الترويكا هي كلمة روسية الأصل، وتعني المجموعة الثلاثية، ومع مرور الوقت أصبحت مصطلحا سياسيا يشير إلى الثلاثية السياسية أينما وُضعت اصطلاح وإلى ما أشارت بمعناها، والحكم بالترويكا هو ما يحصل حقيقة في تكوين الممالك والدول والمؤسسات.

فالمُلك والمال والقوة، أو خليط السياسة والمال والدين، أو خليط الطوائف أو الأقاليم وغيرها أو الفكر والقوة والمكانة الاجتماعية، هي أرضيةٌ مؤسسة لأكثر الممالك والدول استقرارا، لا استئثار في السلطة ولا يمكن لمجموعة معينة أو لتوجه معين حصرها، بل هي محتاجة لأضلاعها الثلاث أينما كانت وبحسب الطبيعة.

ستالين احتاج لفكر لينين وشركائه في اللينينية ولضباطه الأقوياء ليكون منظومة حكم سيطر بها على جزء هائل من القارة الأوروبية، كما أن هتلر إحتاج لمال الممولين ولغطاء سياسي لحزب اشتراكي قائم وقوة الجيش، ومعمر القذافي لم يحكم مع بعض الضباط وحده، لهذا تجد العلاقة الغريبة بين الحاكم المسيطر ورجال الأعمال والمفكرين أو رجال الدين أو المؤسسات الدينية، وقس على هذا نماذج ممالك الخليج وكيف تحصل المواءمة بين السياسة والمال والدين.

إذا نظرنا الى تاريخ ليبيا كدولة منذ الاستقلال الى الآن فإننا سنجد الاتحاد التاريخي بين الأقاليم الثلاث مبني على فكرة الترويكا المُلك والحكم التنفيذي والغطاء التشريعي وكيف لهذه المؤسسات أن تنسجم مع بعضها وفق التركيبة السكانية والأفكار المجتمعية وحينما حدث الخلل ظهر الجيش فقام بانقلاب على الملك، وأصبح الحكم مشاركةً إلى حد كبير حتى جاءت ليبيا الغد فحدث الخلل بين الحرس القديم للقذافي وبين أصدقاء سيف الإسلام حتى أتت فبراير.

لا يمكن اختصار المجريات بكل هذه البساط، لكن فعلا على الأغلب أن هذا ما حدث ويحدث في كل مكان، وأنه لا عائلة أو حزب سياسي أو قائد مسيطر بالكامل يستطيع الحصول على التمثيل السياسي والتنظير الفكري والاستثمار المالي والفقه الديني والقوة العسكرية جملة واحدة، وحتى في الإمارات والممالك الإسلامية فإن للأسر والعائلات الأخرى – غير الأمويين أو العباسيين أو الفاطميين – حظوتها ومكانتها ومهامها التي تؤديها بكل تفان وإتقان من أجل استمرار وبقاء النظام.

والدول هي أرض وشعب وهوية فإن غابت القيم الدينية أو المجتمعية انهارات، وإذا جاع الشعب انهار النظام، وإذا غاب الأمن ستتشكل دويلات أصغر وأصغر حتى يتشظى النظام الجامع وينهار ويذهب الى ما وراء الشمس، لذا فالحفاظ على الأمن والغذاء والقيم المجتمعية سواءا أكانت دينية أو عرفية هي من الركائز التي لا يمكن التقصير في بنائها، وبناؤها على أساس ضعيف سينهار في أقرب فرصة.

في ليبيا اليوم قامت فبراير فانهار النظام، وبدأت التيارات السياسية والأيدولوجية والعسكرية والقبلية والأثنية تتشكل للتجمع فقط حينما تشعر بالخطر وتنال نصيبها من الغنيمة حينما تستقر الأوضاع، مجتمع دولي منقسم وأصبح ذو أقطاب وليس قطبين فقط وأصبح صغرى الدول وأحدثها تتلاعب في الملف الليبي وتفرض إدارتها حينما انشغلت القوى العالمية بحروبها العابرة للقارات وانشغل الداخل بالاقتتال وصناعة التبات فوق أبعد نقطة بإمكانه الوصول إليها.

تجربة الصخيرات كانت فاشلة على مستوى ليبيا والسبب غياب الفاعلين، حتى انتهت بما انتهت عليه من ألم وفرقة ودماء ودموع، تجربة جنيف أو ملتقى الحوار السياسي لم تكن ذات نجاعة فالأطراف الفاعلة الخارجية باركت لكن الأطراف الداخلية بقيت خارج المشهد، وأصبحت العطايا غير منطقية فمن سيسر على الأرض بالقوة لن ينتظر العطايا من مغمور أتى به صندوق على عكس التوقعات.

“أخرجوا لنا نظراءنا من قومنا” لعل هذه الجملة التي قالها عتبة ابن ربيعة يوم غزوة بدرٍ الكبرى هي الإسقاط الأفضل لما يحدث اليوم، فالقوى الفاعلة محليا تمترست وتموضعت وضربت بجذورها عمق الأرض حتى أصبحت لا تلقي أي بال لأي لاعب جديد قادم وإن كان على فرقاطةٍ إيطالية أو حتى بارجة أمريكية، وأن فكرة التحالف أو الجلوس أو الاتفاق مع الفاعلين أو الأقوياء هي أفضل لهم من الجلوس مع من يشق طريقه الآن في السياسة وإن امتلك المال والإعلام.

يوم جنيف تحالف فتحي باشاغا مع عقيلة صالح تحالف محلي دولي بنكهة المنتصرين من الحرب، لم ينجحوا لأن من سيختارهم يدور في فلك آخرين، مضت سنة على الاتفاق المشهور والتحالف الذي تمت شيطنته، تحالف رجل بركان الغضب القوي مع سياسي برقة، لم يكن التحالف يشمل القوى الفاعلة على الأرض من الطرفين فخسر التحالف لكنه لم يمت، اليوم وكما كسر باشاغا جليد العلاقات الطرابلسية المصرية بزيارة القاهرة في نوفمبر 2020 زار بنغازي والتقى مع خليفة حفتر ليصنع تحالفاً أكثر قوة وليكون بارزا على الطاولة والهدف هو دفع ليبيا نحو الاستقرار.

النضج العام الذي أصبح يخيم على الفاعلين في المشهد أصبح أمراً يمكنه أن يولد خطوة تدفع ليبيا للإمام، مع احترام الصفات والإمكانات ومناطق النفوذ، فلقاء باشاغا وحفتر أو عقيلة صالح مع المشري أو التقارب المصري التركي وزيارة عباس كامل لطرابلس والسفير التركي لطبرق والقبة كلها مؤشرات حقيقية نحو توافق داخلي مدعوم من القوى الإقليمية؛ لهدف التنمية والاحتفاظ بحق النفوذ والمساهمة الاقتصادية في تبادل المنافع والمصالح في ليبيا وحولها، وبين الفرقاء الليبيين علها تكون كما جرى في أربعينيات القرن الماضي من تقارب وطني حول بناء الدولة رغم الألم والجراح والدماء، لكن الناتج كان وطنا نال استقلاله وبدأ يخطوا خطوات نحو الرفاه والتقدم وإن حدثت النكسات التي إن لم تكسر ظهورنا فإنها ستقوينا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

مواد ذات علاقة