جلبير الأشقر

بالرغم من أن موعد الانتخابات الرئاسية الليبية بات وشيكاً حيث تَقرّرَ إجراؤها في الرابع والعشرين من الشهر الجاري، يوم الذكرى السبعين لاستقلال البلاد، لا زالت الرهانات قائمة بشأن حصولها في الموعد المقرّر أو تأجيلها، إما لأجل قريب أو لأجل غير مسمّى.

أما الأكثر طرافة في هذه الانتخابات فهو أنها سوف تجري بغياب دستور شرعي ينصّ عليها وعلى صلاحيات الرئيس المُزمَع انتخابه! ذلك أن مشروع الدستور الأخير الذي استكملت اللجنة المختصة صياغته قبل أربعة أعوام، لم يحظَ بإجماع القوى الفاعلة في المجتمع الليبي، ولم يجرِ تكريسه ديمقراطياً من خلال استفتاء شعبي. ومن غرائب الأمور أيضاً أن الأمم المتحدة باركت العملية الجارية بالرغم من عدم استنادها إلى أساس دستوري ديمقراطي.

أما المصيبة الأكبر في قرار الإسراع، بل التسرّع، في إجراء الانتخابات الرئاسية، فهو أنه مستوحٍ من المنطق الرجعي الذي يرى في تفويض «رجل قوي» (وهو منطق يستبعد النساء بالطبع) حلّاً للخروج من أزمة سياسية، لاسيما أزمة تتمثّل بتعدّد السلطات المحلّية مثلما هي الحال في ليبيا منذ أن انهارت «الدولة» التي بناها معمّر القذّافي جهازاً خاصاً بحكمه وحكم أسرته ومن لفّ لفّهم على قاعدة العلاقة العشائرية أو النفعية أو الاثنتين معاً.

وكأن «الربيع العربي» الذي أدخل المنطقة العربية برمّتها قبل عشرة أعوام في حالة من الغليان لم تنته بعد ولن تنتهي في المستقبل المنظور، كأن ذلك الانفجار العظيم لم يكن ناجماً عن عقود من حكم «الرجال الأقوياء» وما رافق نمط الحكم هذا من استبداد سياسي وفساد سلطوي وتخلّف اقتصادي وخراب اجتماعي.

بل يبدو أن بندول التاريخ السياسي العربي قد عاد في بعض البلدان من الديمقراطية الجذرية، التي تمثّلت بفرض إرادة الشعب في الشوارع والساحات، إلى حكم «المُنقِذ» وغيرها من تسميات «المستبدّ العادل» تلك العبارة القائمة على تضادّ إذ إن الاستبداد منافٍ للعدالة بطبيعته. فباتت حالات الردّة الأوتوقراطية، أي النزوع إلى السلطة الفردية، تتراكم في منطقتنا، من انقلاب عبد الفتّاح السيسي في مصر إلى انقلاب قيس سعيّد في تونس، ومحاولة عبد الفتّاح البرهان الانقلابية في السودان التي لا تزال جارية.

وقد حصلت في الواقع محاولة مماثلة في ليبيا منذ عام 2014، عندما حاول خليفة حفتر أن يقلّد السيسي وبتشجيع منه، فنصّب نفسه «رجلاً قوياً» وحصل على دعم القاهرة وأبو ظبي وموسكو وباريس في سعيه الطويل وراء الاستيلاء على الحكم، وقد فشل بالرغم من كل هذا الدعم. وها أن «المجتمع الدولي» وهو كناية عن القوى العظمى بتنسيق مع الحكومات الرجعية العربية، يعتقد أن ما لم يتمكن حفتر من تحقيقه بقوة السلاح، سيتحقق من خلال انتخابات تُفرز «رجلاً قوياً» يتمكن من ضبط أمور البلاد.

إنه لوهمٌ عظيم ناجم إما عن سذاجة سياسية قصوى، مثلما قد تكون الحال لدى بعض الوسطاء الدوليين، أو عن التوهّم السياسي، أي إسقاط الرغبات على الواقع، كما لدى الذين يصبون إلى اعتلاء العرش الرئاسي معتقدين أن حصولهم على أغلبية هشّة سيكون كفيلاً بمنحهم ما يكفي من المصداقية والمكانة للقيام بدور «الرجل القوي».

بيد أن الانتخابات غير الدستورية المُزمَع إجراؤها في ليبيا لن تضفي أية شرعية على أحد، وكيف بها تضفي شرعية وهي فاسدة من أساسها.

وربّما كان أسطع دليل على فسادها أن الرجال الثلاثة الذين يحتلون الصدارة فيها، أي مشروع الدكتاتور الفاشل حفتر، ونجل الدكتاتور المخلوع سيف الإسلام، والطامح إلى أن يكون دكتاتوراً توفيقياً عبد الحميد الدبيبة، جميعهم يخوضون في الانتخابات بخرق سافر للقوانين التي صيغت لتنظيم هذه العملية الانتخابية بالذات: حفتر والقذّافي محكوم عليهما بجرائم حرب، والدبيبة ترشّح رغم وعده بعدم الترشّح ولم يتخلَّ عن منصبه رئيساً للوزراء قبل موعد الانتخابات بثلاثة شهور كما كان ينبغي أن يفعل بحكم القانون الانتخابي.

هذا وإذا كانت الانتخابات الأخيرة التي جرت في أقدم نظام رئاسي على وجه الأرض، قصدنا الانتخابات الأمريكية بالطبع، قد وجدت في شخص دونالد ترامب من يطعن بنتيجتها ويدّعي أنها مزوّرة، وبعد أن شهدنا في العراق موقفاً مماثلاً من طرف الخاسرين في الانتخابات النيابية الذين رفضوا الإقرار بهزيمتهم، فإن الاعتقاد أن نتيجة الانتخابات الرئاسية الليبية، لو تمّت، سوف يقبل بها الخاسرون وينصاعون بسحر ساحر لحكم «الرئيس» الجديد الذي سوف يحصل في أحسن الأحوال على أغلبية هشّة للغاية، مثل هذا الاعتقاد إنما ينمّ عن حالة من الهذيان السياسي قلّ نظيرها.

_____________

مواد ذات علاقة