أما في البلدان التي ما زالت تعيش انكساراتها المتعاقبة، مثل ليبيا والسودان واليمن، فقد زاحمت الصراعات المُسلحة والمصالح الأيديولوجية المصلحة الوطنية بل وغلبت عليها، حيث سعت شخصيات بعينها لتحقيق أهداف ضيقة على حساب الشعوب نفسها، وبسبب الصراع الداخلي على النفوذ والمواقع، خرج قادة من صفوف الثورة وانحازوا علنا إلى أعدائها. في هذا التقرير نسرد ثلاث حكايات ووقائع منفصلة لأشخاص هدموا واقعا ثوريا شاركوا فيه، وأعادوا تشكيله وفق غاياتهم.

عبد الملك الحوثي.. الدهاء المعقود بالنصر

في 27 يناير/كانون الثاني عام 2011، هبَّت رياح الربيع العربي في قلب العاصمة اليمنية صنعاء، وحين بدا أن نجم الرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح، قد أفل، وأن تلك الأصوات التي تهدر غضبا في الميادين ستدفعه عاجلا أو آجلا خارج السلطة، سارع الحوثيون للإعلان عن وجودهم في الثورة، باعتبارهم أبناء المذهب الزيدي الشيعي المُتسم بطابع التمرد، وإحدى أكثر الفئات التي تعرَّضت للظلم والتهميش طيلة ست حروب سابقة خاضها “صالح” ضدهم، قبل أن يتفاجأ منهم بمقاومة شرسة وتفوُّق عسكري لم يكن في الحُسبان.

لم يُفلح دهاء السياسة ولا عنف المواجهة في مساعدة الرئيس اليمني الذي حكم البلاد ثلاثة عقود في استعادة زمام السيطرة، أعلن الحوثيون عن وجودهم في الميادين بشعارهم الأثير الحاضر في الهزائم والانتصارات: “الموت لأميركا، الموت لإسرائيل”، للمطالبة برحيل عدوهم اللدود عن السلطة، وبدأوا في الوقت نفسه إحكام سيطرتهم على المحافظات الشمالية، ومنها “صعدة” المعقل الرئيس للجماعة وقلعتها السياسية، مع حث الجنوب اليمني الذي يشهد أغلبية سُنية على التمرد هو الآخر لإحياء حُلم الانفصال من جديد. وفي ظل واقع سياسي مضطرب، هرعت السعودية وتدخَّلت بما تمتلك من نفوذ في الداخل، وتوصَّلت إلى “المبادرة الخليجية” التي وضعت تصوُّرا للسلطة الانتقالية عبر رحيل صالح، مقابل منحه حصانة تحميه من المُساءلة.

ولأن السياسة هي اللعبة الأكثر دهاء التي يغيب فيها الصديق الدائم والعدو الأبدي، أعاد زعيم الحوثيين الشاب عبد الملك الحوثي ترتيب أوراقه، وتنكَّر مؤقتا لحقيقة أن “صالح” هو قاتل أخيه والعدو اللدود لحركته، وقرَّر التقارب معه مُجددا، ليعقد الثنائي بعدها صفقة غيَّرت مسار الثورة اليمنية لاحقا، وحوَّلتها إلى حرب أهلية بحسابات إقليمية معقدة. عرفت هذه الفترة صعودا سياسيا نافذا لحزب الإصلاح اليمني، الذي ظهر تأثيره النافذ جليا على أروقة السياسة والحُكم، وهو ما خلق اعتقادا راسخا لدى كلٍّ من الرئيس المخلوع والحوثيين بأن وجود صنعاء خارج سيطرتهم، في ظل الحكم الجديد، يُمثِّل خطرا أكيدا على مستقبلهم السياسي، وهي النظرة نفسها التي كانت لدى السعودية التي انتظرت قرابة ستة أشهر كاملة على سقوط صنعاء حتى تتأكد من هزيمة خصمها السني على يد عدوها الشيعي، قبل إعلان الحرب على اليمن تحت شعار استعادة الشرعية المسلوبة.

أدرك الحوثيون خيوط اللعبة وأبعادها سريعا، فاستعملوا القوة الضاربة لقوات الحرس الجمهوري والقوات الخاصة اللتين تدينان بالولاء المُطلق للرئيس المخلوع للسيطرة على 12 محافظة من أصل 22، بدأت بعد ذلك مرحلة الدفاع عن المكتسبات مهما كلَّف الأمر، وكانت البداية بالتخلُّص من شريكهم الرئيس اليمني المخلوع الذي دخل في مفاوضات سرية مع السعودية لفض شراكته مع الحوثيين، بحسب تسريبات موقع أميركي، مقابل أن تضمن له الرياض العودة للحكم مرة أخرى، وبينما اعتقد صالح خطأ بأنه الطرف الأقوى في معادلة الصراع داخليا وخارجيا، أثبتت الترسانة العسكرية التي طوَّرها الحوثيون عدم وجاهة ذلك الاعتقاد الذي أودى بحياته مقتولا، لتضطر السعودية بعدها، ومن خلفها الحكومة اليمنية، للتفاوض لأول مرة مع الحوثيين، واعتبارهم جزءا من الحل السياسي، دون أن تتمكَّن لغة الحرب أو أدوات السياسة من إخضاعهم حتى الآن.

