رشيد خشانة

عمليا أرجئت الانتخابات التي كانت مقررة للجمعة المقبل في كافة أنحاء ليبيا، ليس فقط لأن المفوضية العليا للانتخابات لم تستطع الإعلان عن القائمة النهائية للمرشحين المقبولين، وإنما أيضا لاحتقانات سياسية وعسكرية، تُهدد بتفجر الأوضاع، فيما لو صممت المفوضية على إجراء الاستحقاق في ميقاته الرسمي.

لذا نراها تُلقي بكُرة اللهب إلى أعضاء البرلمان، إذ أحالت التقرير النهائي، الخاص بمرحلة الطعون في انتخابات رئيس الدولة، إلى اللجنة المشكلة من أعضاء مجلس النواب، وهي لجنة معنية بمتابعة العملية الانتخابية. 

وأكدت المفوضية أنها باشرت بعض الإجراءات القضائية والقانونية قبل الإعلان عن القائمة النهائية لمرشحي الرئاسة وبدء مرحلة الدعاية. وأوضحت أن الإجراءات القضائية ستتم بعد التواصل مع المجلس الأعلى للقضاء، بالاضافة إلى تواصلها مع اللجنة المشكلة من مجلس النواب. غير أن دائرة القضاء الإداري بمحكمة استئناف مصراتة، قررت وقف تنفيذ قرار المفوضية العليا للانتخابات رقم 80، الصادر في 24 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، بشأن اعتماد القائمة الأولية لمرشحي الرئاسة، ما يعني إيقاف جميع الإجراءات التي تقوم بها المفوضية لانتخاب رئيس البلاد.

رسميا، بدأت في 25 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي مرحلة الطعون واستئناف القرارات والإجراءات المتعلقة بالانتخابات الرئاسية، وانتهت في 7 كانون الأول/ديسمبر الجاري، لكن المفوضية فاجأت الرأي العام بطلب «تأجيل وجيز» لم تحدد مدته، لإعلان القائمات النهائية لمرشحي الانتخابات. وعزت طلب التأجيل إلى كثرة طلبات الترشح، التي «فاقت المتوقع» على ما قالت، مشيرة إلى أن عمليتي التدقيق والمراجعة ستأخذان فترة زمنية أطول من المخطط لها.

وكان طلب التأجيل هذا، الذي يبدو صغيرا ومنطقيا، علامة كبيرة على أن الأمور ليست على ما يُرام، وأن الضغوط، الظاهر منها والخفي، نجحت في وقف قطار الانتخابات.

ومن الأسباب الكبرى لتسميم الأجواء وتعطيل المسار أن عدة شخصيات لوت عُنق القانون لكي تفرض ترشُحها للانتخابات الرئاسية، ومن هؤلاء اللواء المتقاعد خليفة حفتر، الذي يحمل جنسيتين، في مخالفة صريحة للقانون، ما يضعه خارج السباق، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة، الذي تعهد بموجب الاتفاق السياسي بالامتناع عن الترشُح للانتخابات، في مقابل توليه مقاليد الحكومة المؤقتة. ومن هؤلاء أيضا سيف القذافي، الذي صدرت في حقه أحكام قضائية نهائية، ومع ذلك أجاز له القضاء الترشُح للانتخابات الرئاسية، وسط غضب عارم، خاصة في المنطقة الغربية، التي تضم أكبر كتلة من الناخبين.

في تلك الأجواء المشحونة جاء الاجتماع الأول بين القائدين العسكريين للمنطقتين الغربية والشرقية الفريق أول محمد الحداد، والفريق عبد الرازق الناظوري، الأحد الماضي في مدينة سرت، متأخرا عن ميقاته الطبيعي، إذ كان الاتفاق على حل التشكيلات المسلحة في الجانبين ودمجها في الشرق والغرب، حجر الركن في الإجراءات المُمهدة للمسار الانتخابي.

وطالما أن اتفاقا لم يحصل بين الطرفين، لكي يكون إطارا لإجراء الانتخابات الموعودة، فإن العملية السياسية برمتها تصبح في مهب الخلافات، ذلك أن توحيد المؤسسة العسكرية لا يمكن أن يُبنى إلا على توحيد القيادة السياسية، وهو أمر لا يمكن تصوره في المرحلة الراهنة.

