فاضل بن عاشور 

ملامح المرحلة الجديدة

مرحلة جديدة من الصراع في ليبيا بين القوى الفاعلة المحلية والدولية، بدأت ملامحها في التشكل، ديناميكيات محلية ودولية متسارعة، خارطة تحالفات جديدة وتوازنات جديدة للقوى الفاعلة ومقاربات جديدة تقودها الأطراف المحلية، في ظل تراجع دور الأمم المتحدة وتزايد النفوذ الروسي.

فشل تنفيذ الاستحقاق الانتخابي طبقا لخارطة طريق الأمم المتحدة، وما تمخض عنه من حراك دبلوماسي وتدافع سياسي وأمني، كان مقدمة لبداية فصل جديد من فصول الصراع  في ليبيا بين الأطراف المحلية وبين القوى الإقليمية والدولية.

 متغيرات المشهد الليبي

يمكن اختزالها في المحاور الرئيسية التالية: فشل المخطط الأممي لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية طبقا لخارطة الطريق، بحث الأطراف الفاعلة الرئيسية في الداخل عن تموضعات جديدة تضمن لها استمرار الحفاظ على مصالحها ومكتسباتها، قيام هذه الأطراف بعملية مراجعة براغماتية لسلوكها السياسي ومقارباتها في التعاطي مع مستجدات الوضع الراهن، محاولة استباق الضغوطات الدولية والمقاربة الأممية التي قد تلجأ إليها الدبلوماسية الأممية التي تسعى من أجل إيجاد مخرج يحفظ لها ماء الوجه ويقود إلى حالة من الاستقرار النسبي.

تساؤلات

هل يمكن التخلي عن المقاربة الأممية (خارطة الطريق) التي قادت العملية السياسية التحضيرية؟.

هل تمتلك السيدة ستيفاني بصفتها “الاستشارية” القدرة والأدوات اللازمة للتوجيه والاشراف على العملية السياسية التحضيرية للخروج بليبيا من أزمتها الراهنة؟.

هل تُهيْئ المقاربة الجديدة لمجلس النواب، المخرج الملائم من هذا النفق المظلم؟ أم إنها ستعمق الخلافات والانقسامات بين الفرقاء وداعميهم الإقليميين والدوليين؟.

لماذا لم تأخذ البعثة الأممية والإدارة الأمريكية في الاعتبار مخاطر إجراء الانتخابات الرئاسية في ظل معطيات لوجستية وجيوسياسية غير ملائمة؟.

أين ليبيا من أولويات ومشاغل الإدارة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين في ظل أزمة أوكرانيا وروسيا؟.

هل يخاطر ساسة وعسكر ليبيون باستئناف العنف أو تقسيم البلاد؟.

الديناميكيات والمقاربات الجديدة

شهدت الأسابيع القلية الماضية، منذ 24 ديسمبر الماضي، تحركات متسارعة ونشاطات محمومة وتقلبات حادة في المواقف، داخل الأطراف الفاعلة في الداخل الليبي وبين الأجسام المنبثقة عن الاتفاق السياسي واتفاق جنيف وخارطة الطريق، لم تشهد لها الساحة الليبية مثيلا منذ سنوات، وقد نتج عن تلك التحركات والنشاطات جملة من المتغيرات في المشهد السياسي والأمني، على هيئة تحالفات ومقاربات ومسارات جديدة، يمكن إيجاز أبرزها على سبيل المثال في:

(1) لقاء جمع بعض مرشحي الرئاسة في طبرق  لشخصيات خلافية عسكرية ومدنية.

(2) انشقاق بعض الفصائل المسلحة التابعة للقيادة العامة في الجنوب.

(3) لقاء رئيس البرلمان عقيلة صالح برئيس المجلس الأعلى للدولة خالد المشري في المغرب.

(4) تحركات بعض الكتائب التابعة للحكومة المؤقتة في محيط العاصمة.

(5) لقاء رئيس البرلمان عقيلة صالح بالسفير التركي في القبة.

(6) عودة رئيس البرلمان إلى استئناف مهامه في رئاسة البرلمان.

