المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة يسعيان للتصدي لتهديدات التشكيلات الطرابلسية المنفلتة ومسلحي صلاح بادي

يثير تحرك أرتال كبيرة من العربات المسلحة من مدينة مصراتة إلى العاصمة الليبية منذ 30 ديسمبر/كانون الأول المنصرم، تساؤلات عدة حول خلفيات إرسال هذه القوة الكبيرة، وكأن طرابلس تستعد لمعركة حاسمة عقب تأجيل الانتخابات وتداعياتها.

تحدثت وسائل إعلام محلية وناشطون إعلاميون، عن وصول تعزيزات عسكرية من “قوة مكافحة الإرهاب” بمنطقة تاجوراء شرقي طرابلس، ووحدات عسكرية بينها “لواء الحلبوص” و”كتيبة المحجوب” التي تعد من أشهر كتائب مصراتة عددا وتسليحا.

ويوضح “المركز الإعلامي لمحور قوة مكافحة الإرهاب” أن هذا التعزيزات العسكرية، جاءت “تطبيقا للترتيبات الأمنية الموضوعة، للمساهمة في الحفاظ على أمن العاصمة وسلامة مواطنيها”.

لكن ليست وحدها كتائب مصراتة من تحركت نحو طرابلس، بل أيضا كتائب من الزنتان، بقيادة اللواء أسامة الجويلي، الذي عينه رئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة، مطلع ديسمبر المنصرم، “مديرا لإدارة الاستخبارات العسكرية”.

ومن المرتقب أن ينضم إلى كتائب مصراتة والزنتان كتائب الزاوية، التي يعد خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة (نيابي استشاري)، أبرز عرابيها السياسيين.

وتأتي هذه التحركات العسكرية المثيرة للجدل بعد أيام قليلة من تأجيل الانتخابات الرئاسية التي كانت مقررة في 24 ديسمبر المنصرم، وفي ظل إعلان عدة أطراف بينها نواب في البرلمان رغبتهم في تغيير الحكومة، ومحاصرة مسلحين لمؤسسات رسمية في طرابلس.

وهذا الوضع المحتقن يؤشر لمرحلة صعبة تمر بها طرابلس وليبيا ككل، من شأنها إما الحفاظ على الوضع القائم، أو قلب الطاولة على المجلس الرئاسي والحكومة الحاليين، ومجيء سلطة جديدة.

** إقالة ضابط كبير تفجر الوضع

وصل الاحتقان الأمني ذروته في العاصمة، عقب إقالة المجلس الرئاسي القائد الأعلى للجيش منتصف ديسمبر، اللواء عبد الباسط مروان، قائد المنطقة العسكرية طرابلس، وتعيين اللواء عبد القادر منصور، قائد غرفة عمليات ترهونة (غرب)، خلفا له.

وأقيل مروان، على خلفية التحقيق في الهجوم على مقر “اللواء 444 قتال”، بمعسكر التكبالي جنوبي طرابلس، والذي أسفر عن سقوط قتيل وعدد من الجرحى، بحسب موقع بوابة الوسط.

ففي سبتمبر/أيلول الماضي، هاجمت “قوة دعم الاستقرار” بقيادة عبد الغني الككلي (غنيوة) التابعة للمجلس الرئاسي، مقر “اللواء 444” التابع لرئاسة الأركان، الذي يقوده محمد حمزة، والذي سبق له وأن وجه اتهامات بالفساد للواء مروان.

وبعد إقالة اللواء مروان في 15 ديسمبر، من قيادة منطقة طرابلس العسكرية، نفذت عدة تشكيلات أمنية وعسكرية انتشارا في الأحياء الرئيسية بالعاصمة وسيطرت على مقر المجلس الرئاسي وتمركزت حول محيط مقر رئاسة الحكومة، وحول مقرات رسمية، وأصدر قادتها بيانا أعربوا فيه عن رفضهم “التام” لهذا القرار، بل وهددوا بما لا يحمد عقباه.

واستغل صلاح بادي، قائد لواء الصمود (من مصراتة ولا يتبع المجلس الرئاسي)، احتقان الوضع الأمني في طرابلس، وسيطرت عناصره على بعض المقرات الرسمية، وأعلن رفضه لإجراء الانتخابات.

وقال بادي حينها: “لن تكون هناك انتخابات رئاسية لطالما الرجال موجودون، توافقت مع الرجال على إغلاق كل مؤسسات الدولة في طرابلس”.

وصدر بعدها قرار من المجلس الرئاسي بتأجيل تعيين اللواء عبد القادر منصور، قائدا لمنطقة طرابلس، ما هدأ الأوضاع الأمنية.

غير أن اللواء منصور، أصدر بيانا نفى فيه تلقيه أي خطاب بتأجيل تعيينه قائدا لمنطقة طرابلس، وقال إنه اتصل بالقائد الأعلى للجيش (المجلس الرئاسي) وأن الأخير أبلغه بعدم صحة الخطاب (قرار تأجيل التعيين).

