نشر مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد OCCRP أمس الأحد 20 فبراير (شباط) 2022 تقريرًا عن تسريبات بنك (كريدي سويس) الأخيرة والتي كشفت عن بيانات تشير إلى أن 15 شخصية استخباراتية حول العالم، أو أفراد مقربين لهم من عائلاتهم، قد امتلكوا حسابات في البنك، بعضها تمتلك أرصدة هائلة. ويتضمن مالكو هذه الحسابات رؤساء المخابرات في الأردن، واليمن، والعراق، ومصر، وباكستان، بعض من هؤلاء قد اتهم في جرائم مالية أو تعذيب، أو كليهما.

الوحوش الأربعة في تسريبات كريدي سويس

يستهل الكاتب حديثه عن الحرب على الإرهاب، وكيف أن الاستراتيجية الدولية اعتمدت فيها بشكل رئيس على مسئولين استخباراتيين من أنظمة متهمة بالفساد والتعذيب، بعضهم امتلك حسابات مالية كبيرة للغاية في كريدي سويس.

ويضيف التقرير أنه من بين أولئك المسئولين كان سعد خير؛ رئيس المخابرات العامة الأردنية في الفترة ما بين عام 2000 و2005، والذي كان حليفًا أساسيًا للولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب. اشترك خير في أعمال مريبة أخلاقيًا، وبالإضافة إلى الزعم بأنه اشترك في تهريب النفط، أشرف خير على دور الأردن في برنامج الولايات المتحدة للتسليم الاستثنائي، حيث أدار وكالة متهمة بتعذيب المسجونين والإشراف على محاكم الكنغر؛ أي تلك المحاكم غير الرسمية التي لا تعتمد على الأدلة في إدانة المتهمين.

ويشير التقرير إلى أنه في عام 2003، فتح خير حسابًا شخصيًا في كريدي سويس. وعلى مدار السنوات السبعة التالية، نمى رصيده إلى 28.3 مليون فرانك سويسري (21 مليون دولار في حينها) في قمة زيادته، قبل أن يغلق بعد وفاته بشهور عام 2009. لم يكن خير هو المخابراتي الوحيد الذي ادخر مبالغ ضخمة في كريدي سويس، إذ إن الصحافيين وجدوا أن هناك على الأقل 15 شخصية استخباراتية في أماكن قيادية حول العالم، أو أفرادًا مقربين من عائلاتهم، كانوا عملاء للبنك.

ويؤكد التقرير على أن ذلك الكشف قد نتج عن كمية هائلة من التسريبات لبيانات بنكية من كريدي سويس حصلت عليها الصحيفة الألمانية (سود دويتشه زايتونج) وتمت مشاركتها مع OCCRP. بالإضافة إلى خير، يبين التقرير أن ثلاثة مسئولين استخباراتيين لديهم سيرة مهنية مشابهة؛ ما يجعلهم متميزين عن البقية، وهم: عمر سليمان من مصر، والجنرال أختر عبد الرحمن من باكستان، وغالب القمش من اليمن. أدار الأربعة وكالات استخباراتية تمتلك ميزانيات خفية بعيدة عن سلطة البرلمان والفحص الدقيق، كما أنهم بالإضافة إلى أفراد من عائلاتهم امتلكوا حسابات شخصية في كريدي سويس تكتظ بالمبالغ الضخمة، دون مصادر دخل واضحة تبين كيفية حصولهم على تلك المبالغ.

لعب الأربعة أيضًا أدوارًا في التدخلات الأمريكية في الشرق الأوسط وأفغانستان، وذلك منذ المحاولات الأولية لوكالة الاستخبارات الأمريكية في دعم (المجاهدين) أواخر السبعينيات، مرورًا بحرب الخليج عام 1990، وحتى الحروب المدعوة (بالحروب الأبدية) في أفغانستان والعراق منذ عام 2001. ثلاثة من تلك الشخصيات، وهم: القمش، وسليمان، وخير، كانوا مسئولين عن وكالات معروفة بانخراطها في التعذيب، بالإضافة إلى أن ثمانية من أفراد عائلاتهم على الأقل امتلكوا حسابات في كريدي سويس. يمضي التقرير في عمل ملف لكل شخصية من الشخصيات الأربعة، ويبين كيفية حصول كل واحد منهم على تلك الحسابات المكتظة في كريدي سويس.