كما ارتبط نجاح العملية السياسية أيضا بمدى التقدُم في وضع جدول زمني لإخراج المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا.

أكثر من ذلك عاد بعض أمراء الحرب إلى الواجهة، في الوقت الذي كان الناس ينتظرون أن يغيبوا تماما من الساحة، من ذلك أن صلاح بادي قائد ما يُعرف بـ«لواء الصمود» هدد قبل أيام بغلق كل مؤسسات الدولة في طرابلس، مُعتبرا أنها «تشتغل للخارج وليس للداخل».

ويمكن القول إن إحدى الكلمات المهمة التي دفعت إلى إرجاء الانتخابات هي جملة بادي، التي قال فيها «لن تكون هناك انتخابات رئاسية طالما أن الرجال موجودون» وهي جملة تختزل رؤية معارضي الانتخابات للعملية السياسية بمجملها، بوصفها «لعبة أمريكية» كما قال بادي.

على العكس من ذلك، سار اجتماع المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون ليبيا، ستيفاني وليامز الأربعاء في مصراتة، مع مجموعة من القيادات العسكرية وآمري الكتائب المسلحة، في اتجاه مُناقض، فبينما أكدت وليامز من مصراتة أن اجتماعها مع العسكريين اتسم «بلغة التهدئة وتغليب الحلول السياسية»، كان جواب بادي من طرابلس «اتفقنا على قرار بسيط سوف يقلب الأمور رأسًا على عقب».

أما الفريق الحداد فشدد على أن الخطة التي وضعتها المنطقة الغربية ولقيت استحسانًا من المنطقة الشرقية، جرى بموجبها تصنيف المجموعات المسلحة إلى أفراد راغبين في الاندماج بالجيش أو الشرطة، وآخرين يُفضلون أعمالاً حرفية أو استكمال الدراسة. لكن ذلك يحتاج إلى خطة من السلطة السياسية كي تعمل على تحقيق تلك المطالب.

وذهبت القيادة العسكرية إلى مدى أبعد في استعداداتها لإنجاح العملية الانتخابية، إذ اجتمع الفريق أول محمد الحداد مع رئيس جهاز حرس المنشآت النفطية العميد علي امحمد الديب، وبحثا تأمين الشركات الأجنبية العاملة في مجال النفط والغاز، التي ترغب في العودة إلى مزاولة عملها في ليبيا. ومن الطبيعي أن يكون هذا البحث مُستندا على نوع من اليقين، من أن العملية السياسية تتقدم، وأن هذه الجوانب الأمنية ينبغي أن تكون محسومة سلفا.

ميقات جديد للانتخابات؟

سيكون من الصعب الاتفاق على تاريخ جديد للانتخابات، ويُطرح هنا مجددا الأسئلة التالية:

هل سيتم الإعلان عن ميقات جديد للانتخابات؟

وما مصير الترشُحات المُجازة، وتلك التي أثارت جدلا كبيرا حول عدم مطابقتها للقانون؟

بل ما مصير حكومة الدبيبة التي تشكلت بهدف الإعداد للانتخابات؟

وهل ستتزامن الانتخابات الرئاسية مع النيابية، أم سيتم الفصل بين المسارين، علما أن الوضع في ليبيا، على جميع الأصعدة، لا يتحمل مزيدا من التأجيل أو فصل المسارين عن بعضهما البعض.

وهناك أسئلة أخرى كثيرة عن الموقف الدولي من هذه الانتكاسة، التي لم تكن تتوقعها غالبية المتابعين للشأن الليبي، وأسئلة عن ضرورة العودة إلى حوارات جنيف، التي كانت مرجعية الحكومة المؤقتة الحالية. وهل ستسعى الأمم المتحدة إلى صيغة للتمديد لحكومة الدبيبة والمجلس الرئاسي الحالي لتفادي الفراغ، أم سيكون هناك حلٌ آخر؟

أما على الصعيد الإقليمي فإن تأجيل الانتخابات في ليبيا يُلقي بظلال كثيفة على دول الجوار، التي كانت تُؤمل أن يساعد نجاحُ الحل السياسي في ليبيا على ضبط الأوضاع الأمنية في مناطقها، وخاصة المُتاخمة للحدود الليبية، حيث ما زالت مؤسسات الدولة غائبة.

