د. حسن دياب

في معجمه الموسوعة “لسان العرب”، يُعرّف ابن منظور السياسة بأنها من السوس بمعنى الرياسة، وإذا رأسوه قيل سوسوه وأساسوه، وساس الأمر سياسة قام به. والسوس هو أيضاً الطبع والخلق والسجيَّة. والسياسة هي القيام بالأمر بما يصلحه.

ويذكر أرسطو أن الإنسان بطبعه حيوان سياسي، وأن الإنسان الذي يعيش بدون دولة فهو ملاك أو بهيم.

والمقصود هنا من حيوان سياسي أي حيوان مدني لا حيوان اجتماعي، لأن الحيوانات يمكن أن تكون اجتماعية، ولكن الإنسان وحده يستطيع أن يكون سياسياً مدنياً.

كما يُعرّف معجم ليتره “Littré” السياسة بأنها علم حكم الدول، ويعرفها معجم روبير “Robert” بأنها فن حكم المجتمعات الإنسانية.

ويقول حسن صعب في كتابه الموسوعة “علم السياسة” بأن إبرهيم وموسى وعيسى ومحمد سياسيون بقدر ما هم رسل وأنبياء. وقد مارس كلّ منهم السياسة وهو يبشّر بالرسالة. وهم أئمة الإصلاح والصلاح في كل زمان ومكان.

وإذا كانت السياسة هي علم وفن حكم البشر كما يقول أفلاطون، فهل يحق لرجال السياسة اللجوء إلى أساليب التضليل والخداع لتلميع صورتهم بهدف الوصول إلى غاياتهم لبلوغ السلطة والتحكّم بمصائر الشعوب؟

وهل السياسة باتت مرآة تحاسدات الحكام ومنافساتهم ومنازعاتهم وصراعاتهم ومخادعاتهم ومناوراتهم وجرائمهم ومؤامراتهم كما يقول الكوكبي في كتابه “طبائع الاستبداد“؟

أية مشروعية تحلّل للسياسي اعتماد الكذب والمراوغة والتضليل خلال ممارسته السلطة على شعبه؟

إذا كان الكذب في حدّ ذاته وسيلة لا أخلاقية ومنافية للقيَم العامة، فكيف يتسنى للكذب والخداع أن يكتسبا مشروعية سياسية؟

غير أنه أخطر ما في الكذب السياسي هو التوظيف النفعي للدين، وكذلك صناعة الأساطير سواء أكانت قومية أو دينية لتحقيق أهداف معينة، وقد تتمثّل هذه الفائدة هنا في إضفاء الشرعية السياسية على طابعها الإيديولوجي السلطوي.

فالحركة الصهيونية، مثلاً، لم تبتكر أسطورة أرض الميعاد، ولم تسهم في كتابة الأسفار الدينية، ولم تبتكر أسطورة شعب الله المختار، لكنها وظّفت هذه الأسطورة سياسياً لتحقيق أهداف سياسية أدت إلى نشوء دولة “إسرائيل” على حساب الدولة الفلسطينية.

ويخلص الفيلسوف الألماني هانزر بلومنبرغ إلى أن الأسطورة تُعدُّ أكثر حيوية، وأكثر سرعة في التأثير على الأفراد والجماعات، لأنها قادرة على التغلغل إلى نفوسهم وعقولهم.

لقد استخدم النازيون مثلاً أسطورة العرق الآري لشد عصب الشعب الألماني في مواجهة الأعداء.

ويبدو أن الكذب السياسي هو ابن السلطة، بحيث يجد كثير من السياسيين مبررات لممارسة الكذب، وهم مستريحو الضمير، مستندين إلى خلفيات فكرية ونظرية أجاد فيها فلاسفة كثر، كأن يتحدث أفلاطون عن “الكذب النبيل“، ويقول فولتير إن “له قيمته”، فيما يعتقد أتباع ليو شتراوس من المحافظين الأميركيين الجدد أن “الجماهير لا يمكن أن تُساس وتُحكم إلا بالكذب، كما يُفرط مكيافيلي في الكذب عبر كتابه الشهير “الأمير” من منطلق اعتقاده في أن السياسي لا ينتصر فقط بالقوة بل بالحيلة والخديعة.

