقليميين ورُعَاتهم الدوليين من جهة ثانية.
2- المد والجزر في العلاقة الراهنة بين “القاهرة” و”ابوظبي”[2]، ستكون تَبعاته على اتجاهات الأمور سياسيا اجتماعيا في ليبيا في كلا الحالتين وخاصة خلال الشهرين القادمين، ورغم أن طرابلس الغرب ستَبقى محل اهتمام القاهرة دائما وخاصة بعد العقود والاتفاقات التي أمضاها “الدبيبة” مع الحكومة المصرية خلال الشهر الماضي، فان طبيعة الخارطة السياسية والاجتماعية في كل ليبيا ستتشكل بطريقة مختلفة من حالة الى أخرى.
  • التحركات الدولية خلال الأسابيع القادمة ستكون حاسمة في رسم مستقبل المشهد السياسي الليبي وطبيعة الرهانات المستقبلية وخاصة الموعد الانتخابي، وصولا لمؤتمر باريس في 12 نوفمبر القادم ومن ثم تعديل أوتار ذلك المشهد الليبي وذلك بسبب أن الاشكال في ليبيا واقعا هو بين الأطراف الدولية ( والجميع يذكر تصريح المبعوث الاممي الأسبق غسان في 2018 لليبيين انه غير كاف ان تتفقوا وأن الحل لن يكون الا متى اتفقت الدولية)، ومعلوم أن آخر الاتفاقاتالدولية كانتفي مؤتمربرلين2 (وتحديدا في 23 جوان/يونيو الماضي) ورغم أن الحضور الدولي في ذلك المؤتمر لم يكن نوعيا (درجة التمثيل مقارنة ببرلين 1 في جانفي/يناير 2020)، حيث تم يومها إقرار خارطة طريق تدعيم الحوار والمصالحة ومن ثم التأكيد على ضرورة مغادرة المرتزقة للتراب الليبي، كما تم حسم الذهاب لإنجاز الاستحقاقات الانتخابية في موعدها المحدد، وهو ما وضع الدول المتداخلة في الملف الليبي في وضعية الإقلاع الكُلّي على أي تعطيل وارباك او حتى اللعب على الهوامش مثلما جرى بعد مؤتمرات “باريس2” أو “باليرمو” أو “برلين1″، بل أنه تم التنصيص يومها على عقوبات بعينها للمعرقلين وهاهي الخطوات تتوضح من خلال اشهار سيف العقوبات على الأطراف المعرقلة سواء كانت سياسية أو عسكرية…
3- فعليا ورغم كل التطورات في الإقليم ورغم مؤثراتها العديدة على دول منطقتي شمال وغرب افريقيا، فانه من الصعب الغاء المسار الديمقراطي في ليبيا والاتجاه مجددا للحرب تحت أي مُبرر، وحتى لو أجلت الانتخابات -وهو أيضا امر صعب-ذلك أن ملفاتالمنطقة المغاربية وشمال افريقيا بل وكل الشرق الأوسط في مربعات الإدارة الأمريكية الحالية هي مُصنفة ضمن طابع الاستقرار،كما أنها ملفات جميعها ملفات موسومبـــــــــ”النائمة” في عرف ساكن البيص الأبيض الحالي أي الرئيس “بايدن” بما في ذلك ملف الصراع العربي الصهيوني…
4- المؤثرات الإقليمية ستَبقى لها مساحات كبرى، وسيبقى الأمر مفتوحا من حيث تأثر أجواء الانتخابات وتشكيل القائمات والتحالفات وطبيعة خيارات الناخبين الليبيين في هذا الاتجاه او ذاك ولعل التطورات في تونس منذ حركة/انقلاب 25 جويلية ونتائج الانتخابات العراقية وطبيعة التطورات الحاصلة في العلاقة بين المغرب والجزائر وبناء تحالفات جديدة في دول الاسحل والصحراء الافريقية على غرار الحضور التركي والروسي في مالي بديلا عن الفرنسيين كلها تطورات ستلقي بظلالها مجددا على المشهد السياسي وهندسته وملامح تلك الهندسة بناء على علاقة تأثير وتأثر وخاصة في علاقة مباشرة مع الموقف الجزائري المتطور في علاقة بالفرنسيين ولعل زيارة عقيلة صالح للعاصمة الجزائري نهاية الأسبوع الماضي أمر له ما بعده خاصة وأنه زارها أولا بعد انسحابه من السباق الرئاسي وثانيا وسط تجاذبات من أهل الشرق مع رئيس الحكومة “عبدالحميد دبيبة” حول ضرورة الا مركزية في فعل الحكومة مستقبلا…

