رباب حدادة و صبرين عجرودي

بعد سقوط نظام القذافي في ثورة 17 فبراير 2011، بدعم المعارضين من قوات حلف الناتو، تعثر مسار العودة إلى الاستقرار في ليبيا، وغابت الرؤية الواضحة للدولة وتم إغراق البلاد في حالة من الفوضى أججتها التدخلات الأجنبية وقواتها من جيوش نظامية ومرتزقة.

شهدت ليبيا سنوات من الحرب الأهلية، تم خلالها إرساء حكومات مختلفة من أجل إيقاف نزيف الحرب والصراع الذي استأنف وبحدة في 2019 من خلال تصادم القوات الموالية لحكومة الوفاق برئاسة فايز السراج، وقوات الكرامة بقيادة خليفة حفتر.

تدخلت القوى الأجنبية من أجل دعم كل طرف حيث قامت تركيا بالتدخل لفائدة المنطقة الغربية، في حين دعمت حفتر كل من روسيا والإمارات ومصر، وتواصل النزاع بين مختلف الأطراف المقاتلة إلى أن هزم حفتر ولم يستطع الدخول إلى طرابلس فاتحا، وفي اكتوبر 2020 تم الاتفاق على وقف اطلاق النار.

وفي إطار منتدى الحوار الليبي تم الاتفاق على إرساء حكومة وحدة وطنية من أجل قيادة مرحلة انتقالية والإعداد لانتخابات في 24 ديسمبر 2021 وتم على إثر هذا الاتفاق قام المنتدى بانتخاب عبدالحميد الدبيبة رئيسا للوزارة وأعضاء المجلس الرئاسي بقيادة محمد المنفي.

 بالتوازي مع العمل السياسي للسلط المذكورة تشكلت لجنة عسكرية مشتركة (5+5) من أجل حماية اتفاق وقف إطلاق النار وحل الأزمات الأمنية في كامل الأقليم الليبي خاصة إخراج المرتزقة وتفكيك الميليشيات وجمع السلاح.

تبنت اللجنة العسكرية (5+5) خطة عمل شاملة من أجل إخراج متزامن للقوات الأجنبية والمرتزقة خلال اجتماعها في جينيف في 8 اكتوبر 2021 ومنذ ذلك التاريخ واللجنة تعقد لقاءات مع رؤساء القوى الأجنبية المتدخلة في ليبيا وقادة المجموعات المسلحة في الداخل من أجل تنفيذ هذه الخطة ولكن الفشل كان حليف كل التحركات فلم تفلح هذه اللجنة في مهامها وبقية تتقاذفها العواصم الإقليمية والدولية.

في شهر يوليو 2021، علق رئيس البعثة الأممية يان كوبيش قائلا أن “الحالة الليبية تزداد صعوبة وتصادما وتوترا على المستوى المؤسساتي والسياسي وتقف المصالح الفردية في طريق الاتفاق على الإطار القانوني اللازم لاجراء الانتخابات في 24 ديسمبر، على النحو المتفق عليه في خارطة الطريق لمنتدى الحوار الليبي التي أقرها مجلس الأمن.

“إن استمرار وجود القوات الأجنبية والمرتزقة والمقاتلين الأجانب يهدد أيضا اللجنة العسكرية المشتركة وتنفيذ الاتفاق إذا ظلت العملية السياسية متوقفة … الوقت ينفذ” حسب تصريح للمبعوث الأممي الذي استقال قبل شهر واحد من الموعد المرسوم للانتخابات وكانت تلك رسالة واضحة أنذرت بتأجيل مسبق لها.

ظل الملف الأمني حجر العثرة في مسار انتقال سياسي تعقد أكثر بالخلافات الداخلية فيما يتعلق بالقوانين الانتخابية ما أدى إلى تأجيل انتخابات 24 ديسمبر 2021.

الأزمة في ليبيا هي أيضا صراع أجندات ومصالح للقوى الإقليمية والدولية، إذ تمثل ليبيا دولة ذات أهمية استراتيجية في أجندات تلك الأطراف وخططها.

ووظف كل طرف بيادقه من ميليشيات ومرتزقة وشركات حرب خاصة وحتى قوات نظامية في إطار اتفاقيات عسكرية، الامر الذي جعل الخبراء يصفون الحرب في ليبيا كأكثر حرب خاصة عرفها التاريخ الحديث.

