عائد عميرة

تأجّلت الانتخابات الرئاسية في ليبيا رسميًّا، بعد أخذ وردّ وخشية من الإعلان عن القرار، قرار من شأنه أن يُرجع الأمور إلى مرحلة البداية في حال لم يتمَّ الحفاظ على المكاسب التي جرى التوصل إليها خلال هذه السنة، وفق العديد من المتابعين، لكن هل من السهل الحفاظ على هذه المكاسب في ظل تربُّص عديد القوى الداخلية والخارجية بليبيا؟ 

تأجيل الانتخابات

قبل 3 أيام من موعد الانتخابات الرئاسية المرتقب، أصدر رئيس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ليبيا، عماد السايح، قرارًا بحلّ اللجان الانتخابية وإنهاء أعمالها، والرجوع إلى وضع ما قبل العملية الانتخابية.

ونصَّ قرار السايح على عدم تجديد كافة العقود الموسمية في جميع المكاتب والفروع، مع تسوية كافة المستحقات والالتزامات المالية التي ترتّبت على العملية الانتخابية بحلول نهاية العام الحالي، ما يعني تأجيل الانتخابات الرئاسية رسميًّا.

جاء هذا القرار المنتظَر نتيجة التأكد من استحالة تنظيم الاقتراع الرئاسي في الموعد المحدَّد، والذي كان مقررًا في 24 ديسمبر/ كانون الأول الحالي، وسبق أن أكّدنا في تقارير سابقة لـ”نون بوست” أن العملية الانتخابية صعب أن تصل مراحلها الأخيرة في ليبيا لأسباب عديدة.

كان من الأوْلى أن يتمَّ الإعلان عن التأجيل في وقت سابق، خاصة مع تأكُّد الأمر منذ فترة، فقبل 10 أيام أجّلت مفوضية الانتخابات نشر القوائم النهائية للمرشَّحين للانتخابات الرئاسية، ضمن ما قالت إنها إجراءات إدارية وقضائية اتخذتها، ما يعني أن الانتخابات تأجّلت، لكن الكُلّ كان يخشى أن يُعلن عن هذا القرار خوفًا من تداعياته.

أسباب التأجيل

يعود تأجيل الانتخابات إلى أسباب عديدة، ذلك أن شروط إجراء انتخابات حرة وذات مصداقية وديمقراطية وتوافقية تكون ركيزة أساسية لعودة السلام والاستقرار إلى ليبيا، لم تتحقق بعد، في ظل عدم رغبة عدة أطراف في الوصول إلى ذلك.

من بين أهم الأسباب التي أدّت إلى تعثر الانتخابات هو وجود خلافات حول إطارها القانوني والدستوري، إذ إن البرلمان أصدر قانونًا انتخابيًّا دون الرجوع لباقي الأطراف، وهو ما أدّى إلى رفضه، خاصة أنه سمح لمجرمي الحرب والمطلوبين للعدالة بالترشُّح.

من الأسباب أيضًا عدم الاستقرار السياسي والانقسام الحادّ في مؤسسات الدولة وبين مختلف الشخصيات والفعاليات السياسية، فقد كان من المفروض أن تعمل حكومة الوحدة الوطنية بقيادة عبد الحميد دبيبة على توحيد مؤسسات الدولة، وإيجاد حل للانقسامات الداخلية، إلا أن ذلك لم يحصل والانقسام بقيَ على حاله.

أيضًا ضمن الأسباب المهمة للتأجيل، نجدُ مسألة عدم الاستقرار الأمني وانتشار المرتزقة، فقد كان من المفترض أن تُجرى الانتخابات بعد أن يخرج المرتزقة والمقاتلين الأجانب من ليبيا، وهو ما لم يحصل، فالمرتزقة ما زالوا منتشرين في البلاد بأعداد كبيرة ويسيطرون على مناطق واسعة من البلاد.

ولا ننسى دور قوى النفوذ الإقليمية والدولية المتغلغلة بليبيا في تأجيل الانتخابات، فهذه القوى تسعى إلى انتخابات يحسم فيها الحكم لصالح مرشحها أو على الأقل يحظى بموقع مهم في السلطة الجديدة، وإلا فالعرقلة.

اختارت مفوضية الانتخابات تأجيل الاستحقاق الانتخابي المنتظر لموعد قادم لم يحدَّد بعد، حتى تجنِّب البلاد ويلات تداعيات القيام بانتخابات رئاسية في الوضع الحالي، فتنظيم انتخابات في الوضع الحالي وبمثل هذه الشاكلة سيزيد الوضع تعقيدًا وسيدخل البلاد في متاهات كبرى.

نفهم من هنا أن الواقع المحلي والإقليمي والعالمي لا يبدو قابلًا للتشكُّل في اتجاه إنجاز انتخابات حرة ونزيهة وديمقراطية، تُفرز قيادة جديدة كما يرغب بها الليبيون فعلًا، فالجميع يعمل لمصلحته الخاصة فقط، أما مصلحة الليبيين فلا يفكِّر فيها أحد.

من سيحكم الآن؟

تأجّلت الانتخابات الرئاسية الليبية دون إعلان رسمي عن التأجيل، ولم تضع مفوضية الانتخابات أي موعد جديد، وتركت الباب مفتوحًا لمجلس النواب أو أي سلطة أخرى لاتخاذ ذلك القرار، فهي لا تملك سلطة في ذلك.