فتحي باشاغا.. حليف أعدائه وعدو أصدقائه

في ليبيا لم تكن القصة بالأحداث المتشابكة نفسها التي دارت في اليمن، فبطل تلك السطور هو فتحي باشاغا، رئيس الحكومة الجديدة التي عيَّنها البرلمان الليبي، في مقابل حكومة الوحدة الانتقالية الحالية التي يرأسها عبد الحميد الدبيبة، التي ما زالت تحظى بشرعية دولية من الأمم المتحدة، وتُصِرُّ على استكمال مهامها استنادا إلى الاتفاق السياسي الذي قادته البعثة الأممية في ليبيا، وحدَّد استمرار عملها 18 شهرا تنتهي في يونيو/حزيران عام 2022، وهي أقصى مهلة لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، يعقبهما نظريا تسليم السلطة.

وبالعودة إلى فصول البدايات، ستتضح لنا أكثر فأكثر ضخامة مفاجأة التغيير السياسي الأخير في ليبيا، فباشاغا، الضابط السابق في سلاح الطيران، وصاحب الكاريزما الغامضة، والوجه الهادئ ذو النظرات الحادة، كان أحد القادة العسكريين البارزين لمدينة مصراتة، وأحد أعضاء المجلس العسكري الذي لعب دورا بارزا في الثورة الليبية بتواصله مع حلف الناتو في خطوة صنعت له نفوذا داخليا، إلى جانب كونه من مؤسسي كتائب “فجر ليبيا” الإسلامية ذائعة الصيت، التي كسرت طموح حفتر عدة مرات، بعد أن تشكَّلت بالأساس لمجابهة مشروعه العسكري في حرب متعددة الأبعاد حاول الجنرال الليبي حصرها في صراع أيديولوجي علماني ضد تمكين التيارات الإسلامية التي وجدت لنفسها مكانا ذلك الوقت في كلٍّ من مصر وتونس واليمن.

لكن هذا التغيُّر في موقع باشاغا لم يأتِ بين ليلة وضحاها، بل سبقته بعض الدلالات على أن الضابط السابق المقرَّب من التيار الإسلامي ورجل الأعمال الثري قد بدأ شق طريقه ليكون الرجل الأقوى في الغرب الليبي، اتضحت معالم تلك الرؤية رويدا رويدا بعدما لعب دورا في توقيع اتفاق “الصخيرات” سنة 2015، الذي اعتُبر حينها أهم اتفاق سياسي في تاريخ الأزمة، صعد باشاغا على إثر هذا الاتفاق إلى منصب وزير الداخلية في حكومة الوفاق، مستفيدا من نفوذه الواسع، وصيته الذي لا يُضاهى في أرض الفوضى التي تعج بالميليشيات وينضوي أقواها تحت لوائه مباشرة، ما سمح له بجعل طرابلس عصية على السقوط في يد حفتر الذي يقاسمه كل شيء تقريبا من حُلم السلطة والنفوذ إلى الصِّلات المفتوحة مع الغرب.

مَثَّل باشاغا رقما صعبا في معادلة الصراع الليبي، حتى تغيَّرت قواعد اللعبة عقب استقالة رئيس حكومة الوفاق فايز السراج، وتدخُّل الأمم المتحدة لترتيب السلطة، وإعادة تشكيل المشهد السياسي عبر وجوه جديدة، صعد على إثرها عبد الحميد الدبيبة لرئاسة الحكومة، ولم يحصل باشاغا على أي دور تنفيذي، وبجانب ذلك، جُرِّد خليفة حفتر من منصب وزير الدفاع رسميا، وإن احتفظ به فعليا عبر سيطرته العسكرية على الجزء الأكبر من ليبيا، كما بات عقيلة صالح، عرّاب حرب طرابلس الفعلي، مُهدَّدا بالخروج من المشهد السياسي برُمَّته، عقب محاولات النواب توحيد البرلمان المنقسم بين الشرق والغرب.