إذ مثلث الأراضي الليبية ساحة لصراع شركات الحرب الخاص وبلغ عدد المرتزقة فيها حسب الأمم المتحدة 20 ألف مقاتل.

بعد أكثر من عقد من اندلاع شرارة الأزمة تطرح أسئلة عديدة: لماذا لم تنجح كل الخطط الأممية في الوصول إلى انتخابات؟ ولماذا ترفض القوى مغادرة الأراضي الليبية؟ ولماذا تعلم على ضرب الاستقرار الوطني في ظل خطابات دبلوماسية تدعو إلى الأمن والسلم؟

أولا: البعد الجيوسياسي في الصراع الليبي

تعتبر الجغرافيا السياسية أمرا ضروريا للغاية في فهم الأهمية والوزن التي تحظى بها بلاد ما بالنسبة لعناصر الصراع، والمقصود بذلك هو الخصائص والسمات وكل المعطيات الطبيعية والبشرية التي من شانها تخلق من دولة أو من إقليم أو من قارة مجالا له امتيازات خاصة، وتمثل الأهمية الجغراسياسية عنصرا مساهما بقدر واسع في خلق الصراعات بين الدول وتوظيف الوكلاء وكل العناصر المستفيدة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ذلك ما يندرج في ليبيا على وجه الخصوص، إذ تعتبر أهميتها الجغراسياسية أمرا له علاقة مباشرة بعدم استقرارها إلى غاية اليوم.

تحتل ليبيا موقعا استراتيجيا، فهي تقع في قلب البحر الأبيض المتوسط والكتلة المغاربية. كما تفتح على افريقيا جنوب الصحراء، ذلك إلى جانب ثرواتها الكبيرة من النفط والغاز ما جعل منها مجالا هاما بالنسبة للقوى الاقليمية والدولية.

تقع ليبيا في شمال القارة الافريقية، يحدها من الغرب تونس والجزائر، وشرقا مصر والسودان، أما شمالا فالبحر المتوسط وتحديدا وسط جنوبه حيث تمتد حدودها البحرية إلى مايقارب 2000 كيلومتر، وجنوبا التشاد والنيجر.

تعتبر ليبيا من أكثر الدول في شمال افريقيا التي تمتلك حدودا بهذا الطول على البحر المتوسط ويمنحها ذلك حدودا هامة مع أوروبا، وذلك ما يدفع الأخيرة للتركيز على الجزء الجنوبي مع ليبيا والتركيز على كل الأحداث التي تجري على طول هذه الحدود البحرية المشتركة.

كما تشترك ليبيا مع دول الجوار في الصحراء الكبرى، ولكنها تتميز عنها في البنية والبيئة الطبيعية والبشرية، وتبلغ مساحتها 1.8 مليون كيلومتر مربع، وهي رابع أكبر دولة مساحة في أفريقيا، والمرتبة 17 في العالم.

يقول الدكتور جمال حمدان المتخصص في الجغرافية السياسية: “العالم مضطر إلى أن يفرد ليبيا كوحدة جغرافية متميزة، فقد تكون هذه الوحدة ضئيلة الحجم والثقل كثيرا أو قليلا ولقد تختفي تماما او حتى تتمزق وتُتَقاسم أحيانا ولكنها تعود دائما إلى الظهور وتفرض نفسها حتى على المستعمر الخارجي كما على أبنائها أنفسهم في الداخل”.

يعتبر النفط من أشد العوامل التي تثبت مدى أهمية ليبيا بالنسبة للدول المتصارعة، فهو يشكل 94% من جملة مواردها، وانطلق انتاجه بصفة رسمية في عام 1961، وقد ناهز مستوى انتاجه في الثمانينات 3 ملايين برميل يوميا، وتتصدر ليبيا المرتبة الثامنة دوليا باحتياط ناهز 46.4 مليار برميل والذي يمثل 4.4% من الاحتياطي الدولي، كما تحتل المرتبة 19 عالميا باحتياطاتها النفطية.

