ترشح زعيم حركة الكونغو الديمقراطية مبوسا نياموسي للانتخابات الرئاسية مرتين وأسس حزباً عام 2006 و2010، ولا ننسى أنّ باول كاجاما رئيس رواندا الحالي كان أحد أمراء الحرب التي انتصر فيها عام 1994 وصار حاكماً عبر انتخابات بما يسمى ديمقراطية أمراء الحرب عام 2000، جواوو بيرناردو في غينيا بيساو صار رئيساً للبلاد قبل أن يُغتال عام 2009، والأمير جونسون في ليبيريا، وأفونسو دهلاكاما في موزمبيق وغيرهم.

الانتخابات في ليبيا هذه الأيام ليست أسعد حالاً فالبيئة السياسية تبدو غير متوازنة، والتوتر واللجوء للعنف لا تُخطِئه العين، كما أن شراء الأصوات عبر بيع البطاقات الانتخابية صار سوقاً رائجة، كما أن شهادات كثيرة عن وجود أسمائهم في سجل ناخبين وانتخابات لم يذهبوا إليها بتاتاً. كل هذه الظروف تبدو بيئة خصبة لإدراك أن ديمقراطية “أمراء الحرب” كظاهرة تصاحب الحروب الأهلية قد تشكلت في ليبيا وصارت جزءاً من المشهد.

في مثل هذه الظروف يستخدم أمراء الحرب، أو ما يسمى بالرجال الكبار في أدبيات الحروب الأهلية، شبكة من العلاقات المالية والمليشيات المسلحة من أجل ضمان الفوز في الانتخابات، وفي غياب مؤسسات حقيقية في ليبيا بما في ذلك المفوضية العليا للانتخابات التي تعاني من تهلهل وخلل مؤسسي أفسد الحياة السياسية في ليبيا، فإن كل القوانين التي وُضعت على عجالة لتنظيم الانتخابات تبدو غير قادرة على وضع ضوابط للعملية الانتخابية القادمة.

لنجاح أي عملية انتخابية لا بد من وجود مؤسسات قوية، وإجراءات واضحة، وقوانين منظِّمة، وفي كلٍ من هذه الشروط نجد خللاً في الانتخابات القادمة في ليبيا، فالمؤسسات التي كان عليها أن تطبق شروط الترشح للمرشحين للرئاسة تبدو عاجزة عن مواكبة متطلبات الانتخابات، فمثلاً صار البحث عن جنسية المترشحين للرئاسة وإن كان المترشح للرئاسة قد تخلى عن جنسيته أثناء ترشحه للرئاسة صعباً، وتبدو هنا مؤسسات الدولة غير قادرة على تتبع المرشحين ومعرفة إذا تخلوا عن جنسياتهم، فضلاً عن التواطؤ المحتمل من هذه المؤسسات.

فقبل أسابيع بدأت إجراءات محاكمة خليفة حفتر كمواطن أمريكي في الولايات المتحدة، وصدرت بذلك رسائل واضحة من المؤسسات الأمريكية أنه مواطن أمريكي وخضع للمحاكمة بناءً على ذلك، إدارة الجوازات لم يكن لديها علم بذلك وأفادت بأنها لا تعلم عن امتلاك حفتر جنسية أخرى غير الليبية.

الجانب الأمني عائق هو الآخر، فالمجلس الأعلى للقضاء اشترط تقديم الطعون في المنطقة التي يقيم فيها المرشح للرئاسة، لذا فإن الطعون في المنطقة الشرقية تبدو مستحيلة، فمليشيات الجنرال حفتر تمنع كل من يتقدم للطعن على ترشُّح خليفة حفتر، كما أن القضاء لا يستطيع أن يقول كلمته في ظل الاستبداد والعنف اللذيْن تفرضهما تلك المليشيات في بنغازي. هذا الأمر امتد كذلك للجنوب، فبعد محاولة محامي سيف القذافي التوجه إلى المحكمة الابتدائية في مدينة سبها للطعن على قرار استبعاد سيف القذافي من الترشح للرئاسة قامت قوات خليفة حفتر بمحاصرة المحكمة في سبها، وفرضت طوقاً عليها ولم تُجْدِ مظاهرات الشعب في سبها في منع تلك المليشيات من انتهاك حرمة القضاء.

خليفة حفتر في إحدى خطبه التي يتوِّج بها ترشحه للرئاسة قال بوضوح أنه إذا لم يفز في الانتخابات فإنه سيتوجه إلى الحرب في طرابلس. وفي طرابلس قامت قوات أمنية بضرب عضو المؤتمر الوطني السابق محمود عبد العزيز لأنه حاول أن يكشف بعض التلاعب في مراكز الانتخابات.

