السنوسي بسيكري

ليبيا.. ماذا بعد تأجيل الانتخابات؟
صار تأجيل الانتخابات محسوما والجميع في انتظار الإعلان الرسمي والذي من المفترض أن يتضمن موعدا جديدا، فتأجيل الانتخابات دون ضرب موعد لها يسهم في تأجيج الوضع أكثر، وذلك في ظل التوتر الراهن والذي انتقل من الخلاف السياسي إلى التأهب الأمني والعسكري والمواجهات كما وقع في سبها اليومين الماضيين.

السبب الرئيس لتأجيل الانتخابات ينحصر في عدم حسم ملف المرشحين للانتخابات الرئاسية وما تبع ذلك من ارتباك صار معه عقد الانتخابات في الرابع والعشرين من كانون الأول (ديسمبر) مجازفة خطيرة. وذلك مع التسليم بالأثر السلبي للعوامل القانونية واللوجستية.

ومن بين المرشحين الأكثر جدلا يبرز خليفة حفتر وسيف الإسلام القذافي يليهما عبدالحميد ادبيبة، ذلك أن المفوضية ومجلس النواب ومن خلفها الأطراف الدولية ما كانوا ليعبؤوا كثيرا بموقف الجبهة المعارضة في الغرب الليبي الرافضة لإجراء الانتخابات وذلك بعد أن تقدم للمشاركة فيها عدد كبير من المرشحين للرئاسة ولعضوية البرلمان من مدن الغرب الليبي وتطلع قطاع عريض من سكان المنطقة الغربية لهذه الانتخابات كسبيل لتغيير الأجسام الحالية ومن ثم تحسين الأوضاع الأمنية والاقتصادية.

القذافي وادبيبة شكلا تحديا لحفتر، وبالنظر إلى استطلاعات الرأي الأولية التي انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي يظهر تفوق القذافي وادبيبة على حفتر بفارق كبير، لذا تحرك حفتر إعلاميا ضد ادبيبة وعسكريا ضد القذافي. ولأن الأطراف الدولية تدرك ما يترتب عن ترشح سيف الإسلام القذافي للانتخابات من مخاطر صار من المنطقي أن تؤجل إلى حين ترتيب الوضع بشكل يصحح الانخراف الذي وقع.

تأجيل الانتخابات وضع الأمم المتحدة والأطراف الدولية الفاعلة أمام تحديان: الأول يتعلق بالتوافق على موعد جديد والتراضي بخصوص إصلاح العملية الانتخابية. الثاني يتعلق باحتواء التداعيات جراء تأجيل الانتخابات ويأتي في مقدمة هذه التداعيات دفع أطراف سياسية وعسكرية في الشرق والغرب باتجاه تغيير السلطة التنفيذية برمتها، وأقله تغيير الحكومة الحالية، وهو ما ترفضه قوى سياسية وعسكرية أخرى، مما يعني احتمال تفجر الوضع واندلاع مواجهات قد تكون خطيرة.

يمكن القول إن الحراك الأمني والعسكري الذي يجري في العاصمة اليوم والذي انطلق بعد إقالة آمر منطقة طرابلس العسكرية قد يكون دافعا لتحريك النزاع حول الحكومة. ولأن تغيير رئيس الحكومة محتمل بعد تأجيل الانتخابات، إلا أن يسحب ادبيبة ترشحه، سيعتمد الانتقال السلس على البديل ومواقفه وعلى التيار الذي ينتسب إليه.

الإخفاق الذي انتهت إليه العملية الانتخابية يتطلب ليس فقط التوافق على موعد جديد لإجراء الانتخابات، بل معالجة الانحراف في المسار السياسي ومعالجة الأخطاء التي وقع فيها مجلس النواب والمفوضية والمجلس الأعلى للقضاء، وهو أمر محتمل خاصة بعد الإعلان عن لقاء مرتقب يجمع عقيلة صالح مع خالد المشري.

من بين الخيارات المطروحة الاستمرار في المزامنة بين الانتخابات الرئاسية والبرلمانية مع التعديل في الأساس القانوني بحيث يحسم الخلاف حول المرشحين الأكثر جدلية، وهو خيار غير مضمون النتائج، بمعنى أنه لن يحقق عملية انتخابية تقود إلى استقرار نسبي يمهد لحالة سياسية وأمنية واعدة. ذلك أن إقصاء أحد المرشحين الجدليين وهم حفتر والقذافي وادبيبة سيقود إلى مزيد من التأزيم، فبالنسبة لجبهة الشرق المطلوب أقصاء الاثنين، وبالنسبة لجبهة الغرب ترشح حفتر وسيف الإسلام خطوط حمراء خاصة إذا تم إقصاء ادبيبة، وقس على ذلك استبعادهم جميعا.

الخيار الثاني هو تأجيل الانتخابات الرئاسية وتقديم انتخابات المجلس التشريعي، وهو الأقرب بالنظر إلى العوائق التي تواجه الأولى، ويتطلب تمرير هذا الخيار مناورة وضغوط دولية قوية على الأطراف الرافضة للفصل بينهما، وهم الأقلية على الأرجح.

يبقى احتواء الخلاف حول السلطة التنفيذية الحالية وحكومة الوحدة الوطنية والذي يشكل تحديا كبيرا قد ينعكس سلبا على إعادة ترتيب ملف الانتخابات، ويمكن القول إن الحراك الأمني والعسكري الذي يجري في العاصمة اليوم والذي انطلق بعد إقالة آمر منطقة طرابلس العسكرية قد يكون دافعا لتحريك النزاع حول الحكومة. ولأن تغيير رئيس الحكومة محتمل بعد تأجيل الانتخابات، إلا أن يسحب ادبيبة ترشحه، سيعتمد الانتقال السلس على البديل ومواقفه وعلى التيار الذي ينتسب إليه.