 المشهد الحزبي في ليبيا: واقعه وآفاقه المستقبلية

المشهد الحزبي في ليبيا مشتت ومنقسم على نفسه وان كانت مصالح ديوان رئيس حكومة الوحدة الوطنية قد حيّنت بتاريخ 17 جوان/يونيوالماضي وأكدت قانونية 100 حزبا
1- الليبراليون، وهم مشتتون على حوالي 13 مُسميا وحتى حزب الراحل “محمود جبريل” والذي اعتبر أكبر الأحزاب الليبرالية الليبية مُنقسم اليوم على نفسه ورغم احتفاظ “خالد المريمي” و”عبد المجيد مليقطة” باسم “تحالف القوى الوطنية”، فان قيادات مركزية وكانت تعتبر سابقا دينامو الحزب وعلاقاته الاجتماعية والدولية لجأت الى تأسيس حزب “ليبيا الوطن” (سمي في البداية باسم “نداء ليبيا” قبل العدول عن ذلك)، وينوي هذا الأخير عقد لقاءات ومؤتمرات كبرى تعطي له زخما وهو بصدد اعداد قوائمه الانتخابية رغم الخلافات والتجاذبات بين قياداته المؤسسة، أما بقية المُسميات الليبرالية فهي صغيرة الحجم ودون أي فعالية تذكر باستثناء حزب الجبهة الوطنية بقيادة “عبدالله الرفادي” (تحيين لحزب “المقريف” اثناء حكم “القذافي”)
2- (أ أنصار القذافي)، وهم مُشتتون أيضا وليسوا وحدة متكاملة (حوالي 17 تنظيما أغلب قيادييها مقيمين في مصر حاليا)، ولكن المجموعة الرئيسية متكتلة حول “سيف الإسلام” ويقودها الدكتور “محمد العجيلي” وستكون استراتيجيتهم في بناء كتلة برلمانية وازنة عبر توظيف مقبولية “سيف الإسلام” لدى جزء من الشارع الليبي واقتراب جزء من القبائل في الجنوب والمنطقة الوسطى منه
3- اليساريون والقوميون العرب:ليس هناك أي حضور يُذكر للتيارين اليساري او القومي العربي الا عبر أسماء بعينها وهي أسماء لا أحزاب ولا شعبية لها وهي من ترتباتولائها وانصهارها الكلي في نظلم القذافي سابقا وبناء على تصفيته لرموزهم الرئيسية في بداية السبعينات…
4- الإسلاميون: وهم فسيفساء متنوعة وتحملوا أوزار المرحلة السابقة رغم قدرتهم التكتيكية الكبيرة في التموقع السياسي والاجتماعية ورغم ان الآلة الإعلامية العربية وخاصة الخليجية قد حاولت تشويههم الا أنهم أحسنوا اللعب على التوازنات، وعمليا ستبقى نتائج حزب العدالة والبناء (الإسلامي التوجه) مرتبطة موضوعيا في جزء كبير منها بالأجواء في دول الإقليم ذلك أن بقاء حركة النهضة في الواجهة السياسية في تونس وفاعلية حزب “البناء الوطني” المشارك في الحكومة الجزائرية الجديدة ومدى قدرة “حمس” على لعب أدوار سياسية مستقبلية (بعد أن اختارت المعارضة البناءة) وقدرة حزب العدالة والتنمية في المغرب على الخروج موحدا خلال مؤتمره الاستثنائي بعد خيبة نتائجه في انتخابات 08 سبتمبر/أيلول الماضي، وهي عوامل ستكون محددة لنتائج اسلاميي ليبيا ونتائج “العدالة البناء” تحديدا رغم ان عوامل أخرى ستحدد تفاصيل نتائجه:
  • قدرته على بناء تحالفات مع أنصار تيار فبراير وخاصة في استيعابه لجزء من أنصار المفتي ومن شباب الصوفية والمتدينين المعتدلين من خارج مربعاته التنظيمية ومن خارج مربعات “جمعية الاحياء والإصلاح”
  • طبيعة مواقفه ومدى قدرته على بناء بُنتيه التنظيمية ومدى نجاحه في ضمه للمستقلين والشباب والنساء وبعض نخب جامعية ورجال أعمال ومستثمرين.
  • طبيعةحسن تشكيله لقائماته واشعاعه السياسي والاجتماعي وقدراته التكتيكية في إدارة المعارك والتجاذبات الحالية والمستقبلية وخاصة السابقة لموعد الاستحقاقات الانتخابية بأيام .
  • درجة دعمه للمصالحة مع بقية مكونات المشهد السياسي والاجتماعي وطبيعة شعبية علاقاته في المناطق الثلاث وخاصة ضمن مربعات القبائل الكبرى.