لذلك فإن استدعاء المجلس الرئاسي، وقائد الأركان (محمد الحداد) ومعه رئيس حكومة الوحدة وزير الدفاع، لقوات من مصراتة والزنتان والزاوية، يهدف بالأساس لمواجهة اختلال التوازن مع التشكيلات الأمنية والعسكرية الطرابلسية في العاصمة.

وفي هذا الصدد، نقل موقع “بوابة إفريقيا”، عن مصادر عسكرية إن هذا التحرّك يأتي عقب اجتماعات مكثفة بين قادة مصراتة وطرابلس والزاوية، بالتنسيق مع المجلس الرئاسي ورئاسة الأركان فيما يخص آخر التطورات في العاصمة.

وأوضح المصدر أن دخول الوحدات العسكرية من مصراتة إلى طرابلس، يهدف “لوضع حد للتجاوزات التي تطال الرئاسي، من استفزازات من خلال محاصرة مقرات الحكومة ووزارة الدفاع، وأيضا المقر الرئيسي للمجلس الرئاسي وعدم تكرارها”.

لكن احتشاد عدد كبير من القوات في طرابلس قد يزيد من الاحتقان بين مختلف التشكيلات المسلحة، وقد يؤدي إلى مواجهات على غرار تلك التي وقت في 2017، بين قوات حكومتي الوفاق والإنقاذ في طرابلس.

** تحدي محاولات إقالة الحكومة

لا يسعى المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة لفرض سلطتهما على طرابلس فقط في مواجهة التشكيلات المسلحة المنفلتة، بل أيضا إلى تحدي أي قرار لمجلس النواب بتغيير حكومة الدبيبة.

حيث أوصت لجنة برلمانية بتشكيل حكومة جديدة، الأمر الذي لم يلق ترحيبا من المجتمع الدولي، وواجه رفضا من الدبيبة الذي أكد أنه لن يسلم السلطة إلا لحكومة منتخبة، وأحرج مجلس النواب عندما دعا إلى إقرار دستور حقيقي.

في حين أن أحد أبرز إخفاقات مجلس النواب، عجزه عن تقديم مشروع الدستور للاستفتاء الشعبي رغم أنه جاهز منذ عام 2017.

لكن ليس مجلس النواب وحده من يريد تغيير الحكومة، بل إن وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا، المتحالف مع عدو الأمس اللواء المتقاعد خليفة حفتر، يسعيان أيضا للإطاحة بحكومة الدبيبة.

وإن كان مجلس النواب يعتبر أن لديه سلطة تغيير الحكومة ما دام هو من منحها الثقة، فإن باشاغا وحفتر، يملكان قوات على الأرض، وقد يتحالفان عسكريا للإطاحة بحكومة الوحدة وداعميها.

وفي مواجهة هذا السيناريو، استعان الدبيبة بتحالف كتائب مصراتة والزاوية والزنتان، الذي تصدى لهجوم مليشيات حفتر على طرابلس في 2019، لمواجهة أي تحرك عسكري جديد لحفتر بدعم من باشاغا.

وفي هذا الصدد، يقول المحلل السياسي عادل عبد الكافي، في تغريدة: “مجموعة مباحثات بقيادات فبراير العسكرية، في حالة من الغليان لما آل إليه الوضع، تجتمع للاتفاق على توحيد قرار سيقلب الموازين لتصحيح الوضع المزري للبلاد”.

فالأمر لا يتعلق بضبط الأمر في طرابلس في مواجهات التشكيلات المسلحة المنفلتة، بل أيضا للتصدي لمخططات حفتر الذي استطاع استقطاب شخصية وازنة في المنطقة الغربية بحجم باشاغا.

لكن انضمام لواء الحلبوص وكتيبة المحجوب، المقربة من باشاغا، إلى كتائب مصراتة التي احتشدت في طرابلس، يعني أن الأخير خسر نفوذه على هذه الكتائب، التي انحازت إلى الدبيبة.

مختار الحجاوي، قائد شعبة الاحتياط بقوات مكافحة الإرهاب (مصراتة) قال بتغريدة في 26 ديسمبر قبل أربعة أيام من إرسال قواته إلى طرابلس: “نحن مع وحدة الصف ووحدة الكلمة.. لا للمجرمين، والمنبطحين، والقتلة”، وهذه رسالة موجهة إلى حفتر وباشاغا وسيف الإسلام القذافي.

فالمرحلة المقبلة، قد تشهد مزيدا من الانقسام إذا أصرّ مجلس النواب على تغيير الحكومة وتمسك الدبيبة بالاستفتاء على الدستور وقوانين الانتخابات “العادلة”، وقد يلجأ الطرفان إلى الخيار العسكري مجددا لحسم صراعاتهما.

____________

مواد ذات علاقة