علي عبد اللطيف اللافي

يعيش الليبيون على وقع ترقب لما ستحمله الأيام والأسابيع المقبلة لبلادهم خصوصاً بعد تبين استحالة اجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والتي لن تجرى واقعيا غدا الجمعة 24 ديسمبر،ورغم الجهود اللافتة التي تقوم بها المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة للشأن الليبي “ستيفاني وليامز”والتي من المنتظر أن تعلنعن خطتها حول العملية الانتخابيةالأيام او الساعات المقبلة فان السجالات والجدل دائر في كل ربوع البلاد ومناطقها الثلاث حول أكثر من موضوع وملف وعلى رأسها:

  • إشكالية من يتحمل مسؤولية تأجيل الانتخابات، ولماذا ألقترئاسة المجلس النيابي في طبرق (“عقيلة” – “النويري”) بالمسؤولية على القضاء وهيئة/مفوضية الانتخابات بينما المجلس هو أصل الإشكالات حتى أنه مرر قانونا انتخابيا لم يصادق عليه حتى أعضاؤه
  • تفعيل وليامز للمسارين الاقتصادي والعسكري وهو موضوع دارت بشأنه نقاشات بين النخب والفاعلين الليبيين حوله خلال الأيام الماضية،بينما يغيب المسار الدستوري رغم أنه ركن مركزي وأساسي لإنجاح المسار السياسي والمتعثر منذ 2015؟.

** جدل بين المفوضية العليا للانتخابات ومجلس برلمان طبرق بشأن مسؤولية تأجيل الاستحقاقات الانتخابية؟

1- تابع الليبيون والرأي العام العربي والدوليالسجال بين مجلس النوابوالمفوضية العليا للانتخابات  بشأن من هو المسؤول فعليا عن إعلان تأجيل الانتخابات المقررةفي الأصال ليوم 24 ديسمبر الحالي (أي غدا الجمعة)، فيما لا تزال الاتصالات تجرى في الكواليس بجهود دولية وأممية لحسم الخلافوفي مقابل تأكيد عدد من النوابفي تصريحات مختلفة خلال الأيام الماضية مسؤولية مفوضية الانتخابات عن الإعلان عن تأجيل الانتخابات، كونها من ضمن مهامها الأصلية في إدارة العملية الانتخابيةوكان رئيس المفوضية عماد السائح قد قال منذ أيام إن المفوضية ليست لديها أي مُشكلة فنية في إجراء الانتخابات بموعدها المحدد.

2- رئيس المفوضية وفي تصريحات صحفية قال بنفسه الأحد الماضي (19 ديسمبر) إن “من أصدر أمر التنفيذ هو مَن يُصدر أمر الإيقاف، وهو من يقرر يوم الاقتراع، فما بالك بقرار التأجيل”، وهنا يُشير بوضوح إلى مجلس النواب من دون أن يسميه، ولكن عضو مجلس النواب “محمد سعد” أكد على مسؤولية المفوضية عن إجراء الانتخابات وتأجيلها، وقال “دور المجلس ينتهي عند حد إصدار القوانين، وهو ما وفره”. ، وتساءل في حديث لـإحدى اليوميات العربية الصادرة في لندن “إذا لم تكن لدى المفوضية أي مشكلة فنية في إجراء الانتخابات، فلماذا لم يعلن عن بدء عملية الاقتراع الآن؟، بل أنه لفت إلى أن “عملية الاقتراع بعد صدور القوانين هي من المسائل الفنية الموكلة للمفوضية”.ونفى “سعد” أن يكون هناك اتفاق على مستوى الرئاسة بين مجلس النواب والمفوضية على الإعلان عن تأجيل الانتخابات، مشيراً إلى أن الاتفاق كان نتيجة تواصل المفوضية مع عدد من النواب بعيداً عن رئاسة مجلس النواب بعد توريط المجلس في الأمر.

