طرح رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة خريطة طريق مثيرة للجدل، ليس من خلال دعوته للاستفتاء على الدستور وتنظيم انتخابات برلمانية تليها انتخابات رئاسية في غضون يونيو/حزيران المقبل، بل في آليات تنفيذها.

خطة الدبيبة مبنية على إجراء الانتخابات البرلمانية بالتزامن مع الاستفتاء على الدستور وترحيل الانتخابات الرئاسية إلى أجل غير مسمى
الدبيبة يعول على دعم المجلس الرئاسي والمفوضية العليا للانتخابات في ظل اختيار مجلس النواب مسار مختلف
المجلس الرئاسي ومفوضية الانتخابات غير متحمسين لدعم خريطة طريق الدبيبة نحو الانتخابات البرلمانية

طرح رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة خريطة طريق مثيرة للجدل، ليس من خلال دعوته للاستفتاء على الدستور وتنظيم انتخابات برلمانية تليها انتخابات رئاسية في غضون يونيو/حزيران المقبل، بل في آليات تنفيذها.

ويقدم الدبيبة، في خطته لتنظيم الانتخابات عاجلا غير آجل، مقترحات ثورية وغير تقليدية، ورغم أنه يتهم كلا من مجلسي النواب والأعلى للدولة (نيابي استشاري) بعرقلة إجراء الانتخابات، إلا أنه يعتبرهما جزءا من آليات تنفيذ خطته.

ويقترح إحياء ملتقى الحوار السياسي للعب دور المُشرع إذا ما رفض مجلسا النواب والدولة تمرير قانون الانتخابات البرلمانية التي ستقترحها لجنة فنية (إدارية) تشكلها الحكومة.

ويبرر رئيس حكومة الوحدة سبب لجوئه إلى خطته الثورية، التي يتهمه خصومه بمحاولة السطو على اختصاصات السلطة التشريعية، بأن خريطة الطريق التي “توافق” عليها مجلسا النواب والدولة، “ستؤدي حتما إلى الحرب”، خاصة وأن الطبقة السياسية المهيمنة لا تريد الاستماع إلى أصوات المواطنين الرافضة “للتمديد”.

خريطة طريق الدبيبة

وتتمثل خطة الدبيبة، في أن تشكل الحكومة لجنة فنية لإعداد مشروع قانون الانتخابات البرلمانية.

ويتولى مجلس الوزراء تقديم مشروع قانون الانتخابات البرلمانية إلى المجلس الأعلى للدولة، وفقا للاتفاق السياسي، ثم يحال إلى مجلس النواب، لإقراره خلال أسبوعين.

وتفترض الخطة جدلا تعذر ذلك، بسبب تعارض المصالح، فيحال مشروع قانون الانتخابات إلى ملتقى الحوار السياسي، للموافقة عليه، ويصدر بمرسوم رئاسي من المجلس الرئاسي.

وحددت الخطة هذه المرحلة بأربعة أسابيع، أي في حدود 14 مارس/آذار المقبل كحد أقصى.

وفي حالة تعذر إنجاز هذا المسار، يتم اعتماد قانون الانتخابات البرلمانية رقم 2، والذي اعتمده مجلس النواب في 2021، والذي على أساسه أجريت الانتخابات البرلمانية في 2014 (قبل تعديله في 2021).

تنطلق العملية الانتخابية قبل انتهاء المرحلة الانتقالية التي حددها ملتقى الحوار السياسي بيوم 24 يونيو 2022.

تضع مفوضية الانتخابات بالتشاور مع الحكومة والمجلس الرئاسي جدول زمني للانتخابات، تتضمن تسجيل الناخبين (استدعاء الهيئة الناخبة) واستكمال قوائم المترشحين، والوقت الكافي للحملة الانتخابية.

يجرى الاستفتاء على مشروع الدستور وفق التعديل العاشر للإعلان الدستوري، وقانون الاستفتاء المحال للمفوضية العليا للانتخابات.

وتقترح الخطة إجراء الاستفتاء على الدستور بالتزامن مع الانتخابات البرلمانية، على أن يختص البرلمان القادم باستكمال المسار الدستوري.

ويلوح الدبيبة إمكانية إجراء الاستشارة الالكترونية أو التصويت الالكتروني في حال محاولة أي طرف استخدام القوة.

ولم يحدد الدبيبة في خطته أي مهلة زمنية بشأن الانتخابات الرئاسية، باستثناء ترحيلها إلى ما بعد الانتخابات البرلمانية والاستفتاء على الدستور، لكنه وعد بتسليم السلطة لحكومة منتخبة، وعدم الترشح للرئاسيات رغم حظوظه الكبيرة في الفوز بها.

مثالب وعراقيل

أحد أبرز الانتقادات التي وجهت إلى خطة الدبيبة، أنها منحت لنفسها سلطة اقتراح مشروع قانون الانتخابات البرلمانية، الذي يُعد من صلاحيات مجلس النواب.

وأولى الأطراف التي انتقدت هذه الخطة هيئة الرقابة الإدارية، التي طالبت الدبيبة، بسحب قرار تشكيل لجنة تتولى إعداد مسودة قانون الانتخاب البرلمانية، لأنه مخالف للقانون باعتبار أن الحكومة مهمتها “تصريف الأعمال” وليس “تجاوز اختصاصات السلطة التشريعية”.