هكذا سنجد أن البيئة السياسية غير مواتية لإجراء الانتخابات، لأن ضرورة وجود تعافي للمجتمع من ظاهرة العنف السياسي، يقتضي الشروع في المصالحة السياسية والعدالة الانتقالية وخلْق بيئة طبيعية للتوافق، الأمر الذي يخلق تلك البيئة، والتي يمكن القول معها بضرورة إجراء انتخابات حرة ونزيهة. هذه البيئة السياسية تتمثل في الجانب الأمني، بينما في الواقع لا تستطيع الدولة معه فرض سلطتها في الشرق والغرب والجنوب، وضعف مؤسسات الدولة وسهولة اختراقها. فضلاً عن أن القوانين لم تُصَغ ولم توضع بصورة مهنية حرفية، وإلى الآن لم تأتِ أي منظمة دولية لدراسة الأوضاع في ليبيا قبيل الانتخابات، واشتكى الاتحاد الأوروبي من غياب أي دعوة له لمراقبة الانتخابات.

الشروط التي أُعلن عنها في أدبيات الأمم المتحدة عام 2005 كلها غير متوفرة في الانتخابات الليبية، وهذه الظروف هي التي أوصلت أمراء الحرب، إذ يتحول المنطق الديمقراطي المرتبط بالتوافق والحوار إلى اعتبار الانتخابات أداة من أدوات المعركة ولذا يستخدم كل الوسائل الشرعية وغير الشرعية لفرض أمر واقع على الطرف الآخر، هذه ديمقراطية “أمراء الحرب” وهي تجربة ليست جديدة وفي الغالب يكون عاقبتها إما صراع وإما حالة من العنف المنخفض أو الاستقرار، كيف يحدث ذلك؟

الذي يحدد معقبات هذه الظروف هو أمير الحرب نفسه، ففي التجارب التاريخية التي وصل فيها هؤلاء إلى الحكم كانوا قد انتصروا في معارك حاربوا فيها بأنفسهم، لذا فوزهم وفّر لهم الإمكانات التي جعلتهم يستخدمون شبكاتهم وأموالهم في إدارة العلميات الانتخابية لصالحهم، في ليبيا الآن الجنرال خليفة حفتر هُزِمَ شرَّ هزيمة في طرابلس، ولم يقاتل في أي من المعارك، لذا فإن فرص فوزه ليست قوية، من حيث قوة موارده للتأثير على نتائج انتخابات ليس بينها والنزاهة والحرية سوى تشابه الحروف والكلمات.

أعتقد أن مصير حفتر سيكون كمصير إيلدريد كولنس في سيراليون حيث شكل حزباً من مليشيات ارتكبت فظائع في سيراليون وخسر الحرب لكنه لم يستطع الفوز في الانتخابات التشريعية بأي مقعد. والذي يحدث في رأيي أنه صراع مصالح يزداد كلما اقتربت الانتخابات، وأن أي أمارات حقيقية لفوز حفتر ستفجر الوضع.

المجتمع الدولي يبدو أنه أدرك هذا الأمر، خاصةً في مجلس الأمن الأخير حيث ظهر التباين بين رأي الولايات المتحدة الأمريكية التي تؤكد على ضرورة خروج سيف القذافي وكل من تورط في جرائم ضد الشعب الليبي من الانتخابات، وروسيا التي تتحدث عن تأجيل الانتخابات وضرورة إشراك النظام السابق فيها والمعنيّ طبعاً هو سيف القذافي.

العبث الذي مارسه رئيس المفوضية عماد السايح بتفرده بالقرار في المفوضية وضربه عرض الحائط بالسياق السياسي للانتخابات بحجة بالية أن المفوضية هي أداة فنية، وهذا مردود منطقاً وعلماً فالقرار المؤسسي هو الذي يدرس البيئة المحيطة ويتصرف من خلاله، قد وضع الجميع في الداخل والخارج في حالة ترقب لذا فإنه مع اقتراب موعد الانتخابات سيكون هناك خياران هما: تأجيل الانتخابات وربما ستكون هناك استقالة أو إقالة لرئيس المفوضية، وبدء في تعديل القوانين أو أنّ حالة من الجمود السياسي والتربص وحالة من العنف المنخفض تستمر في ليبيا قد تنتهي بالتقسيم أو بانتخابات أخرى يزداد فيها التدخل الدولي وتوضع شروط أكثر عدلاً وحرية ونزاهة.

ربما يحار المرء حين يجد كيف يكرر المجتمع الدولي نفسه في كل صراع يتدخل فيه، فالمعضلة الليبية ليست بِدعاً من النزاعات، وإذا وُضعت قواعد واضحة للعبة السياسية والانتخابات وفق قوانين متوافق عليها، والذهاب إلى انتخابات برلمانية وفق نظام التفاوت النسبي في الانتخابات، فإن النسب التي تصل للبرلمان ستمثل بالفعل الشعب الليبي وتنوُّعه، ومن ثَم يبدأ وضع الدستور أو تعديل الدستور الذي وضعته لجنة إعداد الدستور السابقة ومن ثَم الاستفتاء عليه، بعدها يمكن الذهاب لانتخابات رئاسية ووضع صفقة سياسية يمكن من خلالها العمل السياسي من خلال بعض الوزارات والأحزاب السياسية وهذا ماحدث في تجارب سابقة مثل ليبيريا وأثبت نجاعته.

***

نزار كريش ـ مدير مركز بيان

_____________