3- يبدو أنه كان هناك اتفاق الأسبوع الماضي بين النواب والمفوضية على إبلاغ “وليامز” بعدم قدرتهم على تأجيل الإعلان عن تأجيل الانتخابات أكثر من يوم الاثنين الماضي (أي يوم 21 ديسمبر)، وفعليا فان رئاسة المجلس أرجأت فعلا كل الخطوات المتعلقة بعقد جلستها الخاصة بالنظر في تقرير اللجنة النيابية المكلفة بالتواصل مع المفوضية إلى ما بعد يوم 24 ديسمبر الذي يوافق غدا، ورجحت أن تعقد يوم الاثنين المقبل (أي 27 ديسمبر)، في خطوة للتأكيد عن إخلاء مسؤولية عن تأجيل الانتخابات.

4- الثابت أن خلفيات عدة تَسببت في الأزمة الحالية المتعلقة بتخلي كل الأطراف عن مسؤوليتها حيال الانتخابات، معتبراً أنها أزمة ضَربت كل مؤسسات الدولة المعنية بالانتخابات، والحقيقة أن أصل الأزمة الحالية مثلها مقل كل أزمات الملف الليبي هو سيطرة أشخاص بعينهم على قرار المؤسسات وتحويلها إلى وسائل للوصول إلى مكاسب خاصة حيث كان واضحاً من البداية وجود حلف أو اتفاقات بين رئيس مجلس النواب “عقيلة صالح“ورئيس المفوضية “عماد السائح” بل ورئيس مجلس القضاء “محمد الحافي”، بدليل إصرارهم على العمل وفقاً لقوانين انتخابية صدرت بشكل غير قانوني وغامض، وأصموا آذانهم عن كل الاعتراضات، بل ان الثابت أيضا هو أن ذلك الحلف لم يتوصل إلى النتائج المرجوة، ما عجل باندلاع الخلاف بينهم وهو السبب في تخلي كل منهم عن مسؤوليته حيال الانتخابات…

5- الخلاف الحالي بدأ في الحقيقة وظهر علناً بإصدار 72 نائباً موالين لـــــــــــــ”عقيلة صالح” بياناً في الخامس من الشهر الحالي، طالبوا فيه المفوضية بعدم الإعلان عن القائمة النهائية للمترشحين وطبعا من هنا بدأت حرب المرشح الرئاسي “عقيلة صالح” على “السائح” و”الحافي”، فقائمة المترشحين تتوفر على منافسين كبار له وربما للواء المتقاعد “خليفة حفتر” أيضاً، لذا اتجهوا لعرقلة صدورها بمطالبة “السائح” و”الحافي” للمساءلة قبل الذهاب خطوة للأمام بتشكيل لجنة برلمانية، لتكون المواجهة في طرابلس قريباً من المفوضية ومجلس القضاء، وعمليا عاد مجلس القضاء للواجهة محدد بتصريحات لرئيسه “محمد الحافي” مساء الأحد الماضي (أي 19 ديسمبر) حيث أكد خلالها أن “النويري” خاطبه ببطلان قانون تعديل هيكل مجلس القضاءوهنا تحديدا تبين أن خطاب “النويري” للحافي مؤشر جديد على عمق الانقساماتحيث أكد “فوزي النويري وهو الذي عبر عن مفاجأته بتناقل وسائل الإعلام نص القانون من دون علمه، جاهر الآن بصدامه مع “عقيلة صالح”والذي حمله المسؤولية عن تسريب القانون عبر وسائل الإعلام من دون الإعلان عنه رسمياً بهدف تهديد “الحافي”…