الزيارات العديدة التي قامت بها ستيفاني ويليامز والتي تعدت الجهات المعنية بالانتخابات يؤشر إلى إدراك ويليامز للمختنقات والمعالجة المطلوبة لاحتواء الفشل، والتي تتطلب تصحيح الانحراف عن خارطة الطريق في مسارها السياسي وضمان أن لا يقود الخلاف حول المسار السياسي إلى انهيار المسارين الأمني والاقتصادي. وبات من المؤكد أن لدى ستيفاني الرغبة في تمديد العملية السياسية حتى منتصف العام المقبل.

وبالمجمل، فإن الفترة المقبلة، وحتى الموعد الجديد للانتخابات، ستشهدا حراك سياسيا وأمنيا وعسكريا في اتجاهات عدة عنوانه إعادة رسم خارطة القوى السياسية والعسكرية وإعادة تموقع سياسي وعسكري سيغير المشهد السياسي والعسكري الراهن.

ستيفاني وليامز وقطار التسوية المتعثر في ليبيا

أجزم أن البيت الأبيض كان وراء إعادة وليامز لليبيا، ودواعي ذلك هو الارتباك في أداء البعثة بعد تولي كوبيتش والانحراف عن خارطة الطريق التي أشرفت على وضعها وليامز ولقيت قبولا واسعا في الداخل والخارج.

واشنطن تضغط بكل قوة لتغيير الوضع المأزوم الراهن عبر الانتخابات، والغاية هي إيجاد سلطة كاملة الشرعية لتكون مؤهلة لاتخاذ قرارت حاسمة فيما يتعلق بالوجود الأجنبي بشكل عام، والروسي بشكل خاص.

تمرير وليامز من النافذة بعد إغلاق الأبواب أمامها يعني أن الخلاف بين الأمريكيين والروس ما يزال قائما، وأن أي محاولة لترتيب الوضع بشكل لا يرضي الروس لن يمر، فوضع موسكو اليوم أقوى من ذي قبل، فقد نجحت في فرض سيف الإسلام في المعادلة عبر ترشحه للانتخابات الرئاسية وتشكل حاضنة له في الجنوب.

وليامز ستكون أمام خيارين: الأول إجراء الانتخابات في الموعد المبدئي وهو 24 من الشهر الجاري، وهو أمر بات مشكوكا في إمكانية إنجازه في ظل التعثر في العملية الانتخابية، فحتى اليوم لم يعلن عن القائمة النهائية للمرشحين، ولم تبدأ الحملات الانتخابية بشكل رسمي، وملف الطعون برغم إغلاقه إلا أنه أثار جدلا كبيرا ما يزال يلقي بظلاله على المسار الانتخابي.

الخيار الثاني هو التأجيل، ولأن إدراكا تتسع رقعته في الداخل والخارج من أن الانتخابات تحت الضغوط وفي هذه الأجواء الملغومة لن تحقق الاستقرار في أقل مستوياته، فيمكن القول إن الدفع بستيفاني إنما هو لأجل منع تداعيات تأجيلها والتي في مقدمتها إسقاط عبد الحميد ادبيبة وتعيين بديل عنه ربما من مصراته، وهو الأمر الذي سيقود إلى تصعيد في الغرب الليبي قد يتطور إلى مواجهات مسلحة.

واشنطن تضغط بكل قوة لتغيير الوضع المأزوم الراهن عبر الانتخابات، والغاية هي إيجاد سلطة كاملة الشرعية لتكون مؤهلة لاتخاذ قرارت حاسمة فيما يتعلق بالوجود الأجنبي بشكل عام، والروسي بشكل خاص.

مهمة ستيفاني ستكون أكثر تعقيدا هذه المرة، وتأجيل الانتخابات وتعثرها سيضاعف من حالة التأزيم، فلقد دخل على خط الصراع مكون آخر وهم أنصار النظام السابق بقيادة سيف الإسلام، هذا المستجد سيدفع إلى مزيد من التخندق والانقسام ليصبح المشهد أقرب إلى ثلاث كتل سياسية، فبراير في الغرب والكرامة في الشرق والخضر في الجنوب.

من ناحية أخرى، فقد قاد الوضع الذي أسست له قوانين الانتخابات إلى منح امتيازات للكرامة والخضر سيكون من الصعب التخلي عنها، وهي امتيازات من الصعب أن تقبل بها كتلة فبراير، الأمر الذي سيجعل مهمة ستيفاني أكثر صعوبة، ولأنها مؤهلة لتحقيق اختراق وتجاوز الكثير من العقبات المستجدة، إلا أنه لن يكون في مدى قصير وذلك بالنظر إلى التحديات الجديدة.

إضافة إلى ما سبق من عوائق وتحديات، وبالعودة إلى تأثير العامل الخارجي والذي بات الأكثر تأثيرا في اتجاه الأزمة وخيارات احتوائها والذي سيكون أقرب إلى الخلاف منه إلى التوافق وذلك مع التصعيد المشاهد بين الأطراف الدولية، أمريكا وأوروبا في طرف، وروسيا في الطرف الآخر، ويشهد على ذلك التوتر الشديد في أوكرانيا والتصريحات الحادة من الطرفين، فليبيا اليوم تمثل ساحة صراع دولي لا تنفك عن الساحات الأخرى، واستراتيجية بوتين الكبرى تهدف في إحدى ركائزها إلى تشتيت الضغوط الغربية على روسيا في منطقة البحر الأسود ونقل جزء من الصراع إلى مناطق نفوذ الغرب في البحر المتوسط، وهذا يعني أن العامل الخارجي سيكون متأزِّما في المدى القصير وليس العكس.

_______________

مواد ذات علاقة