الدكتورة أسماء يوسف الشيباني 

إن الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها في ليبيا في 24 ديسمبر/كانون الأول الجاري لا تمت إلى الديمقراطية بصلة. بالنسبة لي، هي لا تختلف في شيء عن الانتخابات التي كان يجريها صدام حسين في العراق، أو الانتخابات التي يجريها بشار الأسد في سوريا على سبيل المثال، فنتيجتها مقررة سلفا وحتمية.

إن الهدف من هذه الانتخابات -وفق ما أراه- هو إفشال قيام الديمقراطية في ليبيا بإيصال مجرم حرب إلى سدة السلطة في طرابلس بعد أن أخفق في تحقيق ذلك بالقوة العسكرية، ولا علاقة لهذه الانتخابات بإرادة الشعب الليبي لا من قريب ولا من بعيد.

لقد عانى الشعب الليبي الأمرّين من الدكتاتورية طوال الحقبة “الجماهيرية” والتي كان غياب الدستور سمة مميزة لها. فقد كان القذافي يعتبر الديمقراطية دجلا وأن من تحزب خان ولا يريد أن يكون في ليبيا دستور يقيد أيا من سلطاته المطلقة.

ومنذ اندلاع ثورة 17 فبراير/شباط المجيدة، قبل أكثر من 10 سنوات، حرصت الثورة المضادة على رفض فكرة إعادة تبني دستور الاستقلال بعد إدخال التعديلات اللازمة عليه، لكي لا تتجاوز ليبيا مرحلة الجماهيرية إلى غير رجعة، وأدخلت البلاد في فراغ دستوري أدى إلى الاقتتال الداخلي وتسليم مصير ليبيا إلى دول أجنبية وإقليمية لا تريد بنا خيرا.

وهذا ما يفسر حرص الثورة المضادة الشديد على إجراء الانتخابات الرئاسية بدون أن يكون لليبيا دستور، أو بدون توافق وطني على قاعدة دستورية تحدد صلاحيات الرئيس وحدود هذه الصلاحيات، وتتآمر على إجراء هذه الانتخابات الرئاسية قبل إجراء الانتخابات البرلمانية الممهدة لوضع الدستور. إنها انتخابات قد صممت على مقاس مجرم الحرب ليصل إلى السلطة ثم ينقض على الديمقراطية على طريقة النازيين.

وإن تعجب فتعجب من موقف “الأسرة الدولية” التي تدفع بكل ما أوتيت من قوة في سبيل إجراء هذه الانتخابات بدون أي اعتبارات قانونية أو أخلاقية.

إننا نعلم جيدا أن ليبيا تملك احتياطات مهولة من الغاز الطبيعي هي من الأكبر في العالم، وهو ما يخولها أن تكون لاعبا رئيسا في سوق الطاقة العالمي في مرحلة ما بعد النفط. والقوى العظمى تريد أن تضع يدها على هذه الثروة الأسطورية، إنها لا تلقي بالا للديمقراطية في ليبيا فما يهمها هو الغاز وليذهب الشعب الليبي إلى الجحيم.

لهذا فإن هذه القوى تريد تنصيب دكتاتور دمية على ليبيا -كما كانوا قد نصبوا القذافي من قبل- ليسيطروا من خلاله على ثروة ليبيا الجديدة فيقوم بسوم الشعب الليبي سوء العذاب لكي لا يتجرأ أحد على الاعتراض على هذا الظلم. إنهم يريدون الجماهيرية الثانية.

إن الإجماع في مجلس الأمن على أي قضية مهمة أمر أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع، ولكن هناك إجماعا كلي بخصوص عقد الانتخابات الليبية في 24 ديسمبر/كانون الأول الجاري في غياب الدستور، والمجلس يهدد كل معترض بالعقوبات. إنه إجماع على تزوير إرادة الشعب الليبي من أجل استعباده.

إننا بكل تأكيد لا نريد أن تقوم الدولة الدكتاتورية بقمع الناس وتكميم أفواههم باسم الله زورا وبهتانا، كما يحدث في بعض الدول التي تدعي تطبيق الديمقراطية.

إن السؤال الذي يعرض نفسه بإلحاح هذه الأيام هو:

 لماذا لا يوجد موقف أميركي واضح وصريح من مهزلة 24 ديسمبر/كانون الأول الانتخابية؟

لقد استبشرنا نحن الليبيين خيرا بوصول جو بايدن إلى الرئاسة، فقد تحدثت إدارته بقوة عن مناصرة قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، وأنها سوف تقف سدا منيعا في وجه تمدد الدكتاتورية حول العالم، ولكننا نجد أن النظام العربي القديم لا يزال ماضيا في غيه فهو يعمل صباح مساء لمنع قيام الديمقراطية في العالم العربي، وإيصال مجرم حرب إلى السلطة في ليبيا.

“وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ”‏.

***

الدكتورة أسماء يوسف الشيباني ـ مؤسسة الحزب الديمقراطي

مواد ذات علاقة