لا توجد مؤشرات على معالجة جادة لأسباب تأجيل انعقاد الانتخابات ومن ثم الخروج من الأزمة

محمد بدر الدين زايد 

من الواضح أن تأجيل الانتخابات الليبية أدى إلى تعقيد إضافي للمشهد، ورغم محاولات المبعوثة الدولية ويليامز، لإعطاء الانطباع بأن هناك ضوءاً في نهاية النفق، فإن المعطيات الجديدة تشير إلى مناحٍ أخرى لا تبشر بالكثير. وفي الحقيقة، فالمشهد حافل بالجوانب الإشكالية، بعضها مستمر، وبعضها ظهر أو على الأقل تبلور أكثر بعد عملية التأجيل.

معضلة الحكومة الليبية

الملاحظ أولاً أن مسألة شرعية الحكومة في طرابلس كانت دوماً مطروحة، سواء في ظل “الصخيرات”، أي حكومة الوفاق التي رأسها فايز السراج، التي جرى إحلال حكومة عبد الحميد الدبيبة بديلاً لها تحت اسم حكومة انتقالية، فكلاهما مؤسس بشرعية دولية، والأخيرة نتاج التسويات الدولية التي قادتها ويليامز في السابق كقائم بأعمال المبعوث الأممي، التي استغرقت عدة شهور، وحظيت بقبول مجلس النواب ورئيسه عقيلة صالح حتى وقت قريب.

وبدت حكومة الدبيبة أكثر الحكومات الليبية استقراراً ومقبولية داخلياً وخارجياً بعد إطاحة القذافي، ولم تتعرض خلال الفترة السابقة إلا لتحد واحد مع المجلس عندما ترددت اتهامات بالفساد، وأخرى بتجاهل المجلس، الذي قرر في النهاية وبأغلبية ليست حاسمة سحب الثقة من الحكومة منذ عدة شهور. لكن، هذا لم يؤد إلى توقف الحكومة عن عملها، فخلفها موقف دولي قوي داعم، لكن هذا الإجراء كان على الأقل دلالة على الفجوة الكبيرة التي بدأت بين المجلس وقياداته والدبيبة.

ثم ثار توتر آخر بعد ترشح الدبيبة لرئاسة الدولة، من منطلق عدم ملاءمة أن يستمر في منصبه لغياب الشفافية والحياد من وجهة نظر المنتقدين.

ومن هنا، كان كل ذلك مقدمة طبيعية لما نراه اليوم من تفاعلات داخل مجلس النواب وضغوط خارجية وداخلية، خصوصاً بعد إعلان عقيلة صالح انتهاء شرعية الحكومة، بسبب الفشل في الإنجاز الانتخابي.

وتلى هذا تحركات عديدة سواء في طبرق، حيث المقر المؤقت للمجلس أو في بنغازي، حيث مقر المشير خليفة حفتر، الذي استقبل عدداً من الوفود والشخصيات، من بينها ما يسمى مجموعة العمل الوطني الليبي بقيادة خالد الترجمان، الذي صرح مؤيداً موقف صالح بانتهاء شرعية حكومة الدبيبة.

واندفع الحراك السياسي في الشرق بتفاعلات وترشيحات لحكومة جديدة، وكان أبرز المرشحين وفقاً للأحاديث الإعلامية اثنين، أولهما فتحي باشاغا، وزير الداخلية السابق، الذي تربطه صلات قوية بأطراف الغرب الليبي وتيارات الإسلام السياسي، وحتى بتركيا، لكنه نجح في التقارب مع الجانب الآخر في الشرق مع أزمة الانتخابات.

وهو ترشح يتضمن كثيراً من التناقضات، فالتيار الغالب في الشرق ومجلس النواب يتحدث بقوة عن أن شرط تولي الوزارة عدم الترشح في الانتخابات، من منطلق ضمان نزاهة الإشراف عليها وعدم التأثير على مفوضية الانتخابات، ما يجعل مسألة تولي باشاغا المرشح السابق للرئاسة أمراً غير منطقي بدوره. وثاني المرشحين أحمد معيتيق، وكان أيضاً مرشحاً رئاسياً، ويتمتع بمكانة لدى أطراف ليبية في الجانبين.

وبطبيعة الحال تصريحات ويليامز الرافضة والحاسمة ضد تغيير الحكومة الآن ستعني استمرار الاعتراف الدولي بحكومة الدبيبة، وهو ما يعني أن مواصلة الحديث أو الإجراءات في الشرق ومجلس النواب ضد هذه الحكومة لن يصب إلا في خانة الشلل الفعلي لها في بعض مناطق الداخل.

تصاعد ملف الفساد

لا تقتصر انتقادات مجلس النواب لحكومة الدبيبة على فشل الإنجاز الانتخابي فقط، إنما أيضاً على التكشف المتزايد للاتهامات الخاصة بالفساد، التي تزايدت أخيراً، وطالت عدداً كبيراً من مسؤولي الحكومة، ومن بينها وزارة الصحة على سبيل المثال.