تعتبر الدول الأوروبية من أكثر المناطق المنتفعة من بترول ليبيا، حيث تمثل صادرات هذه المادة نسبة 79% من جملة صادرات النفط، ويعود ذلك لموقع ليبيا المنفتح على البلدان الأوروبية. إلى جانب هذه الثروة الهائلة من النفط، فإنها تعتبر مرتفعة الجودة بفضل احتوائها على قدر قليل من الكربون ما يساعد على إعادة التكرير.

تسببت الأزمة في ليبيا في العشرية الأخيرة، في انخفاض مستوى انتاج النفط إلى أعداد غير مسبوقة، فمنذ الحرب انخفض مستوى الانتاج ليصل 1.2 مليون برميل يوميا، واليوم وبعد إغلاق حقول النفط المتمثلة في حقول الشرارة والفيل والوفاء والحمادة، أعلنت مؤسسة النفط الليبية رسميا في بيان صدر لها في 20 ديسمبر من العام الفارط انخفاض الانتاج بأكثر من 300 ألف برميل.

وفي هذا السياق صرّح حمدان، أن ليبيا تعتبر من بين البلدان الفريدة والاستثنائية في مجال البترول، فهي تشكل قاعدة أساسية في علاقاتها الجيوسياسية، على عكس الكثير من البلدان الأخرى التي على الرغم من احتياطاتها الكبيرة إلا أنها لا تعد نقطة قوة ثابتة في سياساتها الخارجية، أن بالرغم من الأزمة العميقة التي تواجهها ليبيا إلا أن النفط لا يمكن أن يكون في المستقبل من المواد الشحيحة في البلاد.

في هذا السياق، يحتد الصراع بشدة حول مسألة تصدير الطاقة إلى البلدان الأوروبية بين دول المتوسط، فمثلا فيما يتعلق بمسألة تصدير الغاز، تتنافس الدول ذات الحدود على البحر المتوسط فيما بينها بشأن انتاج الغاز لتصديره إلى أوروبا التي تعاني من ضعف كبير في هذه المادة وفي نفس الوقت تطالب به من بلدان المتوسط لضعف تكلفته، خاصة وإنها تعتمد على روسيا في الحصول على الغاز الذي يتطلب وصوله المرور بخطوط طويلة ما يساهم في ارتفاع كبير لتكلفته، ونظرا في أن ليبيا تعد عنصرا جهويا هاما بالنسبة لأوروبا نتيجة حدودها الاطول على البحر التوسط فإنها حتما ستشكل العنصر الذي سيحقق لها أكثر استفادة مقارنة بأي بلد قد يصدّر الغاز لها، وذلك يثير أسباب الصراع والتنافس.

تعتبر أيضا مسألة الحدود الجنوبية مهمة بالنسبة لأوروبا، نظرا في أن أي دولة قد تكون لها نوايا في الضغط عليها فإن حدودها الجنوبية ستكون الهدف الأبرز في خططها. هذا ما تتهم به روسيا تحديدا، حيث تسعى الأخيرة إلى التضييق على أوروبا من جنوب المتوسط عن طريق بناء قاعدة عسكرية في ليبيا، وهي استراتيجية قامت بها سابقا من شرق المتوسط في سوريا من خلال القاعدة البحرية في طرطوس ـ سوريا.

بالنسبة للحدود الجنوبية الليبية فهي في تقاطع مع الصحراء الكبرى إين يحتد الصراع بين القوى الكبرى والجماعات المسلحة والارهابية، سواء لبسط النفوذ أن لحماية المصالح من تهديدات الارهاب في منطقة الصحراء والساحل الغربي لإفريقيا.

تركّز فرنسا اهتماما كبيرا على العديد من الدول التي تقع على الحدود الجنوبية لليبيا، باعتبار أنها كانت من ضمن مستعمراتها القديمة ولازالت تربطها بها علاقات اقتصادية كبيرة. لذلك فقد أطلقت عملية برخان في بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر وقد انتهجت الولايات المتحدة الامريكية نفس استراتيجية الصين من خلال قوات الأفريكوم.

أما فيما يتعلق بالحدود الشرقية هناك تداخل بين إقليم برقة الواقع في شرق ليبيا وقبائل عرب الاسكندرية الممتدة إلى غاية الحدود، إذ جاء الاسلام والتعريب من مصر إلى ليبيا، كما تأثر الغرب المصري باللجهة الليبية والعادات والتقاليد البدوية. وكذلك مدن الدلتا المصرية بالهجرات القادمة من ليبيا وذلك ما يحيل على علاقات ثقافية واقتصادية قديمة بين البلدين لازالت قائمة، ذلك فإن توتر الاوضاع على حدود أي من دول الجوار سؤثر بدوره على أوضاعها الداخلية وعلى العلاقات الاقتصادية.

