أحمد يحيى

في سرية تامة، حطت طائرة اللواء الانقلابي الليبي خليفة حفتر في مطار “بن غوريون” بتل أبيب، منتصف يناير/كانون الثاني 2022، إلا أن صحفا عبرية كشفت عن “الزيارة الخفية”.

وخلفت الزيارة وما سبقها من اتصالات مستمرة، أسئلة مختلفة عن الأسباب والأهداف، وما الذي يترتب عليها، وماذا تريد إسرائيل من ليبيا، وكيف كان دورها في “صراع الأطياف الليبية” منذ بدايته؟.

ومع استمرار الخلافات في ليبيا، تتفاقم حدة الأزمة مع تصاعد المخاوف من أن يصبح التقسيم الحالي للبلاد “أمرا واقعا” تفرضه القوى الإقليمية التي تسعى للسيطرة على الأرض وداعميها من الخارج، وفي مقدمتهم إسرائيل ووكلاؤها.

زيارة مريبة

في 15 يناير/كانون الثاني 2022، كشف المراسل العسكري لقناة “كان” العبرية الرسمية، إيتاي بلومنتال، في تغريدة عبر حسابه على “تويتر:، أن طائرة حفتر الخاصة (بي فور-آر إم إيه) حطت في مطار بن غوريون، عقب توقف دبلوماسي في قبرص”، مع إرفاقه صورتين لشركة “فلايت رادار” المتخصصة في متابعة حركة الطيران العالمية.

وقال المراسل إن متابعين لحركة الطيران الدولية رصدوا الطائرة الخاصة باللواء المتقاعد حفتر، فيما أكدت وسائل إعلام عبرية أنها المرة الثانية التي تحط فيها طائرة حفتر في المطار خلال أقل من 3 أشهر.

ويذكر أنه في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، هبطت طائرة حفتر في المطار نفسه، وكان على متنها نجله صدام، وكان الهدف من الزيارة وفق صحيفة “هآرتس” العبرية “السعي إلى إقامة علاقات دبلوماسية من أجل الحصول على مساعدة عسكرية إسرائيلية مباشرة في الصراع الدائر”.

وفي 9 نوفمبر 2021، قال مركز “الدراسات والبحوث حول العالم العربي ودول المتوسط” (مقره جنيف)، أن “هناك شراكة استشارية قائمة بين حفتر وسيف الإسلام القذافي (نجل معمر القذافي) من جهة، وبين شركات عامة إسرائيلية بشأن الانتخابات الرئاسية وإدارة البلاد، من من جهة أخرى”. 

وأورد المركز في تقريره أن “زيارة نجل حفتر إلى إسرائيل لا يمكن تنظيمها بدون إيعاز من حفتر وداعمين في المنطقة العربية، وخاصة دول الخليج (الإمارات والبحرين) التي طبعت (عام 2020) علاقاتها مع إسرائيل التي سعت منذ فترة لكسب المزيد من الدول في مسار التطبيع”.

ولم تنفصل إسرائيل عن “الوضع الشائك” في ليبيا منذ سنوات، وهو ما أكدته صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية في 27 يوليو/تموز 2020، عندما قالت إن “ضباطا إسرائيليين تولوا تدريب مليشيات حفتر على حرب الشوارع في الأراضي الواقعة تحت سيطرتها خلال أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول 2019”.

وكشفت أن “الإمارات زودت مليشيات حفتر بأنظمة دفاع صاروخية إسرائيلية لمواجهة الطائرات المسيرة التي يستخدمها الجيش الليبي التابع للحكومة الشرعية”.

ومن أخطر ما ورد في تقرير الصحيفة العبرية واسعة الانتشار أن “حفتر التقى ما بين 2017 و2019، بمبعوثي جهاز المخابرات الخارجية الإسرائيلي (الموساد) في العديد من المناسبات بالعاصمة المصرية القاهرة، حيث أمدوا مليشياته وساعدوه في شراء تجهيزات الرؤية الليلية وبنادق القنص”.

تلك الإستراتيجية الإسرائيلية في ليبيا وتفاعلاتها مع الحرب هناك تحدث عنها الإعلامي الإسرائيلي يوسي ميلمان، من خلال مقال نشره في صحيفة “ميدل إيست آي” البريطانية، عن “تدريب مبعوثي الموساد، لبعض ضباط حفتر الأساسيين على التكتيكات الحربية، وجمع وتحليل المعلومات الاستخباراتية، في معسكرات ومراكز داخل مصر.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2019، أظهرت وثيقة سرية صادرة عن سفارة واشنطن لدى لندن نشرها موقع “أفريكان كونديفانشل” أن “أميركا وإسرائيل قامتا بتدريب قوات (الكونتراس) الليبي بقيادة حفتر، في قواعد تابعة لها في تشاد والكاميرون ومناطق أخرى، وأن التمويل يأتي من السعودية عبر بنك عربي في الغابون”.

