لا يزال المشهد السياسي في ليبيا يترنح، دون أفق لإجراء انتخابات تنهي صراعا مسلحا واستقطابا يزيد من غموض مستقبل بلد يعاني مواطنوه توترات بين مختلف الأطياف والمعسكرات.

وبعد أن كانت الانتخابات الرئاسية مقررة في 24 ديسمبر/كانون الأول 2021، جرى تأجيلها “في آخر لحظة” قبل هذا الموعد بيومين، بسبب خلافات بين مؤسسات رسمية.

عنوان هذه الخلافات “قانون الانتخابات، ودور القضاء في الاستحقاق”، ما دفع “المفوضية العليا للانتخابات” إلى الإعلان عن 24 يناير/كانون الثاني 2022 موعدا جديدا لها.

لكن الموعد الجديد يثير شكوك المواطنين في جديته، معتبرين إياه “سلبا لإرادة الليبيين” في حقهم الانتخابي، وطموحهم في إنهاء أزمة لامست عقدا من الزمن.

وأمام ضيق الوقت وغياب قرار حاسم، وفي ظل لقاءات ماراثونية داخل ليبيا وخارجها، لإعادة ترتيب الأوراق بين الأطراف السياسية، يتكرر سؤال وحيد “مزعج”، هل ستجرى الانتخابات في الموعد الجديد؟

نعم للانتخابات

في 31 ديسمبر، شهد “ميدان الجزائر” بالعاصمة الليبية طرابلس، وقفة احتجاجية لمئات المواطنين يطالبون بإجراء الانتخابات في الموعد الذي اقترحته المفوضية العليا في 24 يناير وعدم تأجيلها.

ورفع المحتجون لافتات كتب عليها “لا خارطة طريق سوى الانتخابات” و”نعم للانتخابات 24-1-2022″ و”لا لمصادرة حق الشعب”.

وأمام هذا الإلحاح من أطياف شعبية، تطالب المستشارة الأممية الخاصة لدى ليبيا ستيفاني وليامز، بتوفير ظروف ملائمة للحفاظ على تقدم العملية الانتخابية في البلاد، عقب تعذر إجرائها في موعدها الأول.

وقالت وليامز في تغريدة عبر تويتر في 30 ديسمبر: “أكرر التزام الأمم المتحدة الراسخ بدعم السلطات الوطنية المعنية بالاستجابة للتطلعات المشروعة والقائمة لـ2.8 مليون ناخبة وناخب في أرجاء ليبيا”.

‏وشددت المستشارة الأممية على “أهمية توفير وضمان الظروف الملائمة للحفاظ على تقدم العملية الانتخابية على أسس متينة ومن منطلق تكافؤ الفرص بحيث لا يتمتع أي مرشح دون غيره بمزايا غير عادلة”، دون مزيد من التفاصيل.

من جانبه، تحدث المحلل السياسي، محمود إسماعيل الرميلي، عن مجموعة من الاختلالات التي ساهمت في تأجيل الانتخابات، ومنها قوانين أصدرها البرلمان.

إضافة إلى تقديم الانتخابات الرئاسية على البرلمانية، وعدم وجود قاعدة دستورية ننظم السلطات، وعدم القدرة على تأمينها، مع السماح للمطلوبين للعدالة بدخول السباق.

وأشار الرميلي لـ”الاستقلال” إلى أنه “بالإمكان القول إن المستشارة الأممية الخاصة لدى ليبيا، ربما تساهم في وضع برنامج أكتر قربا للتنفيذ بحكم موقعها”.

وعن السيناريوهات المتوقعة، يرى الرميلي “إمكانية إجراء انتخابات برلمانية أو متزامنة بعد مدة، أو الاستفتاء على مشروع الدستور”.

وشدد على أنه “من أجل إجراء الانتخابات، لا بد من تعديل القوانين وإبعاد المرشحين سيف الإسلام القذافي (ابن العقيد معمر رئيس النظام السابق) وخليفة حفتر (اللواء المتقاعد)”.