نظرا لموقع ليبيا الاستراتيجي وحدودها على الكثير من المجالات الحساسة، فإنه سيكون للأطراف المتصارعة سهولة كبيرة في توظيف الوكلاء لضرب الهدف. كل الأطراف المتدخلة في الشأن الليبي خوفا رسمت سياساتها الخاصة بما يتماشى مع مصالحها وتوجهاتها.

ثانيا: الملف الليبي وعجز القوى الكبرى على اقتسام الغنائم

الفوضى وعدم الاستقرار هي الورقة الرابحة لكل الاطراف في ليبيا داخليا وخارجيا، فباستثناء الشعب الليبي الذي عانى من ويلات الحرب والنزوح واللجوء، استطاع السياسيون والدول الأجنبية الإبقاء على مصالحهم باستغلال غياب سلطة موحدة للدولة والحكم بقانون الغاب حيث الكل يحكم بقدر ما تحول له قوته ومنطقته.

بالرجوع إلى العلاقات التاريخية نجد أن ايطاليا هي الاكثر قربا من مستوى العلاقات الخارجية مع ليبيا الذي تعتبرها روما كأحد مستعمراتها القديمة. إلى جانب العلاقات السياسية، ترتبط ايطاليا وليبيا بعامل القرب الجغرافي واقتسام الحدود البحرية دون أن ننسى العلاقات الاقتصادية التي في الحقيقة تأتي في صدارة الاهتمام الايطالي والسبب الرئيسي لتدخلها في ليبيا.

تنشط شركية “إيني” الايطالية على الأراضي الليبية منذ 1959م وقد استطاعت مواصلة نشاطها حتى بعد الأزمة في 2011 بل وبقيت الأكثر نشاطا من ضمن باقي الشركات النفطية، ففي 2018 كانت “إيني” تنتج ما يقارب 302 ألف برميل يوميا، في حين شركة “توتال” الفرنسية 36 ألف برميل يوميا، والاسبانية “ربسول” 35 ألف برميل يوميا وتشترك باقي الشركات من مختلف الجنسيات الأخرى بانتاج 520 برميل يوميا.

كما أن ليبيا تزوّد روما بـ 8% من حاجياتها من الغاز الطبيعي عن طريق انبوب الغاز المعروف بـ ” Green Stresm Pipeline”وتعد ايطاليا المستثمر الأول في ليبيا في الغاز الطبيعي وفي نفس الوقت المستورد الاول بنسبة 18% من الصادرات الليبية.

إلى جانب الطاقة التي تثير اهتمام ايطاليا بدرجة أولى تعمل روما أيضا على تعزيز حدودها الجنوبية من خلال معالجة ملف الهجرة غير الشرعية من افريقيا نحو أراضيها عبورا بليبيا، إذ بلغ عدد المهاجرين اللذين عبروا نحو ايطاليا في الشهور الستة الاولى من سنة 2021 عددا كبيرا يقدر بـ 37 ألف مهاجر غير شرعي من بينهم 9 آلاف عبروا عبر الاراضي الليبية.

على خلاف بعض القوى التي تتمتع بوجود مسلح قوي على الأرض فإن ايطاليا تتميز بشبكة علاقاتها مع المحيط الليبي سواء العلاقات الرسمية أو غير الرسمية، ففي الوقت التي أغلقت فيه كل السفارات في ليبيا بسبب الحرب بقية السفارة الايطالية التمثيل الاجنبي الوحيد الذي لم ينقطع في أسوأ الاوضاع تدهورا إلى أن شهدت البلاد انتعاشا دبلوماسيا بموجة عودة للسفارات الاجنبية منذ إرساء سلطة تنفيذية في البلاد.

إلى جانب سفارتها في طرابلس كان لايطاليا قنصلية في طبرق منذ 2017 ما جعلها تحظى بتواجد في كل من الشرق والغرب، وبالتالي قرب شديد للداخل الليبي وإحاطة بالمتغيرات، تمكنت ايطاليا بذلك إرساء شبكة مخابراتية هامة ضمنت لها حماية شركاتها ومصالحها.

