بشار نرش

مع إعلان المفوضية العليا للانتخابات الليبية فتح باب الترشح للانتخابات العامة المقرّرة في 24 ديسمبر/ كانون الأول المقبل، ما زالت الشكوك تحيط بإمكانية إجراء هذه الانتخابات بموعدها المحدّد في ظل الانسداد السياسي الواضح الذي تشهده الساحة السياسية الليبية بشأن القاعدة الدستورية والقوانين الناظمة لهذه الانتخابات، إلى جانب حالة الاستقطاب بين شرق ليبيا وغربها، وانقسام المجتمع الدولي الذي يحاول إدارة الأزمة من دون حلها بسبب اختلاف المصالح وتضاربها ومحاولة بعض الأطراف الاستثمار في استمرار الأزمة بغرض تحقيق المكاسب.

يقف المتابع للحراك العام المتعلّق بإجراء الانتخابات الليبية على مسألتين جوهريتين: أنّ الخلاف حول هذه الانتخابات ما زال حادّاً وعميقاً. وللغموض الكبير الذي يكتنفها، لذلك تسود تساؤلات داخلية وخارجية كثيرة بشأن إمكانية إنجاز هذه الانتخابات في موعدها المحدّد من دون تهديد بالطعن أو الإلغاء والتأجيل، في ظل عاملين حاسمين يؤثران بشكلٍ مباشرٍ في هذا الأمر، على الرغم من الجهود الإقليمية والدولية التي دفعت وما زالت تدفع نحو إنجاز الانتخابات.
يتعلّق العامل الأول بإصرار مجلس النواب الليبي على إجراء الانتخابات وفقاً لقوانين الانتخابات التي أقرّها، بعيداً عن اعتراضات كثيرة واجهت هذه القوانين، وخصوصاً من المجلس الأعلى للدولة (نيابي استشاري)، الذي يطعن بهذه القوانين لأسباب كثيرة، أهمها أنّه لم تتم استشارته فيها في مخالفةٍ صريحةٍ للاتفاق السياسي والإعلان الدستوري، إلى جانب عدم حصول جلسة تصويت البرلمان على قانوني الانتخابات على النصاب القانوني، ناهيك عن عدم الاتفاق على القاعدة الدستورية التي ستجري عليها الانتخابات، والمسؤولة عن تحديد طبيعة النظام السياسي الليبي (برلماني أو رئاسي أو مختلط).

 

يؤشّر هذا العامل، في ما يتعلق بالانتخابات الليبية، إلى احتمالين: الأول، فرض الأمر الواقع وإجراء انتخابات معيبة ومطعون فيها تشبه تلك التي نُظّمت في عام 2014، والتي لم تتجاوز نسبة المشاركة فيها 18% من الناخبين المسجلين، وهو ما يضع الانتخابات تحت خطر عدم الفاعلية والإنجاز من ناحية أن إجراء الانتخابات، بهذه الصورة الخالية من الحد الأدنى من التوافق والمشاركة الشعبية، لن يكون كفيلاً بحل الأزمة، بل على العكس سيزيد من تأزيمها، وبذلك ستكون الانتخابات باباً جديداً للخلافات، بدل أن تكون حلاً لخلافات مزمنة، الأمر الذي يعني العودة إلى نقطة الصفر، ودخول البلاد في دوامة سياسية أعنف من تلك التي حصلت عام 2014، وتتكرّر معها الأزمات السياسية والدستورية. وبالتالي، لن تكون القضية هنا إجراء الانتخابات، بقدر ما تكون ضمان احترام جميع الأطراف النتيجة، وهذه المسألة غير مؤكّدة في الواقع الليبي.

 

العِناد السياسي لن يصل بليبيا إلى شيء، إلا استمرار الأزمة وعرقلة الانتخابات

الاحتمال الثاني طعن المجلس الأعلى للدولة، ومعه المجلس الرئاسي والحكومة، بهذه القوانين، الأمر الذي يعني تأجيل الانتخابات إلى حين البتّ بالطعون. وفي هذا الحال، سيحاول الأطراف في الشرق الليبي وضع خصومهم السياسيين في المنطقة الغربية في زاوية ضيقة، وإظهارهم للرأي العام المحلي والدولي أنهم يعارضون الانتخابات، ويعرقلون إجراءها وتحميلهم المسؤولية في محاولةٍ لوضعهم تحت طائلة العقوبات الدولية، خصوصاً أنّ مجلس النواب الأميركي قد صادق على قانون “استقرار ليبيا”، والذي يتضمن فرض عقوباتٍ على الأشخاص والكيانات التي تعرقل الانتخابات أو تزعزع الأمن في البلاد.

