أحمد الفيتوري

أوقف النائب العام ثلاثة وزراء من حكومة الدبيبة وزج بهم في السجن بتهم فساد وعبث بالمال العام.

إذا لم يتوافر الاستقرار لأي مبدأ سياسي فإنه لا بد أن ينتهي إلى الفساد، ولا يلبث أن ينهار من أساسه“. سيمون بوليفار

شر البلية ما يضحك، أليس كذلك؟ “المفسدون في الأرض”، هكذا عرف معتقل في طرابلس، العاصمة الليبية، أواخر القرن الماضي، وذلك بسبب كتابة تلك العبارة على مدخل المعتقل، ما جعله القذافي سجناً، يضم كل المتهمين والمحكومين بالفساد المالي. وكان القذافي في الذكرى العشرين لانقلابه قد ذكر واقعة تدلل على الحذق: أن هناك مواطناً ليبياً اشتغل بمقهى شركة أجنبية تعمل بطرابلس، طلبت الشركة منه بعض الخدمات مقابل مليون دولار، لقد قام بالمهمة مقابل هذا المبلغ. أعرف أن منكم، من يتهمه بالرشوة، لكنه حاذق، تمكّن من الحصول على نصيبه في الثروة. أو هكذا قال العقيد القذافي، في ذلكم الخطاب. وهذا حال البلاد، المليء بوقائع كثيرة، حول الفساد، الذي يرتع كالأغنام ما يحميها، الراعي القوي.

عقب ثورة 17 فبراير (شباط) 2011، تولى رئاسة الوزراء ثلاث شخصيات، كل واحد منهم اتهم الآخر بالفساد، ولم يتم التحقيق في هذه الاتهامات. ما راجت وزادت مع الوقت، حتى بات كل الليبيين يرددونها، وبعضهم يتهم الآخر. وأما المسؤول منهم المتهم بالفساد، فإنه يبادر بالرد، بأن كل الآخرين فاسدون، وأن المال السائب يعلّم السرقة. لقد غدا الفساد الحقيقة التي يُجمع عليها الليبيون وتوحدهم كهوية للدولة، التي ينقسمون حول أي هوية أخرى لها.

وقد ذكَّرني بذلك، الحرب العالمية المعلنة حول أوكرانيا، التي حين راجعت أحوالها، وجدت أن الأوكرانيين يُجمعون على كنية بلادهم، بـ”دولة اللصوص”. الفساد، الحقيقة المرة، هذا ما وجدت، أنه يجمع بين ليبيا وأوكرانيا، وأنا أقلب في بواعث ما تثيره أوكرانيا، من غبار حرب دولية، نبهتني أيضاً إلى الحرب السياسية الدولية حول ليبيا. ليبيا التي فيها الفساد، يرتع، كالأغنام ما يحميها، الراعي القوي، وقد كان في ليبيا، القذافي السيد الراعي، لكن ما بعد القذافي، ليبيا كما أمست مسألة دولية، بات الراعي والسيد “الأمم المتحدة”، ما تحت رعايته، يتم هذا العبث السياسي والمالي.

لكن، ما الذي يجمع بين أوكرانيا وليبيا، وهما بينهما من الاختلافات ما لا حد له؟ نعم اختلافات جمّة، لكن ما يجمعهما المشترك الواحد، القاصم لظهر البلدان. وهو ما مفتاح المسألة، ما وضعنا كفاتحة المقالة، وقد أشار إليه الثائر الأميركي اللاتيني الأشهر، القائل “إذا لم يتوافر الاستقرار، لأي مبدأ سياسي، فإنه لا بد أن ينتهي إلى الفساد…”.