عسكريا التدخل الايطالي المسلح ليس قويا ولكنه كافي لحماية مصالحها ففي 2016 وظفت أيطاليا ما يعرف بـ ” Task Force Hippocrates” وصرحت رسميا أن القوات مهمتها دعم المهام الممية في ليبيا من أجل مواجهة داعش، وأشرفت هذه القوات على عمليات دعم لوجستي وحربي في مصراتة، وقاد القوات العميد ” Alessio Cavicchioli” أحد أشهر قادة الجيش الايطالي.

تم اختيار ميناء طرابلس للقوات الايطالية من أجل البقاء قرب الخط الساحلي ومراقبة كل العمليات الحدودية ولكن أيضا من أجل البقاء في تواصل مع المجموعات المسلحة التي كانت تحت إمرة حكومة السراج.

وقال كافيشيولى “نحن نتعامل مع وزارة الدفاع الليبية ومع رؤساء أركان الجيش والبحرية والقوات الجوية … تحليلاتنا بالنظر إلى الوضع المتغير تستند إلى وزارة الدفاع الايطالية”.

شاركت أيطاليا كذلك في مهمة “إيريني” الأوروبية من أجل إيقاف إدخال الاسلحة إلى الأراضي الليبية وفي يوليو 2019 أرسلت مجموعة من المستشارين وفريق مختص في نزع الألغام من أجل مساعدة حكومة الوفاق من نزع الغام في مناطق جنوب العاصمة.

أشارت بعض التقارير كذلك على العلاقات المتينة بين القوات الايطالية وقائد خفر السواحل بمدينة الزاوية، عبدالرحمن ميلاد المعروف بـ “بيدجا” والذي اتهمته الامم المتحدة باطلاق النار على قوارب المهاجرين وإغراقهم.

هذا القرب من الداخل الليبي وكافة المؤثرين فيه من سياسيين وزعماء قبائل وقادة المجموعات المسلحة مكّن ايطاليا من أن تكون وسيط في أهم المفاوضات الاوروبية مع الاطراف الليبية وبذلك تمكنت من إثبات نفوذها السياسي في الدولة وإشعاعها الأوروبي كقوة ذات وزن إقليميا.

هذا الدور الوسائطي أثبتته ايطاليا في مناسبات عديدة أهمها وصول حكومة السراج في 2016 إلى العاصمة طرابلس على متن باخرة ايطالية.

من خلال شبكة من العلاقات الرسمية وغير الرسمية ضمنت ايطاليا تواصل مصالحها وحماية اقليمها من خلال محاولات وقف تيارات الهجرة غير الشرعية وتجارة الممنوعات.

بناء على علاقات تاريخية تمكنت ايطاليا من نحت علاقات متميزة عن باقي الاطراف الخارجية الأخرى.

حاولت فرنسا السير وفق نفس الاستراتيجية الايطالية، وهو ما خلق تنافس فرنسي ايطالي خاصة بعد مبادرة الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في مايو 2018 الذي جمع فيها مختلف الفرقاء الليبيين في العاصمة الفرنسية خطوة جعلت ايطاليا تخشى من التاثير الفرنسي على القيادة الأممية لمسار تحقيق السلام في ليبيا، تنافس ضرب في القدم بين دولتين استعماريتين تنازعتا على منطقة شمال افريقيا.

حاولت فرنسا اتباع سياسة مزدوجة في ليبيا ولكنها وقعت في التناقض وجعل بعض القيادات الفرنسية تنتقد سياسة ماكرون وتصنفها بـ “المتناقضة”.

حاولت فرنسا التنسيق مع مختلف الفرقاء الليبيين فمن جهة دعمت الشرق ممثلا في خليفة حفتر واعتبرته طرفا هاما في سياسة مكافحة الارهاب في افريقيا خاصة بالتنسيق مع الرئيس التشادي ادريس دبي قبل مقتله، والرهان على خليفة حفتر جعلها كذلك تكتسب حلفاء في ليبيا كمصر والامارات وهو ما يمكن بالتالي من ضمان صفقات بيع الاسلحة الفرنسية لهذه الاطراف.