أسفرت التحركات واللقاءات عن توافقات وتفاهمات بين الأطراف الفاعلة، خاصة بين بعض مرشحي الرئاسة وبين رئيسي المجلسين النواب والدولة، والتي يمكن وصفها بأنها صفقة تفاهمات حول المحاور الرئيسية التالية:

(1) مسألة شرعية الحكومة المؤقتة. (2) تقاسم السلطة. (3) إعادة توازن القوى.

(4) إعادة تشكيل خارطة التحالفات. (5) اعتماد مقاربة وخارطة طريق جديدتين.

الحراك البرلماني

شكلت عودة رئيس البرلمان إلى استلام مهام منصبه ومباشرة عمله بعد إجازة الترشح للرئاسة، خطوة ضرورية لتوجيه الحراك البرلماني والتنسيق مع رئاسة مجلس الدولة.

سبق عودة رئيس البرلمان، أعلن البرلمان في أول بيان رسمي برئاسة نائب الرئيس، استمرار العمل بخارطة الطريق لتنظيم المرحلة القادمة بالتشاور مع الأطراف المعنية، ومناقشة 5 مقترحات من بينها اقتراح تأجيل الانتخابات مدة 6 شهور، والدعوة الى حوار واسع وشامل يجمع كل الأطراف السياسية.

في أول اجتماع للبرلمان برئاسة المستشار عقيلة صالح بعد عودته من الإجازة، طرح رئيس البرلمان المقترحات التالية التي أثارت ردود فعل متباينة:

(1) الإطاحة بحكومة الوحدة الوطنية المؤقتة. (2) تشكيل حكومة جديدة. (3) تشكيل لجنة خبراء لإعادة صياغة الدستور.(4) إعلان خارطة طريق جديدة.

الخلافات بين المجلسين

يمكن القول ان “صفقة التفاهمات” بين رئيسي المجلسين ( مجلس النواب ومجلس الدولة) قد واجهت بعض “الاشكاليات التنفيذية” التي تعكس اختلافا في النوايا رغم اتفاق الاهداف ، وطبقا لقاعدة “الشيطان يكمن في التفاصيل” . ذلك من حيث ترتيب الاولويات ، يمكن القول انه في حين ان رئيس البرلمان كان قد عقد العزم على الاطاحة بحكومة الوحدة الوطنية كاولوية قصوى قبل الشروع في بقية بنود التفاهم ، فان رئيس مجلس الدولة راى ان الاتفاق على القاعدة الدستورية  يسبق عملية تغيير الحكومة المؤقتة .

تراجع دور الأمم المتحدة في ليبيا

واجهت ستيفاني ويليامز بوصفها مستشارة الأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، صعوبات يمكن إيجازها في:

أولا: الخلافات الجوهرية حول الملف الليبي بين الدول الكبرى خاصة روسيا وفرنسا والولايات المتحدة وتركيا، أبرز مظاهرها امتناع الكرملين عن سحب مرتزقة فاغنر، والفيتو الروسي ضد تعيين السيدة ويليامز كمبعوث خاص للأمين العام في ليبيا، والتقليل من أهمية دورها كمستشارة للأمين العام في ليبيا.

ثانيا: المصالح والأطماع الفرنسية في ليبيا حاضرة في ظل التهديدات التي تواجهها المصالح الفرنسية في منطقة الساحل والصحراء وفي شمال إفريقيا، خاصة تمدد مرتزقة فاغنر في الفضاء الإفريقي، وتعثر العلاقات الجزائرية الفرنسية، كما يمكن قراءة التعنت الفرنسي في إطار الصراع الفرنسي التركي في شرق المتوسط.

ثالثا: تعيين السيدة ويليامز بوصفها مستشارة حد إلى درجة كبيرة من مهامها واختصاصاتها، وحد كذلك من تحركاتها ونشاطاتها، ويبدو أن الحراك السياسي لرئيسي البرلمان ومجلس الدولة والذي تزامن مع استلام السيدة ويليامز لمهمتها الجديدة ينطلق من قراءة مماثلة لمحددات الدبلوماسية الأممية الراهنة.