** لقاءات وخطوات “ستيفاني وليامز” قبل إعلانها المرتقب للخطة الأممية الجديدة

1- بناء على ذلك السجال سالف الذكر يُنتظر بين يوم وآخر ان لم يكن في الساعات القادمة،أن تعلن المستشارة الأممية “ستيفاني وليامز” عن خطة لإنقاذ العملية الانتخابية وفعليا لم تنتظر السيدة التي تعرف تفاصيل الازمة الليبيين أكثر من المسؤولين والفاعلين الليبيين أنفسهم بناء على طبيعة شخصيتها وطبيعة المهم التي شغلتها في واشنطن أو في حوالي 08 دول عربية وإسلامية وأيضا بناء على المهام التي قامت بها سابقا في ليبيا (قائمة بالأعمال في جانفي/يناير 2018 – مساعدة لغسان سلامة مكلفة بالشؤون السياسية في 05 جويلية/يوليو – مبعوثة بالنيابة في مارس 2020 وحتى 05-02-2021)، حيث بدأت اتصالاتها منذ يوم وصولها لطرابلس منذ حوالي الأسبوعين…

2-إضافة الى لقاءات الأسبوع الماضي الكثيرة والمتعددة ومع كل الأطراف عقدت “وليامز” اجتماعاً مغلقاً في طرابلس الأحد الماضي حضره رئيس المفوضية “عماد السائح” ورئيس مجلس النواب المكلف “فوزي النويري” ووزير الداخلية بالحكومة “خالد مازن”، وقالت “وليامز” لاحقا إن ذلك الاجتماع يأتي في إطار المشاورات الواسعة التي تُجريها في مدن مختلفة مع المؤسسات والجهات السياسية والأمنية الفاعلة، لدعم عملية انتخابية حرة ونزيهة وذات مصداقية، وفي مرحلة أو خطوة ثانية أنهت “وليامز” فعليا جولة طويلة ضمت طرابلس ومصراتة وبنغازي، التقت خلالها عدداً من المسؤولين بالإضافة لعدد من الشخصيات المترشحة للانتخابات الرئاسية، من بينهم رئيس الحكومة “عبد الحميد الدبيبة” و”خليفة حفتر” ووزير الداخلية الأسبق “فتحي باشاغا”.

3- وبالتوازي مع خطواتها وقعت زيارة “نورلاند”الحامل لصفتي “السفير” و”المبعوث الأممي الأمريكي الخاص بالملف الليبي”، وهي زيارة غير عادية ولا كلاسيكية ولا روتينية حيث التقى رؤساء المجلس الرئاسي والحكومة ومجلس النواب، بهدف بحث إزاحة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المنتظرة إلى موعد آخر حسب خريطة الطريق (وما يغيبه الكثيرون ممن يجهلون التفاصيل الدقيقة بوثائق الجلسات والحوارات والاتفاقيات هو أن لقاء تونس في نوفمبر 2020 قد حدد الخارطة بـ 18 شهرا)، ويظهر أن من بين النقاط التي ناقشتها “ستيفاني” مع البعض هو شكل تأجيل الانتخابات، منها تقديم إجراء الانتخابات البرلمانية وتأجيل الرئاسية وهو ما يتناسب مع تصريحات رئيس المجلس الأعلى للدولة “خالد المشري” يوم الجمعة الماضي لقناة “ليبيا الاحرار”، وفي كل الحالات فان عملية التأجيل وبناء على ما سبق من معطيات لن تتجاوز يونيو/حزيران المقبل…