من جهة أخرى عملت باريس على الحفاظ على علاقات جيدة مع حكومة الوفاق الوطني التي ترأسها فايز السراج، غير أن عداءها للاسلام السياسي حال دون اتباعها لسياسة واضحة ومتناسقة مع الحكومة التي حظيت باعتراف دولي في تلك الفترة. التذبذب في الموقف الفرنسي زاد من تعزيز التمكن السياسي لتركيا في ليبيا وتمتين تحالفها مع حكومة السراج.

“سياسة مشوشة” بعبارة بيار فيليو الباحث في العلوم السياسية، أعادها البعض خاصة كبار المسؤولين في فرنسا إلى سوء فهم الرئيس الفرنسي ماكرون للأوضاع السياسية في حوض المتوسط.

حاولت فرنسا أن تخلق رابط قوي مع الاوساط الليبية لتخفيض النفوذ الايطالي، غير أن فشل سياساتها أدى ليس فقط إلى تعزيز مكانة كل من تركيا وايطاليا بل إلى تشتيت الموقف الأوروبي.

منذ بداية الأزمة في ليبيا، لم يكن لدول الاتحاد الأوروبي موقف واحد، ففي الوقت الذي دعمت فيها فرنسا فترة رئاسة ساركوزي التدخل للاطاحة بنظام القذافي، أبدت المانيا رفضا واضحا وامتنعت ايطاليا مبدئيا.

بعد مسيرة سياسية ومهنية في المؤسسات الأوروبية استطاع رئيس الوزراء الايطالي ماريو دراغي الملم بآليات عمل هذه المؤسسات من إحداث وحدة في الموقف الاوروبي على الاقل، في العلن وفي الإعلام مع الابقاء على دور ايطاليا كمنسق بين الاتحاد الاوروبي والأطراف الليبية.

فشل السياسة الفرنسية كذلك في ليبيا كان في صالح روما التي كانت إلى جانب المانيا شريكان في مؤتمر باريس الثاني بخصوص ليبيا الذي تم تنظيمه في 12 نوفمبر 2021.

ويقول فرنسيس جيلاس الباحث في مركز برشلونة للشؤون الخارجية “سيقلل جائحة كوفيد 19 والاستجابة الأوروبية لأزمة المناخ من الانشطة التجارية للنفط ولكنه سيعزز الانشطة في قطاع الغاز الطبيعي استجابة للطلبات على الطاقة من الاسواق الليبية والاسيوية. ومع تطور الشراكة في مجال الطاقة. كانت الزيارة الأولى التي قام بها دراغي إلى ليبيا في أبريل 2021 تهدف إلى إعادة إطلاق التجارة في قطاعات مثل البنية الأساسية والصحة استجابة للاحتجاجات الإنمائية الليبية مع توفير الفرص التجارية للشركات الخاصة الايطالية”

لايطاليا مصالح هامة حمتها من خلال سياسة قائمة على الدبلوماسية و “اللعب بالجزيئات” حسب تعبير آلدو ليغا الباحث بالمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، واستغلال للعلاقات التاريخية بين وبين ليبيا لتكون بذلك الدولة الاوروبية الأكثر نفوذا في ليبيا.

على عكس ايطاليا اتبعت دول أخرى السياسة الحربية على غرار تركيا وروسيا.

بالنسبة لانقرة تمثل ليبيا تقاطعا لثلاث أهداف هامة في سياستها الخارجية وهي: أولا، حماية مصالحها الطاقية والاقتصادية، وثانيا، منافسة الدول العربية في افريقيا والشرق الاوسط، خاصة مصر والامارات، وثالثا، الانطلاق نحو العمق الافريقي والالتحاق بقائمة الدول ذات الاشعاع الاقليمي والدولي.

إبرام الاتفاق العسكري التركي الليبي في 2019 مع حكومة السراج مكّن تركيا من التحكم المباشر في الميدان من خلال إغراق الأراضي الليبية بالمرتزقة السوريين. التدخل التركي أجج الصراع في ليبيا وزاد من غضب دول البحر المتوسط المعادية لتركيا خاصة قبرص وفرنسا واليونان من جهة والحليفة لقوات حفتر كروسيا ومصر والامارات.