وكانت صحيفة “موند أفريك” الفرنسية، ذكرت في تقرير لها نشرته في 2 يوليو/تموز 2020، عن لجوء حفتر إلى إسرائيل عام 2015، بعد محادثات مع عناصر “الموساد” في الأردن.

وكشفت أن “القوات الجوية الإسرائيلية ساعدت حفتر في قصف مدينة سرت (عام 2019)”.

أهداف إسرائيلية 

من واقع التعاطي السياسي والإعلامي العبري مع المسألة الليبية، يبدو أن لإسرائيل “إستراتيجية متطورة ورؤية خاصة” للتعامل مع الدولة المأزومة في الشمال الإفريقي.

ففي 25 يونيو/حزيران 2020، أعلن موقع “ديبكا” العبري، عن عقد مجموعة من أعضاء الكنيست مؤتمرا مع شخصيات سياسية مقربة من حفتر، في جزيرة رودس اليونانية عام 2017، تحت عنوان “المصالحة بين إسرائيل وليبيا”.

وبرر رئيس اتحاد يهود ليبيا في إسرائيل، رفائيل لوزون، مشاركته في المؤتمر بأن “جميع الفصائل في ليبيا تريد بناء علاقات مع إسرائيل”.

كما كشف وزير الإعلام الإسرائيلي السابق، أيوب قرا، عن “اتصالات مستمرة لقيادات يهودية وإسرائيلية مع جهات ليبية مسؤولة، من أجل إيجاد سبل ترقية العلاقات، واستغلال الفرصة السانحة”. 

وفي 20 مايو/أيار 2020، قال الناشط الليبي، يحيى صوربيلو، لموقع “الإيطالي نيوز”، إن “الدعم الإسرائيلي ليس مجانيا، ومساعدة قوات حفتر على غزو العاصمة الليبية والإطاحة بالحكومة يخفي أهدافا قد تترجم في المستقبل، في حالة بلوغها”. 

وأضاف: “لقد كسبت إسرائيل مليارات الدولارات من بيع الأسلحة واستئجار مستشارين عسكريين إسرائيليين لعدة دول متضررة من الحروب في إفريقيا، وأن موارد ليبيا الطبيعية هي أيضا عامل في البحث المستمر عن الحلفاء الأغنياء بالنفط لبيعه، وقد تتوقع إسرائيل تأمين الوصول إلى النفط الليبي بعد دعم حفتر في الحرب الدائرة بالبلاد”. 

من جانبه، قال الصحفي الليبي عمر الحاسي، إن “إسرائيل طرف فاعل في الصراع الليبي، لا أقول منذ اللحظات الأولى لانقلاب حفتر، حيث دعمته لوجستيا وعسكريا، ولكن بعد سقوط نظام معمر القذافي مباشرة (عام 2011)، بدأت الخطط الإسرائيلية لاحتواء ليبيا وإدخالها في معسكر الثورات المضادة، كما حدث في اليمن ومصر، ويحدث الآن في تونس”. 

وأوضح الحاسي لـ”الاستقلال” أنه “في الفترة الأخيرة من حكم القذافي، ورغم أنه كان يجاهر بالعداء لإسرائيل، ودعم المنظمات الفلسطينية خلال السبعينيات والثمانينيات، رأى أن يبدأ في إقامة علاقات مع دولة الاحتلال، وخص بذلك ولده سيف الإسلام الذي كان يؤهله لحكم ليبيا”.

وأشار إلى أن “سيف الإسلام ذهب إلى تل أبيب، وأدار الملف في سرية كاملة حتى افتضح أمره بعد سقوط حكم والده (1969-2011)”. 

واعتبر الحاسي أن “ليبيا الآن نقطة صراع إستراتيجية في منطقة المتوسط، وأكاد أقول أنه توجد حرب عالمية مصغرة في ليبيا بين معسكرات مختلفة، وما كانت التدخلات المصرية الإماراتية ودعمهم لحفتر في حربه الطويلة، إلا وكالة لقوى مثل فرنسا وإسرائيل وروسيا”.

وأرجع الصحفي الليبي زيارة حفتر الأخيرة إلى إسرائيل “في إطار الاستعداد للمرحلة القادمة في ظل التجاذبات الداخلية، حيث يخطط لمحاولة الانقضاض مجددا على السلطة، وأن يؤمن نفسه أكثر للحصول على ضوء إسرائيلي أخضر للمضي قدما في مخططه (للانقلاب على الشرعية) الذي بدأ منذ حكومة فائز السراج (خاصة في يونيو/حزيران 2019)”.

وختم الحاسي حديثه بالقول إن “نجاح هذا المخطط يعني العودة إلى مربع الصفر، وأن يشاهد الشعب الليبي حربا أهلية أخرى، تعود معها معارك المدن ومشاهد الدمار والخراب”.

_______________

مواد ذات علاقة