4- لا يمكن تغييب أن التدخل الخارجي في العملية الانتخابية من أسباب تعثرها ووصولها إلى طريق مسدودوهو أمر يعرفه الجميع ويعيه كل متابع بل أن الليبيين هم من سهلوه عبر تحويل الملف الليبي الى ملف بين الاطراف الإقليمية والدولية بناء على خوضهم حرب بالوكالة منذ صائفة 2014 وحتى بداية الحوار في تونس في 19 نوفمبر 2020 (رغم أن الجلسات الحوار بدأت في “مونتريو” في سويسرا في أوت 2020)، وهو ما حدا أحد الجامعيين الليبيين الى لتساؤل “ما الذي حدا بالسفارة الأميركية إلى دعوة السائح للقاء سفيرها في تونس في هذا التوقيت الحساس؟ كما أعلنت قبل أيام، وما الذي تم نقاشه؟ إن لم يكن كيفية التأجيل ومدته؟، وكل ذلك يعني أن طبيعة الأزمة في ظل تغير التحالفات الإقليميةوبناء على شكل الانسداد الحاصل والذي وصلت إليه العملية الانتخابية إلى حد انسلاخ كل الأطراف من مسؤوليتها حيالها، سيُمكن “وليامز” أو أي طرف دولي من فَرض أي رؤية لإنقاذ العملية الانتخابية وأنه ليس من حل أمام الفرقاء الليبيين إلا القبول بواقع الأمر، وهو أن الإعلان عن تأجيل الانتخابات هو إعلان عن فشلها وانهيار الكثير من الآمال، وأن شبه الحرب قد أطل برأسه من جديد- ولو بدفع خفي من بعض الأطراف- ليُمكن لاحقا اجراء حوارات وترتيب معادلات جديدة ربما تنبني عليها الخطة الأممية الجديدة وبالطريقة التي دفعت للحرب أو الاشتباكات المحدودة وربما المرتبة أصلا…

5- لا خلاف في أنه على جميع الليبيين الآن في أفق مارس القادم العمل على التوافق على خطة جديدة لما بعد انهيار الانتخابات، وتلافي الانجراف إلى أتون فوضى جديدة قد تدفع للاحتراب لا في يلبيا فقط بل في كل المنطقة وخاصة في ضفتي المتوسط، ولكن “وليامز” وباعتبار انها ابنة “الحزب الديمقراطي الأمريكي” ( أي المستوعبة لسياساته وسياسات “بايدن” الحالية في المنطقة )، وهي أيضا تلميذة “رامسفيلد” وأيضا ابنة الإدارة الأمريكية العميقة (الأمن القومي أساسا) قد جاء ت لتخُط وتٌخطط وتخيط حلا يخدم خطة الاستقرار في المنطقة وتحويل ملفاتها لملفات نائمة مقابل التفرغ الأمريكي للملفين الإيراني والصيني وتحقيق هدف ضمان الخطوط الأمريكية الحمراء الثلاث (ضمان تدفق النفط – التصدي للإرهاب – مراقبة وتصد منهجيللتواجد الروسي في المنطقة وخاصة في منطقتي شمال وغرب افريقيا)…

** مضمون الخطة المرتقبة: احياء المسارين العسكري والاقتصادي الى جانب المسار السياسي في انتظار خطوات المسار الدستوري 

1- مضمون الخطة الأممية الجديدة فيه الكثير من التفاصيل غير المعلومة لأغلب المتابعين، وأما عودة “ستيفاني”- وكما أكدنا ذلك أعلاه- فهي مُتعددة الأبعاد والدلالات وان ركز البعض على نقطة تأجيل الانتخابات وكيفية تحيين الخارطة الأممية بما يحقق التوافق الأوسع على اجرائها مستقبلا وخاصة على آلياتها وقوانينها مستقبلا، فان الثابت أن “ستيفاني”تتبنى رؤية ملخصها تأجيل الانتخاباتإلى أقصى حدّ ممكنلكن بشرط عدم تجاوز يوم 21 يونيو/ حزيران المقبل….