تحديات قانونية

وفي الثاني من يناير 2022، قالت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات بليبيا، في بيان إن “التحديات القانونية والموضوعية هي التي حالت دون إنجاز الاستحقاق في حينه”.

وعقب اجتماع عقده رئيس المفوضية عماد السايح مع مستشار الأمن القومي إبراهيم بوشناف، بديوان مجلس المفوضية بطرابلس، اتفق الطرفان على أن “جملة التحديات القانونية والموضوعية هي التي حالت دون إنجاز الاستحقاق الانتخابي في حينه”.

ودعا الطرفان الجميع إلى “التحلي بروح المسؤولية للانتقال بليبيا إلى مرحلة الاستقرار عبر هذه الانتخابات”.

وناقش اللقاء “جملة من الأمور القانونية والموضوعية المتعلقة بسير العملية الانتخابية وأبرز الصعوبات التي تواجهها، إضافة إلى ضمان قبول نتائجها من الأطراف كافة”، وفق البيان.

وواجهت العملية الانتخابية في ليبيا تحديات قانونية، منها ترشح شخصيات جدلية للرئاسة، على رأسهم حفتر وسيف الإسلام القذافي، إضافة إلى قانون الانتخابات نفسه الذي دار جدل حول مدى قانونيته.

وخلال إحاطة السايح أمام مجلس النواب في مدينة طبرق (شرق)، أعلن في 3 يناير، تلقيهم تهديدات في حال نشر القوائم النهائية بوجود مرشحين معينين.

وأشار إلى تسلم المفوضية “قوانين (لتنظيم إجراء الانتخابات) تختلف كليا عما جرى مناقشته والاتفاق عليه”.

وأضاف: “عند استلامنا لهذه القوانين، وجدنا الكثير من الصعوبات والمواد التي يجب أن يضطلع مجلس النواب لتعديلها حتى تستطيع المفوضية تنفيذ هذين القانونين (قانون انتخاب الرئيس وقانون الانتخابات البرلمانية)”.

وأردف: “اقترحنا أن يكون 24 يناير يوما آخر للاقتراع في حال زوال الظروف القاهرة والقوة القاهرة”، موضحا أنه “يمكن تجاوز القوة القاهرة من خلال اتخاذ إجراءات تشريعية وتعديل بعض القوانين، وصياغة قوانين داعمة للقانون الحالي”.

وتابع السايح: “اكتشفنا حالات تزوير في الشهادات العلمية للمترشحين والتزكيات والحالات الجنائية”.

وفي حديث لـ”الاستقلال”، قال المحلل السياسي الليبي صلاح البكوش، إن “الحديث عن الانتخابات يجب أن يكون دقيقا، هناك نيابية ورئاسية، أما النيابية فيقف في طريقها رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس مجلس الدولة، خالد المشري”.

وأشار إلى أن “قانون الانتخابات يجب أن يكون بالتوافق بين المجلسين، وهذا يعني أنك تطلب منهم أن يخرجوا أنفسهم من اللعبة ويتنازلوا عن مقاعدهم، ومثلما يقول الأميركان، الديك الرومي لا يصوت على الكريسماس، لأنه يذبح فيه”.

استحقاقات مستحيلة

وقال البكوش: “نحن على بعد نحو 20 يوما وليست لدينا قائمة مرشحين من قبل المفوضية، وأغلقت جميع المراكز الانتخابية مع تسريح موظفيها”.

وتابع: “نحن في سنة جديدة ويجب فتح سجل الناخبين لتسجيل الذين بلغوا السن القانوني، فكيف يمكن فعل ذلك في 3 أسابيع، مع السماح للمرشحين بتنفيذ حملات تعريفية؟”

وتساءل “كيف تطلب من الناخب الليبي أن يتعرف على البرامج الانتخابية لـ98 مرشحا خلال 20 يوما”، مضيفا “الإجابة واضحة، الاستحقاقات مستحيلة، حتى من سابع المستحيلات أن نشهد ذلك في التاريخ المذكور”.