وغالباً ما يستعمل السياسي أدوات الخطابة والجدل والبلاغة لقلب الوقائع وإحداث التغيير المطلوب في نفوس الجماهير، لتصبح مهمة السياسي الكاذب تكمن في تحويل الاستعارة إلى حقيقة عبر تجريدها عن واقعيتها.

وعلى الرغم من أن الكذب هو طريقة للسطو على الحقيقة وإلغائها، أو هو حقيقة ذاتية بديلاً من الحقيقة الموضوعية، فإن محترفي الكذب من السياسيين يعتبرون أن من حقهم الكذب لأن مصلحة الدولة أو الطائفة التي ينتمون إليها تقتضي هذا من وجهة نظرهم، مدفوعين بعدة اعتبارات براغماتية.

ويعتقد بعض القادة السياسيين بأن عليهم مسؤولية أخلاقية تدفعهم إلى الكذب بغية حماية مواقعهم في السلطة خلال مواجهة الآخرين المعارضين لهم. ولذا، فإنهم يكذبون في قضايا السياسة الخارجية أو الداخلية عن قصد وتعمّد، مطمئنين بأن جماهيرهم عادة لا تحاسبهم أو تعاقبهم بسبب خداعهم. فالكاذب السياسي يعرف الحقيقة، إلا أنه يضعها جانباً، ويطلق معلومات مضلّلة تسمح له بتحقيق أغراضه الخاصة بحسب ما يرى الفيلسوف كانط نفسه.

فإذا كان الكذب والخداع عند مكيافلي هي أدوات ضرورية في يد “الأمير” للحفاظ على نفسه وموقعه، وابتعاده عن الطيبة والخير، وذلك وفقاً لضرورات الحالات التي يواجهها، فإن اوغسطين وكانط اتخذا موقفاً صارماً ضد الكذب السياسي، حيث لم يسوّغ كانط اللجوء إلى الكذب تحت أي مبرر، أو في أي ظرف من الظروف، بينما أوغسطين نظر إلى الكذب كفعل لاأخلاقي، وكخطيئة، مستنداً إلى تعاليم الكتاب المقدس وإرشادات المسيحية التي تزدري الكذب، وتحضّ على التمسّك بفضيلة الصدق.

وذهب أوغسطين إلى أن الأكاذيب تولّد المزيد من الأكاذيب، وتالياً فهي رذائل ومبرراتها غير أخلاقية، وتعبّر عن حالة من حالات الضعف الإنساني، وتؤدي إلى وقوع الشرور الخطيرة على الدولة والمجتمع.

ويُعدُّ جوبلز وزير الدعاية النازية وصاحب الشعار الشهير “أكذب، أكذب، أكذب حتى يصدقك الناس” أحد أبرز المدافعين عن ثقافة الكذب والخداع والتضليل، وهو القائل “أعطني إعلاماً بلا ضمير، أعطك شعباً بلا وعي“.

وهكذا يصبح الكذب ثقافة يومية يمارسها السياسي دفاعاً عن مصالحه وأهدافه الخاصة، ولكنه يوهم مناصريه بأنه يدافع عنهم وعن مصالحهم.

ويحمل الكذب معاني التضليل والغش والمخاتلة والتزوير والتزييف والدهاء والحيلة وإخفاء الأسرار والغدر والمكر والمراوغة والمناورة، إلى جانب تبرير فعل شائن، أو تلميع صورة، أو إخفاء فضيحة.

فانتشار الكذب في دولة ما قد يدمّر كيانها، ويُضعف من استقرارها وأمنها الداخلي مهما كان التذرّع بأن الكذب هو نبيل أو أبيض او إيثاري، فالكذب كيفما تمّ تجميله أو تشذيبه أو تبريره يبقى هو الكذب.

______________

مواد ذات علاقة