2- عمل“ستيفاني” بدأ فعليا قبل وصولها لطرابلس قبل أسبوعين من الآن، بل أن النتائج بدأت تترتب منذ الساعات الأولى لوصولها حيث عادت عمليا المحادثات واللقاءات بين محافظي البنك المركزي في طرابلس والبيضاء بشكل مفاجئ- وهو مثال للذكر لا الحصر- ولعل لقاء بعض مرشحين في بنغازي أول أمس الثلاثاء 21 ديسمبر ، هو تعبير من بين تعابير كثيرة على تأثيرات الكبيرة للمستشارة الأممية مضاف اليه الكثير من الارهاصات في العاصمة وبعض مدن الساحل الغربي…

3- بعد لقاءات كثيفة في طرابلس جمعتها مع أغلب مسؤوليها، مروراً بمصراتة وسرت، للقاء قادة سياسيين وعسكريين، ثم ذهبت”وليامز” إلى بنغازي الجمعة الماضية والتقت عدداً من المسؤولين أيضاً لتلخص نتيجتها بقولها عبر تغريدة على حسابها إنها ناقشت العملية الانتخابية واستمعت لمقترحات حول الإصلاحات الاقتصادية، والمصالحة الوطنية والعدالة الانتقالية…

4- “وليامز”في الواقع تهدف من خلال جملة زياراتها الكثيفة لكل الأطراف إلى طرح رؤيتها للعملية الانتخابيةولكن بات جلياً أن خطتها أشمل من موضوع الانتخابات حيث تهدف أيضا إلى تفكيك مسار الحل الليبي وإرجاعه إلى مساراته الثلاثة بإحياء المسارين الاقتصادي والعسكري إلى جانب السياسي وذلك بهدف تخفيف العبء على المسار السياسي ومن ثم انجاحه ذلك أن تفعيل المسارين العسكري والاقتصاديسيدفع بالمؤثرين الخارجيين الحاليين في المسار الانتخابي إلى الانشغال بالبحث عن تموضعات جديدة في مستجدات المسارين، بدلاً من التعويل على التموضع عبر حلفائهم في المسار الانتخابي…

5- البين والجلي بالنسبة للمطلعين على أسرار وحقيقة ما يجري في بلد عمر المختار، أن جهود تمرير خطة “وليامز” تَسير بصمت في خلفيات كواليس الأحداث وهو ما يعني عمليا احياء المسارين العسكري والاقتصادي بخطوات ملموسة وتمثلت في:

  • خطوات تفعيل المسار العسكري:وتمثلت أولى الخطوات فعليا في ثناء “وليامز” نفسهاعلى اللقاء الذي جمع رئيس أركانالجيش التابع للحكومة الفريق “محمد الحداد” بالفريق “عبد الرزاق الناظوري”(القائد المكلف بقيادة قواتحفتر) ومطالبتها لعدد من القادة العسكريين في مصراتة بالبناء على هذه الخطوة من أجل توحيد المؤسسة العسكرية، ويبدو أن انعكاس تنشيط المسار العسكري ظهر أيضاً في الجنوب وتحديداً مدينة سبها، بعدما عاشت توتراً واشتباكات بين قوة عسكرية بالمدينة تتبع وزارة الداخلية بالحكومة وقواتحفتر، حيث تم في الأخير الإعلان عن توصل الطرفين إلى اتفاق يقضي بتسليم الكتيبة 116 التابعة لمديرية أمن سبها آلياتها ومعداتها لقوات “حفتر” وخروج قادتها من المدينة تجنباً لتصعيد عسكري أكبر، وعلى الرغم من أن الإعلان عن الاتفاق في سبها جاء من جانب قيادة حفتر، وأنه تم “بتدخل أعيان وحكماء القبائل بسبها، إلا أن عدم وضوح موقف الحكومة من الاتفاق في سبها يَشي بإمكانية انخراطها فيه بشكل غير معلن ولم يصدر عن الحكومة أي بيان حيال تسليم الكتيبة التابعة لها لمعداتها وأسلحتها التي كانت قبل أيام تستنكر اعتداءها المسلح على بعض العربات التي أرسلتها لمديرية أمن سبها.
  •   خطوات ومحادثات بشأن المسار الاقتصادي، إضافة الى سرعةعودة المحادثات واللقاءات بين محافظي البنك المركزي في طرابلس”الصديق الكبير” وفي البيضاء شرق البلاد”علي الحبري” بشكل مفاجئ بعد تراجعها لعدة أشهر (يمكن العودة لتصريح “الحبري” لوسائل إعلام ليبية منذ أيام عن اجتماعات أجراها مع “الصديق الكبير” بمشاركة وليامز لبحث سير عملية توحيد مصرف ليبيا المركزي، ولاحقا أصدرت مجموعة العمل الاقتصادية الدولية المنبثقة عن المسار الاقتصادي بياناً كشفت فيه عن مشاركة “وليامز” في اجتماع للمجموعة بشأن بحث رؤية المجموعة في المسار الحاصل بشأن توحيد المصرف المركزي)…