 

وفي ما يتعلّق بأهداف رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ومن خلفه اللواء المتقاعد خليفة حفتر، على اعتماد هذين القانونين لإنجاز الاستحقاق الانتخابي، وخصوصا في ما يتعلّق بتأجيل الانتخابات البرلمانية شهراً بعد اعتماد نتائج الانتخابات الرئاسية، فيمكن إجمالها بهدفين: جعل الانتخابات البرلمانية رهينة في يد عقيلة صالح وخليفة حفتر، لإجبار الأطراف الرافضة لقانون الانتخابات الرئاسية على عدم الطعن في قانونيته أو دستوريته، وإلا لن يتم تنظيم الانتخابات البرلمانية. تمديد عمل البرلمان الحالي الذي يرأسه عقيلة صالح أطول مدّة ممكنة، خصوصا في ظل توقعات صعوبة حصول أي مرشح رئاسي على 50% زائد 1 من الأصوات في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية، الأمر الذي يعني الذهاب إلى جولةٍ ثانية، يشارك فيها المرشّحان الحاصلان على أكثر الأصوات، وما قد يرافق ذلك من طعونٍ قد تؤخّر اعتماد نتائج الانتخابات الرئاسية، الأمر الذي سيؤجّل تنظيم الانتخابات البرلمانية بدل الشهر أشهراً، وبذلك يضمن عقيلة صالح بقاءه على رأس السلطة التشريعية أشهراً أخرى.
يرتبط العامل الثاني بالتهديد الفعلي والاعتراف بالرغبة في تشكيل حكومة موازية في الشرق من نائب رئيس حكومة الوحدة الوطنية حسين القطراني، والتهديد بإيقاف تصدير النفط الليبي مجدّداً، في محاولةٍ لإرباك المشهد الليبي، وإعادة الانقسام لتعطيل الانتخابات، بعد فشل المحاولة الأولى التي أعقبت سحب البرلمان الثقة من حكومة الدبيبة.

يواجه العبور نحو إنجاز الاستحقاق الانتخابي الليبي تهديدات كثيرة بالطعن أو الإلغاء والتأجيل

طبعاً، في حال انشطار الحكومة، وتشكيل حسين القطراني حكومة موازية بالشرق، يصبح إجراء الانتخابات في كامل البلاد مستحيلاً، الأمر الذي يعني انقسام معظم مؤسسات البلاد، وقد يتم تجميد تصدير النفط والغاز من المنطقتين الشرقية والجنوبية، لتبدأ مرحلة جديدة سيسعى من خلالها المجتمع الدولي إلى توحيد الحكومة وبقية المؤسسات السيادية والاستراتيجية، ورسم خريطة طريق جديدة للمرحلة المقبلة.
خلاصة القول، بات العبور نحو إنجاز الاستحقاق الانتخابي الليبي يواجه تهديدات كثيرة بالطعن أو الإلغاء والتأجيل، فإجراء الانتخابات العامة في موعدها المحدّد يرتبط، في المقام الأول، بتجاوز الأطراف الليبية خلافاتها، وبوجود ضغوط شعبية ودولية تُعدّل من سلوكها، وإلا فإنّ خيار تعديل خريطة الطريق وتأجيل الاستحقاق الانتخابي قد يكون الخيار الأقرب إلى التطبيق، في حال استطاعت الأطراف المختلفة التوافق حول “صفقةٍ” قد تفضي إلى تعديل الإطار الزمني للانتخابات، بدلاً من إسقاط كامل لخريطة الطريق.
وقد يتم الاتفاق على هذا الخيار في مؤتمر باريس الذي سيُعقد في 12 تشرين الثاني/ نوفمبر الحالي، وخصوصا أنّ هناك حديثاً من مصادر الليبية عن دفع بعض الدول الفاعلة في الأزمة الليبية، والتي ستشارك في المؤتمر، نحو تأجيل الانتخابات إلى حين الاتفاق على القاعدة الدستورية وقوانين الانتخابات، على مبدأ أن العِناد السياسي لن يصل بليبيا إلى شيء، إلا استمرار الأزمة وعرقلة الانتخابات، وإلا سيكون الخيار البديل العودة إلى الصراع العسكري والاحتراب الداخلي، وتمترس كل طرفٍ في مناطق نفوذه.

__________________

مواد ذات علاقة