كما أن المفوضية العليا للانتخابات من المستبعد أن تتجاوب مع هذه الآلية، إذ قال أبوبكر مردة، عضو المفوضية “مقترح الدبيبة بتشكيل لجنة وصياغة قانون للانتخابات، لابد أن يحال إلى مجلس النواب أولا، بصفته الجهة التشريعية”.

فالإعلان الدستوري الليبي لا يمنح للحكومة صلاحية تقديم مشاريع قوانين للبرلمان، كما هو متعامل به في جميع البلدان “المستقرة سياسيا”، إلا في حالات استثنائية، كتلك التي استند إليها الرئيس التونسي قيس سعيد، في تبرير قرار تعليق البرلمان، وإقالة الحكومة، وحل المجلس الأعلى للقضاء.

“فالخطر الداهم” الذي يمكن أن يستند إليه الدبيبة، للقيام بإجراء استثنائي، يتمثل في حديثه أن مسار مجلس النواب “سيؤدي حتما إلى الحرب”.

لكن السلطة التنفيذية ليست بيد الدبيبة لوحده، فالمجلس الرئاسي معني بالدرجة الأولى بالإجراءات الاستثنائية بما فيها حل البرلمان.

والدبيبة، يُقر أن المجلس الرئاسي معني بإصدار قانون الانتخابات البرلمانية بمرسوم رئاسي، بعد إقراره من ملتقى الحوار السياسي، إذا تعذر على البرلمان اعتماده.

لكن مواقف المجلس الرئاسي المعلنة، ليست على نفس إيقاع حكومة الدبيبة، بل لا يعتبر المجلس نفسه طرفا في هذا الصراع، ويقترح الوساطة بين الدبيبة وفتحي باشاغا، رئيس الحكومة المكلف من مجلس النواب.

وحضّر الدبيبة نفسه جيدا لمثل هذا السيناريو، لذلك تقترح خطته أن يتم إجراء الانتخابات البرلمانية، بنفس القانون الذي أجريت به انتخابات 2014، والذي عدل في 2021، رغم كل ما أثير حوله من انتقادات.

وحتى إن تم تجاوز مشكل قانون الانتخابات البرلمانية، فإن مفوضية الانتخابات برئاسة عماد السائح، لا تبدي حماسة في تنظيم الانتخابات دون ضوء أخضر من مجلس النواب في طبرق.

والمجلس الرئاسي لا يريد هو الآخر إلقاء حبل النجاة لحكومة الدبيبة، التي سبق وأن دخل معها في صدامات عديدة بعدما رفضت طلبه بتعيين وزير للدفاع، وأيضا بعد إقالته لوزيرة الخارجية نجلاء المنقوش، وفي كلتا الحالتين عطل الدبيبة القرارين.

فالدبيبة، أمام طريق مسدود، ورجال الدولة الذين كانوا ملتفين حوله، لا يقدمون له الدعم اللازم في أحلك الظروف، وأحسنهم يفضل الحياد وانتظار إلى من تميل له الكفة.

غير أن الدبيبة، حصل على هدية لا تقدر بثمن، بعد أن صوت أغلبية أعضاء مجلس الدولة على رفض قرارات مجلس النواب، ما سيلغي عنها صفة التوافق، ويدعم خطة حكومة الوحدة.

ويبقى أمام الدبيبة، خيارين إما عقد اتفاقات وتقديم تنازلات لكل من المجلس الرئاسي، والمفوضية العليا الانتخابات، للشروع في تنظيم الانتخابات، أو ممارسة الضغط الشعبي عليهما لدفعهما نحو دعم خيار الانتخابات في يونيو.

والخيار الأخير لجأ إليه الدبيبة فعليا، حيث دعا، الأربعاء، المواطنين “للخروج إلى الميادين لإنجاح هذه المبادرة”، قائلا “لا يوجد أي قوة تستطيع أن تعارض إرادة الشعب”.

وحتى وإن نجحت حكومة الدبيبة في إقناع المؤسسات الدستورية في طرابلس بالمشاركة في تنظيم الانتخابات والإشراف عليها، فإن الطرف الآخر ممثلا في مجلس النواب بطبرق، وباشاغا، وخليفة حفتر، قائد قوات الشرق، لن يسمحوا بإجراء الانتخابات في مناطق سيطرتهم ونفوذهم، ما سيؤدي إلى إسقاطها قانونا.

والدبيبة وضع هذا الاحتمال في الحسبان، لذلك يقترح إجراء التصويت الالكتروني، برقابة دولية، لتفادي عرقلة الانتخابات.

وإذا افترضنا نجاح حكومة الدبيبة في إجراء الانتخابات البرلمانية بالتزامن مع الاستفتاء على مشروع الدستور، فإن ذلك لن يؤدي سوى لترسيخ الانقسام، لأن الطرف الآخر لن يقبل على الأغلب بنتائج هذه الانتخابات ولا بالدستور الذي سينتج عن الاستفتاء.

ففرص نجاح خطة الدبيبة محدودة في غياب آليات تنفيذها، لكن نجاحها سيفضي إلى الانقسام ولن يبعد شبح الحرب.

_______________

مواد ذات علاقة