6- من المنتظر فعليا أن يعلن قريباً عن المزيد من الخطوات في المسارين العسكري والاقتصادي مقابل جمود واضح في المسار السياسي وخصوصاً في ملف الانتخابات، وهنا وجب الانتباه الى نقطتين مهمتين ولهما دالات كبيرة:

  • صمت الأطراف الخارجية المتنافسة في ملف الانتخابات، وهو ما يعني أن عمل “وليامز” في إعادة تفكيك مسارات الحل وتنشيطها يلقى قبولاً في الخارج.
  • اختفاء شبه كلي لكل تشويش من دول المحورين الإقليميين السابقين (المحور القطري التركي – المحور السعودي/المصري/الاماراتي) على كل الخطوات التي سارت في اتجاهها “وليامز” وهو أمر ترتب فعليا على نتائج القمة التركية الإماراتية الشهر الماضي في انقرة والتي حضر فيها الملف الليبي إضافة الى الملفين الصومالي والسوري دون بقية الملفات الإقليمية….

ويمكن القول هنا أن عمل “وليامز” قد خلق وأوجد مساحات جديدة لإمكانية حصول الأطراف الخارجية على ضمانات لمصالحها، وهي ضمانات لم تكن لتحصل عليها عبر الانتخابات من خلال إعادة ترتيب المشهد، سواء عبر دفع المسار العسكري لتحقيق تقدم أكثر عسكري أو اقتصادي قبل الحسم السياسي من خلال الانتخابات، وهنا لا يمكن تغييب تأكيدات “خالد المشري”حيث أكد بوجود تسويات إقليمية تهدف إلى حل المختنقات الليبية وهو أمر سبق لغسان سلامة ان قاله لأطراف ليبية سنة 2018″لن يكون هناك حل في ليبيا الا اذا اتفقت الاطراف الدولية واتفاقكم انتم كليبيين لا يكفي لوحده”…

7- بالعودة الى موضوع إعادة تفعيل المسارين العسكري والاقتصادي لابد من الانتباه تزامنهما كملفين، ذلك أنه من المهم الوصول إلى نتائج في المسار الاقتصادي بالنسبة لذوي المصلحة من الخارج في ملفين مهمين، وهما “النفط” و”إعادة إعمار البلاد”، وطبعا ذلك يستدعي حصول ضمانات على وجود توازن عسكري ذلك أن الاهتمام الخارجي بالانتخابات ومن ثم إنتاج سلطة جديدة يَهدف أولا وأخيرا إلى الحصول على مكاسب على الصعيد الاقتصادي، وكل ذلك يفسر موضوعيا الترحيب الكبير دوليا والإقبال على المقاربة الاقتصادية للحل في ليبيا التي انتهجها رئيس الحكومة “عبد الحميد الدبيبة” ولكن الخطة ترنحت (أو بالأحرى تعطلت مؤقتا) حتى لا نقول فشلت بسبب عدم قدرته على التعامل مع معسكر “حفتر”الذي ناور ورواغ وها هو يُحاول استقطاب وبناء حلول مع “بشاغا”و”معيتيق” وهذا الأخير شًرك أولا لأنه مرشح رئاسي وثانيا لخليفته الاقتصادية – ذلك أن “بشاغا” وان كان رجل أعمال منذ اكثر من عقدين الا أنه أولا وأخيراأفرب للملفين الأمني والعسكري- (هو أصلا كان عسكري طيار)…