الصادق المهدي.. المتنبئ بأزمات السودان

لسنوات طويلة، صنعت عائلة رئيس الوزراء السوداني الأسبق، ورئيس حزب الأمة الراحل، الصادق المهدي التاريخ القريب للسودان، بدمائه وآلامه وانتصاراته، كما كان لها أيضا نصيب وافر في هزائمه، فجَدُّه الأكبر هو محمد أحمد المهدي، الذي أعلن عام 1881 أنه المهدي المنتظر، وقاد ما عُرفت باسم “الثورة المهدية”، ردا على مظالم الحكم تحت الوصاية الإنجليزية في السودان، وجذب جموعا حاشدة ممَّن تعلَّقت قلوبهم بالإسلام الصوفي المتغلغل في البيئة السودانية، حتى جذبت حركته أعلام الفكر الإسلامي في العالم العربي الذين تقاسموا ويلات الاستعمار. أما جَدُّه المباشر فهو عبد الرحمن المهدي، رئيس حزب “الأمة”، الذي قاد مفاوضات سرية مع الإنجليز، وخاض مواجهات علنية، بهدف انفصال السودان عن التاج المصري.

تتصل مسيرة الابن بمسيرة آبائه في رسم مصير السودان، إذ يرتبط اسم الصادق المهدي في أذهان السودانيين بآخر عهد ديمقراطي شهدته البلاد، باعتباره آخر رئيس وزراء مُنتخَب قبل أن ينقلب عليه الجيش عام 1989، ويصعد بديلا عنه الرئيس المخلوع عمر البشير، الخصم الذي هوت به المقادير في ثورة أطاحت بنظامه عام 2019، لتعود الأحلام القديمة للرجل الذي عانى مظلومية سياسية طيلة حياته، مُعلِنا انحيازه للثوار. كما أنه رفض أي ارتباط سياسي مع الحكومة لاحتواء الأزمة، وباعتباره أبرز زعماء المعارضة، فإنه اقترح تشكيل حكومة جديدة تشمل كل الأطراف، وهو ما مَثَّل دعوة صريحة للانقلاب على نظام البشير.

أهَّل هذا الدور القيادي “المهدي” لتصدُّر أبرز الأسماء المحتملة لخلافة البشير، باعتباره وجها قديما ارتبط في مخيلة الكثيرين بالعهد الديمقراطي الغائب، دون أن يُقلِّل عُمره الذي جاوز آنذاك الثمانين من فُرص حضوره على الساحة السياسية، خاصة أنه لم يفقد بعد شهوة الحكم التي ظلَّت تطارده حتى وهو في منفاه الاختياري في القاهرة، لكنه قرَّر بصورة مفاجأة إيقاف التصعيد ضد الحكومة، ورفض الدعوة لمقاطعة الانتخابات التي كانت مُقرَّرة عام 2020، بعد تعديل سمح للبشير بالبقاء على رأس الحكم، في وقت كان ابنه يعمل مساعدا شخصيا للرئيس السوداني.

وحتى بعد سقوط البشير، استمرَّت التناقضات الصارخة التي رسمت مسيرة الصادق المهدي. وعلى عكس كل القوى المدنية التي طالبت الجيش السوداني بالخروج تماما من المشهد، انحاز الرجل علانية إلى المجلس العسكري، ورأى أن الحل الأسلم لعبور البلاد من مأزقها هو عدم مواجهة الطرف الأقوى في المعادلة (يقصد المؤسسة العسكرية)، واعتبر أن أخطاء الثوار ستقود في القريب العاجل إلى ثلاثة سيناريوهات: الفوضى، أو الانقلاب العسكري، أو القفز إلى انتخابات مبكرة.

لم يشهد الصادق المهدي، الذي توفي عام 2020، للمفارقة تأزُّم الأوضاع بين المُكوِّنين المدني والعسكري، ما دفع رئيس المجلس السيادي الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى القيام بانقلاب عسكري على حكومة عبد الله حمدوك في أكتوبر/تشرين الأول 2021، لتدخل البلاد مرحلة مجهولة لم تنتهِ حتى الآن مع سيناريوهات مظلمة تحوم في الأفق، فيما يظل السيناريو الأقرب إلى أرض الواقع، وإلى قلب عسكر البلاد أيضا، هو الدعوة لانتخابات رئاسية مُبكرة بمَن حضر، وهو ما يُمثِّل الجزء الثاني من نبوءة “مهدي الخرطوم” الذي أشعل الثورة قبل أن ينحاز إلى أعدائها.

انحاز المهدي إلى نظام البشير، ووضع عبد الملك الحوثي وفتحي باشاغا أياديهم في يد خصومهم المُعادين لثورات انتموا إليها قبل ذلك، لكن هذه التحالفات وإن كانت مؤثرة، فإنها ما زالت عاجزة عن حسم المعركة لصالح معسكر “الثورات المضادة”، ووحدها الأيام ستكشف عن مصير تلك الثورة التي اندلعت ذات يوم في تونس ومَسَّت مطالبها بالعدالة والحرية والمساواة أقطارا عربية أخرى ما زالت تعيش مخاض الربيع العربي العسير.

***

محمد العربي ـ كاتب وباحث في العلاقات الدولية

_____________

المصدر : الجزيرة

مواد ذات علاقة