أوكرانيا لم يتوافر فيها الاستقرار، لأي مبدأ سياسي، منذ استقلالها، عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، بخاصة منذ الثورة البرتقالية، نوفمبر (تشرين الثاني) 2004، وكذا ليبيا، كما يعرف غير المهتم، المتابع فقط لعاجل الأخبار. وقد تحول البَلدان، إلى مسألة دولية، يتجاذبهما المدّ من نفوذ ومصالح متضاربة، وينقسم المسؤولون فيهما، كل إلى الجهة الداعمة، مما يجعل البلد “دولة اللصوص”، ولا تلبث أن تنهار من أساسها، أو كما تصور بوليفار.

وفي ليبيا اليوم، يتم الحديث عن الفساد، كما الحديث حول الحلول السياسية، المشاريع الدولية العقيمة. حتى إن الفساد، كما الفشل السياسي، بات أمراً اعتيادياً، وسرقة المال الليبي يقوم بها ليبيون وغير ليبيين، وحتى جهات دولية، كالبنوك والدول، التي جمدت فيها أموال ليبيا، بقرار من مجلس الأمن، الشاهد ما لم يشاهد شيئاً. وبفضل مجلس الأمن وقراراته، ليبيا غدت البلاد المُخَصبة، للفساد والسرقة، وفيها تعبث عصابات محلية ودولية.

ولقد غدت مالطا وبنوكها قاعدة لتهريب المال الليبي، حتى إنه تم تغطية مقتل الصحافية المالطية، من عملت على فضح هذه الجريمة الدولية، التي يقوم بها رجال أعمال ومؤسسات إيطالية ما تعمل في ليبيا، كما الشركات التركية من دون حسيب ولا رقيب.

وفي الأخبار: “أصدرت منظمة الشفافية الدولية، مؤشر مدركات الفساد، عن عام 2021. وحلت ليبيا في المرتبة 172، من بين 180 بلداً شملها المؤشر، لتكون بذلك ضمن قائمة الدول التسع الأكثر معاناة من الفساد. وحسب المؤشر، فقد حصلت ليبيا على 17 نقطة من 100، مما يضعها في مراتب متأخرة، على صعيد الدول، التي تعاني الفساد.

ووصف المؤشر 131 دولة، بأنها لم تستطع تحقيق أي تقدم ملموس في مكافحة الفساد. فيما حصلت أكثر من 30، من الدول المشمولة بالتقرير، على أقل من 50 نقطة. ويعتمد مقياس المؤشر في التقييم درجات بين 0 و100 نقطة، حيث تمثّل النقطة الصفر البلدان الأكثر فساداً، في حين تمثّل النقطة 100 البلدان الأكثر نزاهة.

واعتمد المؤشر في تصنيفه على عدد من العوامل، لتقييم أداء مؤسسات الدول، أبرزها: العمل والمال السياسي، ومؤشرات الديمقراطية، وحرية التعبير. وجاءت بعد ليبيا في الترتيب: دول أفغانستان وكوريا الشمالية واليمن وفنزويلا والصومال وسوريا وجنوب السودان”.

لكن هناك ضوء، يسلط هذه الأيام، على هذه الكارثة الليبية، فالحكومة الليبية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، من اتُّهم جهاراً نهاراً بالرشوة للحصول على منصبه، هذه الحكومة، قام النائب العام بإيقاف ثلاثة وزراء منها، وحتى زج بهم في السجن، بتهم فساد وعبث بالمال العام. وقد طال النائب العام أخيراً، مسؤولين عدة في الدولة والبنوك الليبية، ولم تصدر بعد أي اتهامات، لجهات إقليمية أو دولية.

وأن يتهم مثل هذا العدد من الوزراء والمسؤولين فهذا أول الصدع، ما كنا نتوقع أن يلفت نظر الإعلام وغيره. فالفساد أخذ يتشخص، ما يستدعي تسليط الضوء عليه، لأن الصحافة كسلطة رابعة هي سلطة رادعة، تكمل مهمة سلطة القضاء العقابية.

وأختم بقول للمفكر محمد الرميحي: كم من عناصر عدم الاستقرار نجدها أمامنا تتقافز، ولكن تركيبتنا النفسية تمنعنا من الاعتراف بالمخاطر.

__________________

مواد ذات علاقة