8- الكثير من المتابعين يروا أن “وليامز” تهدف إلى خلط المساراتوليس تفكيكها،وهنا يمكن التأكيد أنه لو وافقت الأطراف على تمديد فترة الانتخابات حتى جوان/يونيو المقبل فهو وقت ضيق لتحقيق خطوات في المسارين العسكري والاقتصادي، وبالتالي فهي تَسير في هذا الاتجاه لإرسال تطمينات للجوار الليبي الإقليمي، وفي الوقت نفسه ستمرر ما تهدف إليه العواصم التي تقف وراءها من خلال الانتخابات، بداعي أن جوان/يونيو آخر أجل في خريطة الطريق، ومع ذلك فان العوائق والصعوبات كثيرة ولا تحصى والتي ستواجه جهود وخطة “وليامز” وعلى رأسها وضوح أنها تمثّل مصالح الغرب وتحديداً واشنطنوعبر وتحت غطاء أممي، والثابت أنها تَعي جيدا انه تنتظرها مفاجآت ليبية اعتاد عليها الجميع وبما هو غير منتظر  لكل المراقبين والمتابعين وهذا حدث في أكثر من مرة منذ 2014 أولا لأن ليبيا ليست بلدا عاديا من حيث المؤثرات وطبيعة المكونات الاجتماعية والسياسية (وهناك مقولة تاريخية تقول أن الجديد دائما يأتي من ليبيا)، وثانيا أن هدف الغرب وواشنطن تحديدا هو تحجيم الوجود الروسي في المنطقة. ولا يخفى على أحد أن “موسكو” لديها أوراقها في ليبيا التي يمكن أن تعرقل بها مثل هذه الخطط، وبالتالي فإن فشل العملية الانتخابية سابقا متوقع تبعاً لفشل أو افشال البعض لخطط “وليامز” السابقة…

9 -معلوم أن الأحداث في الجنوب تقع وسط توافق أغلب الأطراف الليبية مع عواصم غربية على ضرورة إقصاء وإبعاد “سيف الإسلام القذافي”، ومنعه من بناء جبهة عسكرية في الجنوب(يُمثل الجنوب تحديدا حاضنة قبلية كبيرة لسيف ولتياره السياسي والاجتماعي)، والحقيقة أن أحداث سبها والاتفاق فيها جاء بسبب توحد المصالح، على الرغم من الخلافات الكبيرة بين معسكر غرب البلاد ومعسكر حفتر،ولا يمكن تغييب أن الروس تمكنوا من خلق وضع مغاير في الجنوب خلال السنتين الماضيتين من خلال الدفع بـــــــــــــ”سيف الإسلام القذافي” ومفاجأة الجميع به في لحظة كان الداخل والخارج معا لا يمتلكون استراتيجية للتعامل معه ويرفضونه…

10- “وليامز” حاولت وتحاول توظيف تقاربات إقليمية بين بعض الأطراف وستستثمرها لتنفيذ خططها، واضافة الى ذلك يوجد تأثير مباشر ومؤكد بالوقائع في الملف الليبي للتنافس الحاصل في ملفات كبرى يتصادم فيها الغرب مع روسيا، كملف أوكرانيا”. وأعرب عن اعتقاده بفشل مساعي وليامز، ولكن الصراع الخارجي الراهن قد يربك على الأقل مساعي وليامز حتى وإن وافقت الأطراف الليبية على آجال جديدة للانتخابات. فالوقت ما يزال طويلاً لتتغير فيه الكثير من الأحداث الدولية المتسارعة قبل أن نصل إلى يونيو /جوان المقبل.

***

علي عبد اللطيف الافي – كاتب ومحلل سياسي مختص في الشؤون الافريقية

_____________

المغاربي للدراسة والتحاليل

مواد ذات علاقة