وأضاف “هم الآن (أعضاء مجلسي البرلمان والأعلى) في المغرب يطبخون طبخة لتأجيل الانتخابات، ويتحدثون عن المناصب السيادية وكيفية توزيعها، وإعطاء الشعب عظمة للإلهاء لفترة، بالقول سنقدم لكم الدستور مع أن مسودته جاهزة منذ 2017، ولم يفعلوا شيئا، والآن يقولون لليبيين سنعدل مسودة الدستور ونعرضها للاستفتاء وما إلى ذلك”.

وتابع: “عمليا، أولا، يجب على مجلس النواب أن يصدر قرارا باعتماد 24 يناير كموعد للانتخابات، لكن متى؟

 وثانيا، على السايح أن يتعامل مع قضية الطعون لأن هناك حكما من محكمة استئناف -وهي محكمة عليا- بأنه ليس رئيسا للمفوضية، وأن مجلس إدارة المفوضية باطل، فكيف سيتعامل مع ذلك قبل 24 يناير؟”، يتساءل البكوش.

وواصل: “متى سيقرر السايح وينفذ الأحكام القضائية والطعون فيما قال إن تزكيات عدة مرشحين مزورة؟ متى سيقرر إعادة موظفي المراكز الانتخابية إلى أعمالهم لفتح الأبواب وضبط الصناديق وما إلى ذلك، وهناك أكثر من 500 مركز انتخابي، ومتى سينشر القوائم النهائية؟”.

وتابع: “ومتى ستبدأ الحملات الانتخابية، و23 يناير هو يوم صمت انتخابي، فماذا تبقى للمرشحين حتى ينفذوا دعاية انتخابية في بلد مساحته مليون و700 ألف كم، تقريبا ثالث أكبر بلد مساحة في إفريقيا، ناهيك عن انعدام الظروف اللوجيستية والوضع الأمني سيئ جدا”.

وقال البكوش: “أي مرشح سيذهب إلى معقل حفتر في بنغازي ويجري جولة انتخابية، من سيسمح له بذلك؟”

وزاد بالقول: “رأينا أن حفتر استخدم قواته لإقفال محكمة الاستئناف في مدينة سبها في وجه مرشح آخر وهو سيف القذافي، ومنع رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة، وهو مرشح للرئاسة من دخول بنغازي، ثاني أكبر مدينة في ليبيا”.

واستطرد: “إذا كان أحد يعتقد بأن في هذه الظروف والإكراهات يمكن عقد الانتخابات في 3 أسابيع، فيفترض أن نعيّنه رئيس العالم حتى يحل هذه الفزورة”.

من جانبه، قال عضو البرلمان، عصام الجهاني، إن “العديد من السيناريوهات محل نقاش في الوقت الراهن بشأن الفترة المقبلة في ليبيا”.

وأضاف الجهاني وفق ما نقلت وكالة “سبوتنيك” الروسية أن “الموعد الذي حددته مفوضية الانتخابات بشأن إجرائها في 24 يناير، غير مناسب”.

وأكد عدم إجراء انتخابات رئاسية أو برلمانية في الموعد المذكور، خاصة في ظل وجود نفس الأسباب التي حالت دون ذلك في الموعد الأول.

وأوضح أن من بين السيناريوهات التي يجرى النقاش حولها في الوقت الراهن، “إرجاء الانتخابات نحو عام أو أكثر، حسب خريطة الطريق الجديدة التي تتوافق عليها الأطراف الليبية في الوقت الراهن”.

وفي الوقت الذي يترقب الشارع الموعد الأقرب للانتخابات، تحدث البرلماني الليبي عن احتمال تقديم الاستفتاء بشأن مشروع الدستور على هذا الاستحقاق.

وهو الأمر الذي رفضه البرلمان ذاته في وقت سابق من خلال إقراره إجراء الانتخابات، في حين كانت بعض الأطراف تطالب بالاستفتاء.

_______________

 

مواد ذات علاقة