تأجيل الانتخابات يضع ليبيا أمام سيناريوهات مفتوحة، خاصة أن العملية السياسية لم تتطرق لهذا الأمر، والسؤال المطروح الآن هو “من سيحكم ليبيا؟” في ظلّ عدم الاتفاق مُسبقًا على استمرارية الحكومة من عدمها بعد موعد 24 ديسمبر/ كانون الأول، فالحكومة الحالية تنتهي مهمتها في التاريخ المقرَّر إجراء الانتخابات فيه، ويصعب أن يجدَّد الثقة لها، والسؤال الأهم من سيجدِّد لها الثقة؟

أحد السيناريوهات المطروحة هو بقاء حكومة عبد الحميد دبيبة لتسيير الأعمال وتأجيل الانتخابات لفترة زمنية قصيرة، وتشديد العقوبات على من يُعرقل إنجازها سواء كانت قوى داخلية وخارجية، والوصول إلى انتخابات تحظى بحدٍّ أدنى من التوافقات.

أما السيناريو الثاني فهو ذهاب الليبيين إلى حوار جديد في جنيف أو إحدى العواصم العربية، للخروج باتفاقات جديدة حول خارطة طريقة تنشئ سلطة تنفيذية مؤقتة، إلى حين الانتهاء من تهيئة البلاد للانتخابات الرئاسية والتشريعية، وهذا الأمر سيأخذ وقتًا طويلًا وفرص نجاحه كفرص فشله، فالنتيجة غير مضمونة.

يوجد سيناريو آخر يمكن الذهاب إليه بعد تعذُّر إجراء الانتخابات في موعدها، وهو التوافق بين مجلسي النواب (عقيلة صالح) والدولة (خالد المشري)، أو بين مجلس النواب والمجلس الرئاسي (محمد يونس المنفي) على اتخاذ قرارات لضمان استمرارية الدولة.

يمكن أيضًا أن يتّخذ مجلس النواب أو المجلس الرئاسي أو حكومة الوحدة الوطنية قرارات أحادية، وعلى المجتمع الدولي القبول بها، في حال كانت تصبُّ في مصلحة الليبيين، وكانت وسيلة للوصول إلى انتخابات رئاسية قريبة.

أيضًا هناك سيناريو آخر، وهو اتفاق عديد القوى الرئيسية في ليبيا على كيفية تسيير البلاد بعد يوم 23 ديسمبر/ كانون الأول الحالي، إذ توجد مشاورات غير رسمية لاختيار رئيس حكومة جديد لتسيير الأعمال حتى موعد إجراء الانتخابات.

وقد رأينا بعض الملامح لهذا الأمر، من ذلك اجتماع 7 مرشّحين للرئاسة، أبرزهم وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا، واللواء المتقاعد خليفة حفتر، والعضو السابق بالمجلس الرئاسي أحمد معيتيق، في مدينة بنغازي لبحث تطورات الوضع في البلاد.

عاش الكثيرون وهم اجراء انتخابات في ليبيا وهم لا يدركون حقيقة الأوضاع على الأرض وان مسرحية الانتخابات دفعت بها بعض الأطراف الإقليمية لاكتساب الوقت لإعادة بناء ما خسره حفتر وعصابته ومن خلفه منظومات الفاسدين ومن يقف خلفها لن تسمح باستقرار ليبيا لأن في استقرارها تدمير لمخططاتهم

سبق أن قال فتحي باشاغا، في فيديو متداول: “هذه الحكومة عمرها ينتهي يوم 23 ديسمبر عند الساعة الثانية عشر (ليلًا) ودقيقة، وفي هذا التوقيت تنتهي شرعيتها”، وأضاف: “القوة الفاعلة على الأرض تجلس مع بعضها، وفي يدها الحل والربط”.

لكن يوجد سيناريو مخيف، وهو عودة الفوضى والعنف والاقتتال في البلاد، فالمرتزقة والمقاتلين الأجانب والميليشيات المحلية الراغبة في تسلُّم السلطة مهما كلفها الأمر، على أهبّة الاستعداد للانقضاض على ليبيا، فالوصول إلى الحكم يبرر الوسائل المستعمَلة، ما دام ليس هناك رادع.

وعرفت عدة مناطق في ليبيا، على غرار العاصمة وسبها وبنغازي، في الفترة الأخيرة، انتشارًا كثيفًا للمجموعات المسلحة، وهو ما يخلق حالة من التوتر والفوضى، ويعزِّز خطر الصدامات التي قد تتحول إلى صراع في هذا البلد العربي.

يبدو أن تنظيم انتخابات حرة وولوج ليبيا إلى معترك الحكم الديمقراطي ما زال بعيد المنال في ظل الأسباب التي سبق أن تناولناها، ما يؤكّد ضرورة جلوس مختلف القوى الفاعلة في البلاد والتوافق فيما بينها للخروج من الوضع الحالي بأقل الأضرار، فتواصُل حالة الغموض والهشاشة الأمنية من شأنها أن تؤزِّم الوضع أكثر، حينها لن تكون ليبيا كما هي عليه الآن، بل سنشاهد بلدًا منقسمًا فعليًّا.

***

عائد عميرة ـ محرر في نون بوست

_______________

 

 

 

مواد ذات علاقة