وما يُعرقل العمليات العسكرية الفرنسية في الساحل أن «عملية إعادة التنظيم» مثلما يُحبُ أن يُسميها الفرنسيون، تتنزل في سياق اجتماعي وسياسي يتسم بالتوتر، وهو توتر بين باريس والمجلس العسكري في مالي أولا، كما أنه يحمل أيضا علامات واضحة على رفض السكان المحليين الوجود العسكري الفرنسي، وذلك ما تُعبر عنه الحملات المناهضة للفرنسيين على شبكات التواصل الاجتماعي، على سبيل المثال.

أما باريس فهي تخشى تكرار السيناريو الذي حصل في جمهورية أفريقيا الوسطى، حيث درّبت بعثة أوروبية قوات مسلحة محلية، لكنها فوجئت بأن مجموعة «فاغنر» الأمنية الروسية استقطبتها ووظفتها بعد ذلك، بأسلوبها الناعم، لخدمة أغراضها هي.

«داعش» ومعاودة تنظيم الصفوف

الأخطر من ذلك أن تنظيم «داعش في الصحراء الكبرى» يعمل حاليا على معاودة تنظيم صفوفه في المنطقة، بعد القضاء على بعض قادته، طبقا لما أفاد به الجنرال الفرنسي لوران ميشون. وأكد ميشون، وهو قائد عملية «برخان»، أن قادة الصف الثاني في التنظيم يناقشون حاليا إعادة بناء تسلسل القيادة، وأن الخطر في هذه المرحلة هو ارتكاب مزيد من أعمال العنف، على أيدي هؤلاء القادة الثانويين. 

وحذر من «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» (الموالية لـ «القاعدة») التي صنفها الأشد خطورة، فهي قادرة على فرض حلول مقبولة للسكان المحليين في وسط مالي، كما أن حضورها مستدام وقدرتها على التجنيد أسهل في المناطق المهمشة، وهي بصدد التمدد جنوبًا وصولًا إلى شمال ساحل العاج وشمال بنين وشمال غانا.

ورأى بعض المحللين أن فرنسا باتت أكثر براغماتية في الملف الليبي، في الآونة الأخيرة إذ يمكن أن تقبل الآن ببقاء السلطة على المدى المتوسط بين أيدي رئيس الحكومة المؤقت الدبيبة، المقرب من تركيا.

وكانت باريس ارتكبت أخطاء فادحة حين وضعت أوراقها في سلة اللواء المتقاعد حفتر، وعندما انسحبت قواته على عجل من قاعدة غريان (100 كيلومتر جنوب العاصمة طرابلس) تم العثور على صواريخ فرنسية الصنع في صناديقها. إلا أن حكومة ماكرون أعادت ارتكاب الخطإ نفسه أخيرا بإقدامها على بيع نظام متطور لمراقبة المكالمات الهاتفية إلى قوات اللواء حفتر، عبر شركة «ناكسا تكنولوجيز»، وبواسطة فرعها في الإمارات، بحسب ما أوردت صحيفة «لوموند» الفرنسية، مؤكدة أن هذه الصفقة شكلت انتهاكا للحصار الذي قرره مجلس الأمن منذ 2011 لمنع بيع السلاح إلى ليبيا.

والأدهى من ذلك أن هذه التجهيزات المتطورة بيعت لقوات حفتر، وهي جهة لا تنتمي للدولة الليبية، ولا يعترف بها المجتمع الدولي، بل تُلاحقها شبهات فساد وانتهاكات عديدة لحقوق الانسان.

هكذا تتداخل الرهانات الاستراتيجية مع مصالح الفئات المُتصارعة في الداخل الليبي.

وفي ضوء تطابق المصالح، أتى التأجيل حلا وسطا للجميع، فهو يُرضي تركيا المتمسكة بحليفها الدبيبة، ويُرضي فرنسا الحريصة على بقاء حفتر مُسيطرا على المنطقة الشرقية، كما يُريح أيضا روسيا المُراهنة على سيف القذافي.

وبذلك ستبقى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وفي مقدمته ألمانيا، يُحاولان رفع الحجر إلى أعلى والرجوع إلى برلين1 وبرلين2، لكن ذلك أصبح اليوم أبعد منالا مما كان في الماضي.

_____________

مواد ذات علاقة