رابعا: تواجه الدبلوماسية الأممية اتهامات وانتقادات واسعة لفشلها في إدارة شؤون الملف الليبي، ولم تفلح في تهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية ناجحة، وساهمت في تعميق الهوة والانقسام بين الفرقاء الليبيين.

خامسا: أولويات الإدارة الأمريكية الجيوستراتيجية طغت على الملف الليبي، لاسيما صراعها مع الصين وكوريا الشمالية وملف إيران النووي وحرب اليمن و الصراع في السودان ومنطقة القرن الإفريقي.

سادسا: انشغال الإدارة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين في التعاطي مع الأزمة الراهنة بين أوكرانيا وروسيا حمل في طياته احتمالات هبوب رياح حرب باردة أم ساخنة تجعل من الملف الليبي ضمن أدنى الأولويات والاهتمامات الأمريكية والأوروبية.

سابعا: الدور الفرنسي في الأزمة الليبية لم يغب عن المشهد وظل حاضرا في جميع الظروف بداية من صواريخ جفلن والمدربين العسكريين إلى التدخل بالوسائل الناعمة أثناء المرحلة التمهيدية للانتخابات.

ثامنا: تطبيع العلاقات التركية مع الإمارات بصفة خاصة، ومع كل من مصر والسعودية ولو بدرجات متفاوتة رغم دوافعه الجيواقتصادية، لا يخلو من دوافع جيوسياسية واستراتيجية ألقت بظلالها على الملف الليبي، وقد تبين ذلك من خلال زيارة وفد من البرلمان إلى تركيا واستقباله من طرف الرئيس أردوغان، ولقاء رئيس البرلمان والسفير التركي في القبة.

الخلاصات

(1) شهدت مرحلة ما بعد فشل خارطة طريق الأمم المتحدة، تقلبات وتحولات في مواقف الأطراف الفاعلة وفي توازنات القوى وفي المقاربات السياسية والأمنية.

(2) ضرورة توفر الشروط لضمان نزاهة وشفافية العملية الانتخابية، خاصة الدستورية والقانونية.

(3) استمرار الوضع في ظل تمديد المرحلة الانتقالية وإطالة عمرها، يطرح احتمالات من بينها إمكانية تجدد سيناريو الانقسام الجيوسياسي.

(4) احتمالات تفجر النزاعات المسلحة، قائمة في ظل الظروف السياسية والأمنية الراهنة خاصة استمرار انقسام المؤسسات العسكرية والأمنية واستمرار تواجد المرتزقة.

(5) رهان روسيا وضغوطاتها من أجل الاعتراف المحلي والدولي بدور فاعل لعناصر النظام السابق في الحياة السياسية، ودعم ترشح سيف القذافي لانتخابات الرئاسة، وممارسة أكبر قدر من الضغوط على الأمانة العامة للأمم المتحدة لإنهاء ولاية السيدة ويليامز وتحديد نطاق دورها الاستشاري.

(6) معارضة شركاء ليبيا الأوروبيين والولايات المتحدة الامريكية، للدور الروسي وعدم قبول ترشح سيف القذافي لمنصب الرئاسة.

(7) تولي البرلمان ومجلس الدولة زمام المبادرة السياسية من خلال “صفقة التفاهمات” يبدو أنه لقي تفهما من جانب السيدة ويليامز التي ظلت في موقف المترقب لتطورات الأحداث واكتفت بالتواصل واللقاءات مع مختلف الأطراف والفعاليات، ولم تصدر بيانات رسمية تفيد عكس ذلك من جانب الأمم المتحدة والشركاء الدوليين الرئيسيين، وفي مرحلة لاحقة تركزت تصريحات السيدة ستيفاني والسفير الأمريكي نورلاند حول ضرورة العودة إلى المسار الانتخابي طبقا لخارطة طريق جنيف، والتركيز على أولوية العملية الانتخابية البرلمانية والرئاسية على ما عداها بما في ذلك مساعي تغيير الحكومة.

****

  فاضل بن عاشور ـ  دبلوماسي ليبي متقاعد

_____________

 

مواد ذات علاقة