 في رهانات هندسة مشهد سياسي مستقبلي ومتوازن

1- يَبقى الذهاب للحرب مجددا أمرا قائما-ولكنه ضعيف جدا بل يكاد يكون مستحيلا-رغم أنه مُرتب في ذهن وتَخطيط الجنرال المتقاعد “خليفة حفتر” (وأيض بناء على رغبة بعض حلفائه الإقليميين)، وينبني ضعف ذلك الخيار على توازن الضعف محليا وإقليميا ودوليا وأيضا بناء على امتلاك الملف منذ أكثر من سنة من طرف الأمريكيين والذين حولوا سفيرهم كما هو معلوم الى مبعوث خاص بالملف الليبي أيضا وهم غير مستعدين لإرباك سياساتهم في المنطقة باي شكل من الأشكال والدليل هي جوالاته المكوكية بين عواصم الإقليم ولقاءاته المتعددة مع كل مكونات المشهد في ليبيا بمناطقها الثلاث…
2- الجدل حول ترشح كل من “حفتر” و”سيف الإسلام” للرئاسيات وخاصة بعد التوافقات الدنيا حول الأسس الدستورية وبعض تفاصيل أخرى تخص الاستحقاقات الانتخابية، قد يدفع الأمور للأسوأ خاصة في ظل المناكفات والاتهامات وخاصة حول حقيبة الدفاع وحول تمثيل وأنشطة الوزارات في المنطقة الشرقية[4]، وهو ما قد يلوح أيضا بشبح الانقسام والتقسيم وخاصة في ظل مناورات روسية (بنائهم لخندق كبير على طول أكثر من 280 كلم في جوان/يونيو إضافة الى حلمهم بثروات الجنوب الليبي وبنائهم قواعد عسكرية هناك وطموحهم أيضا في الحصول على كوتة من ثروات حوضي “نالوت” و”غدامس”)، ورغم أن ذلك تُفنده الوقائع والتطورات الأخيرة وخاصة ما جرى في أفغانستان ونتائج قمة اردوغان/بوتين الأخيرة…
3- يُمكن الجزم بأن الجنرال “حفتر” ورغم كل مناوراته وتكتيكاته الأخيرة،قد انتهى موضوعيا وهو الذي لم يبق له سوى ورقة مناورة – ليست بيده بل بيد الاماراتيين- وتلويحه السري لبعض مساعديه بأنهسيكون حاكما لبرقة، ورغم وجود خمس سيناريوهات أمامه (الهروب – الانقلاب الجزئي او الكلي – لعب دور حاكم الظل – الرضا بدور بروتوكولي – الخروج الناعم والمرحلي من المشهد)، فانه يناور لتموقع ابنيه العسكريين أي “صدام” و”خالد” في صورة فشل مناوراته الحالية عبر التلويح والضغط بان يكون طرفا في الحكومة في صورة تأجيل الاستحقاقات الانتخابية خاصة وأنه يخشى من هزيمة مدوية في الرئاسيات…
4- يُمكن الجزم أن “سيف الإسلام” سيَبقى في المشهد كداعم للمصالحة الوطنية ودافع اليها وتقوية تنظيم سياسي تابع له، ولكنه من الصعب ان يكون مترشحا بناء على خيارات دولية بالأساس وبناء على أنه لا يزال مطلوبا من طرف الجنائية الدولية…
5- مَصير ليبيا ووحدتها والاستقرار فيها وعودة اقتصادها الى مربعات الفاعلية والقوة أمر لا يمكن الحسم فيه في أفق نهاية 2021 في أي اتجاه سواء سلبيا كان أو إيجابيا، ولكن يمكن ترجيح الاستقرار والذهاب الانتخابات في موعدها بناء على:
  • توازن ضعف وتوان قوى بين الأطراف المحلية والتي تعقدت أوضاعها السياسية والاجتماعية وانقسمت على نفسها داخل وبين مربعاتها…
  • توازن قوى في الإقليم (وهو في حالة إعادة تشكل من حيث تركيبة المحاور وخاصة في ظل التقارب التركي/المصري وفي ظل الودية بين قطر ومصر من جهة وبناء على زيارتي طحنون لأنقرة والدوحة، وظهوره لاحقا في احدى المنتجعات السياحية مع كل من الأمير القطري تميم وولي العهد السعودي محمد بن سلمان…
  • توازن قوى دولي بين ثنائيات عدة وبناء على عمل التقاطع والانقطاع بين دولتين في كل ثنائية من تلك الثنائيات الدولية المتصارعة في عالم 2021 …
6- يُمكن القول أيضا أنه في ظل المعادلات الحالية إقليميا وبعد اجتماعات المغرب بين مجلس النواب والاعلى للدولة وتأكيد الأمريكيين واجتماعات لجنة 5 زائد 5 ورغم التكتيكات التي يلعبها الجنرال المتقاعد والمهووس بالحرب وبحكم ليبيا ستدفع الى اجراء الانتخابات بغض النظر عن التفاصيل الاجرائية ومعلوم أننا بينا في مقالات ودراسات وتقارير سابقة منشورة لنا وجود ثلاث سيناريوهات/مسارات نظريا بخصوص انتخابات 24 ديسمبر:
  • مسار/سيناريو أول: تطبيق كامل للخارطة الأممية وإنجاز الاستحقاقات الانتخابية بغض النظر عن التفاصيل الإجرائية والزمنية
  • مسار سيناريو ثان: تعديل الخارطة الأممية وتأجيل الاستحقاقات لفترة زمنية معينة (بين مارس وجوان/يونيو 2022
  • مسار سيناريو ثالث: اسقاط الخارطة الأممية ومن ثم الدخول في مطبات غير معلومة العواقب لا على ليبيا فقط بل كل المنطقة…

________________

المغاربي للدراسات والتحاليل

مواد ذات علاقة