وهناك ترديد واضح لشكوك حول استفادة أطراف داخلية وخارجية من الأوضاع الراهنة، للحصول على منافع مالية هائلة من عائدات النفط، ومن إنفاق داخلي يثير كثيراً من التساؤلات. وفي الواقع فإن اتهامات الفساد تطال كثيراً من المسؤولين في حكومة الدبيبة، ومعهم أطراف خارجية تستفيد من هذه الأوضاع الهشة.

تجاهل جوهر الأزمة

تتحرك ويليامز بين أطراف الداخل والخارج، معلنة التركيز على موعد مقبل للانتخابات، وتصدر انطباعات غامضة بأنه جار عمل ترتيبات سياسية، لضمان عقد الانتخابات مع إشارة واضحة إلى تفضيل استمرار الصيغة الحالية، التي أشرفت على إخراجها بعد توقف العمليات العسكرية منتصف 2019.

لكن، كل هذه الاتصالات لا تخاطب بأي شكل العناصر الجوهرية للأزمة، وأبرز هذه العناصر استمرار الميليشيات المسلحة، وأغلبها متطرف، واستمرار وجود السلاح خارج أجهزة الدولة، فضلاً عن الانقسام الحاد بين سلطة تسيطر على غرب البلاد بإرادة دولية وأخرى على شرق البلاد يقودها مجلس النواب المنتخب وعناصر الجيش بقيادة خليفة حفتر، ما يعني انقساماً في مؤسسات الجيش الليبي أيضاً بين عناصر الشرق وتلك التي في الغرب.

وفي وقت يرى البعض أن انقسام مؤسسة الجيش بسبب الخلاف حول حفتر أحد أبعاد المشكلة الرئيسة، فإن هذا الرأي مع أهميته يتجاهل أن القوة الرئيسة التي ساندت تيار الغرب كانت من الميليشيات المتطرفة، وحتى من مرتزقة يستفيدون مادياً من الظروف التي تمر بها البلاد.

كما لا تركز ويليامز بما يكفي على البعد الخاص بإخراج المرتزقة الأجانب من البلاد، ربما لأنها لا تستطيع أن تجد مخرجاً بهذا الصدد، ليبقى السؤال الأساس الذى طرحناه هنا مراراً: أي انتخابات يمكن ضمان نجاحها وإجرائها في ظل وجود هذه الميليشيات؟

كيف يمكن ضمان قبول النتائج أيضاً في ظل هذه الظروف؟ فما هو معروف ولم يمر وقت طويل لنسيانه أن العقدة خلال السنوات السابقة والدافع وراء انتقال مجلس النواب إلى طبرق، كان البحث عن مكان ليس تحت تأثير الميليشيات المسلحة، وهو مشكلة الأوضاع في طرابلس سابقاً وحالياً.

ومن ناحية أخرى حذرنا من قبل من عدم وجود آلية ضمن الترتيبات السياسية المطروحة لضمان قبول المتخاصمين لنتائج الانتخابات الليبية، بل وحتى الآن تشير كل المؤشرات إلى أن الأطراف المتصارعة سترفض أي ناتج لا يأتي بها لسدة الحكم، وأن المشهد قد يصبح أخطر بكثير من حيث الانقسام والاستقطاب إذا أعلنت النتائج من دون هذه الضمانات.

عنف متقطع

لم تتوقف وتيرة المواجهات بين الفصائل المسلحة في معظم المراحل السابقة، لكن من الواضح أن الشهور الأخيرة شهدت صعوداً ملحوظاً بهذا الصدد، ولا يقتصر هذا على منطقة واحدة، وإن كان أكثر بروزاً في العاصمة طرابلس، وفي غرب البلاد بشكل خاص، حيث تتعايش الحكومة التي يرأسها الدبيبة وقبله السراج مع وجود الفصائل المسلحة التي يتبع بعضها قوى سياسية، وبعضها الآخر مرتزقة وفصائل إجرامية تعمل بفرض الإتاوات، وقد ترفع شعارات سياسية أحياناً، وقد لا تفعل ذلك في أحيان أخرى غير مكترثة إلا بمصالح مادية وظروف تسمح لها بالوجود وممارسة النفوذ.

والأهم من كل ذلك بدء تحرك جديد لفصائل “داعش” أو “القاعدة” وحدوث مواجهات ضدها سواء من وحدات للجيش الليبي أو من فصائل متطرفة أخرى مثل “فجر ليبيا” الإخوانية التي تريدها تحت السيطرة، وتتحرك فقط عندما تشعر تيارات الإسلام السياسي بخطر يتهددها فتستعين بها مجدداً، وإشكالية هذا طبعاً في صعوبة السيطرة على “داعش”، وسهولة الانفلات الذي قد يحدث تغييراً في المشهد السياسي والأمني.

الخلاصة، أن عدم انعقاد الانتخابات الليبية سواء كان هذا تأجيلاً مؤقتاً أو أكثر من هذا قد فتح باب التدهور المتزايد في الأزمة وخروجها عن نطاق السيطرة، والمعضلة أنه لا توجد أي مؤشرات حتى الآن على معالجة جادة لأسباب التأجيل، ومن ثم احتمالية الخروج من الأزمة .

***

محمد بدر الدين زايد دبلوماسي أسبق وأكاديمي 

____________

مواد ذات علاقة