من خلال دعمها للاسلام السياسي تمكنت تركيا من نسج علاقات متينة مع الحكومات المتتالية، فليست حكومة السراج وحدها التي حمت المصالح التركية ونفوذها بل كذلك حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة، فكرجل أعمال في الإنشاءات، فإن الدبيبة قريب جدا من دوائر الاعمال التركية، فضلا عن ذلك فهو من مصراتة معقل النفوذ التركي في ليبيا.

وبصورة عامة، شكلت الحكومة المؤقتة خبرا سارا لتركيا التي لا تتحمل تبعات مزيد من التصعيد العسكرين. من المرجح أن “تركيا ستواجه مزيدا من الضغط الدولي في الفترة القادمة وقد يكون وجودها العسكري وصفقاتها وقواعدها الأزمة الكبرى” حسب جاليت دالاي الباحث بالمعهد الايطالي للدراسات السياسية الدولية.

تركيا ليست الدولة الوحيدة التي تملك نفوذ عسكري في ليبيا، واستفادت من تأجيل الانتخابات، بل روسيا كذلك.

تاريخيا كان لروسيا تأثير في منطقة المتوسط وبالتالي التدخل الروسي ليس رغبة في بسط النفوذ الروسي في المنطقة بل في استعادته. بالنسبة للرئيس بوتين أن رؤية الدولة تفقد قوتها ما بعد الحرب الباردة والاستسلام لنظام عالمي على النموذج الغربي بقيادة امريكية هي مظلمة تاريخية وهي شعور كل النخب الروسية.

لذلك يعكس التدخل الروسي في ليبيا الاستراتيجية العامة لبوتن، فتدخله في لييبا خدم جملة من الأهداف، أولها مواجهة المخطط الغربي والمصالح الامريكية دون أن ننسى أن حلف الناتو وقوات الأفريكوم كانت وراء الاطاحة بالقذافي من خلال دعم مسلح للثوار. من زاوية جيوسياسية، تبحث موسكو على قواعد عسكرية جديدة خارج البحر الأسود كنقاط تمركز متقدمة في مواجهة الحلف الغربي.

ليبيا كذلك مصدر تزويد هام من النفط والغاز ما يسمح لروسيا بتأمين حاجياتها الطاقية ولذلك كان تأمين المنشآت النفطية أحد أهم مهام فاغنر، مجموعتها القتالية الخاصة.

التدخل الروسي في ليبيا بقي في الظل منذ 2011 إلى أن ظهر إلى العلن في دعمها لحفتر في هجومه على العاصمة طرابلس، وظلت موسكو طيلة سنوات تعمل بهدوء على تعزيز نفوذها في الدولة.

تأجيل الانتخابات جاء لصالح روسيا التي استفادت من تعقد الوضع الأمني في الدولة، والذي مكنها من إبرام عقود عسكرية وكسب حصص من انتاج المنشأت النفطية الليبية دون أن ننسى أن ليبيا كانت بوابة عبور هام لتنقلات مقاتليها نحو دول أفريقية.

سياسة الولايات المتحدة كانت مختلفة تماما عن باقي الأطراف الأجنبية في ليبيا فبعد دعمها لاحداث 17 فبراير 2011 بشكل مباشر انسحبت وأشرفت على الاحداث السياسية من خلال المنظمات الاممية الدبلوماسية، بالرغم من إغلاق سفارتها في ليبيا إلا أن دبلوماسييها كان لهم تأثير واضح من خلال سفاراتها في تونس.

عملت السفارة الامريكية في تونس على إبقاء شبكة علاقات هامة مع مختلف الاوساط الليبية دون تدخل أمريكي مباشر واضح وذلك لتجنب التسويق لصورة امريكا كدولة تتدخل في الشؤون الداخلية للدول أو كدولة عاجزة على حل الأزمة الليبية طيلة عقد كامل.

عملت واشنطن في مختلف المراحل السياسية التي مرت بها الدولة على التدخل الانساني من خلال الجمعيات والمساعدات المالية والدعم الانساني سواء للمهاجرين أو من خلال مجابهة جائحة كورونا.

رصدت إدارت بايدن 30 مليون دولار في ميزانيتها لـعام 2021 تحت تسمية “مساعدة دعم الاستقرار في ليبيا” ورصدت 43 مليون دولار في ميزانية 2022 من أجل دعم المشاريع الاممية المتعلقة بليبيا.

_______________

مواد ذات علاقة