أختر عبد الرحمن والتدفقات المالية السرية

مع نهاية السبعينات من القرن الماضي دعمت الولايات المتحدة سبع فصائل مختلفة من المجاهدين الذين كانوا يقاومون الحضور الروسي في أفغانستان. أرسلت المملكة العربية السعودية إلى المجاهدين دولارًا لكل دولار أرسلته الولايات المتحدة، واختارت السعودية حساب وكالة الاستخبارات الأمريكية في كريدي سويس ليكون وسيطًا بينهما. كانت الجهة النهائية المتلقية لتلك التمويلات هي مجموعة الخدمات البينية الباكستانية ISI، والتي قادها أختر عبد الرحمن ذاته.

في منتصف الثمانينيات، برع أختر في توصيل تمويلات وكالة الاستخبارات الأمريكية إلى أيادي المجاهدين الأفغان. وفي تلك الفترة، فتحت حسابات بنكية لثلاثة من أبنائه، ويشير التقرير إلى ادعاء محمد يوساف؛ زميل أختر في مجموعة الخدمات البينية، وستيف كول؛ الحاصل على جائزة بوليتزر عام 2005 عن كتابه (الحروب الشبحية)، أن أختر هو الذي كان يحدد أين تذهب الأموال تاليًا. وبهدف تدريب قوات المجاهدين بأسلحة متطورة، ائتمنته وكالة الاستخبارات الأمريكية على ملايين الدولارات، والتي وصلت عام 1984 إلى 200 مليون دولار.

وفي حديث له مع OCCRP، كما أفصح مصدر استخباراتي- لم يذكر اسمه – من شرق آسيا على علم بالعمليات الأفغانية أن أخنر عبد الرحمن كان متعاونًا مع وكالة الاستخبارات الأمريكية لملء جيوبه، وأن كثيرًا من الأموال اختلست من الحرب الأفغانية وأرسلت إلى حساباته البنكية.

وبحسب التقرير، فإن أحد حسابي عائلة أختر بكريدي سويس، والذي اشترك في امتلاكه أبناء أختر الثلاثة؛ أكبر وغازي وهارون، قد فتح في 1 يوليو (تموز) عام 1985، حينما كان الأبناء في أواخر العشرينات وبداية الثلاثينات من أعمارهم. وفي تلك السنة بالتحديد، أثار الرئيس الأمريكي رونالد ريجان شكوكًا عن مسار الأموال التي يفترض بها أن تذهب للمجاهدين. وبحلول عام 2003، وصلت قيمة ذلك الحساب على الأقل إلى 5 ملايين فرانك سويسري (3.7 مليون دولار أمريكي في حينها).

أما الحساب الآخر، والذي فتح عام 1986 فقط باسم الابن الذي يدعى أكبر، فقد وصل إلى 9 ملايين فرانك سويسري (9.2 ملايين دولار أمريكي في حينها) قبيل نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2010. ويجدر بالذكر أن أختر عبد الرحمن مات في حادثة تحطم طائرة عام 1988 رفقة رئيسه؛ الديكتاتور الباكستاني ضياء الحق.

غالب القمش: الصندوق الأسود

في الوقت الذي كان فيه أختر عبد الرحمن يتعاون مع وكالة الاستخبارات الأمريكية في أفغانستان، كان غالب القمش من اليمن يبدأ رحلة صعوده. يذكر التقرير أنه بحلول عام 1980، ترأس القمش مكتب الأمن السياسي باليمن (PSO)، والذي كان يدير المخابرات المحلية. وكما كان أختر يفعل في أفغانستان، كان القمش يجند مقاتلين للحرب الأفغانية ضد السوفييت.

يصف التقرير القمش بأنه الشخصية الغامضة التي أحكمت سيطرتها على جهاز الأمن اليمني لعقود، وأنه كان اليد الباطشة للرئيس المخلوع علي عبد الله صالح الذي حكم في الفترة ما بين 1978 وحتى 2012. ويضيف التقرير أنه حين فجرت القاعدة المدمرة الأمريكية «يو إس إس» كول في ميناء عدن اليمني عام 2000، كلف صالح القمش بمساعدة وكالة الاستخبارات الأمريكية لتحديد المتهمين.

بحسب حديث ثلاثة مسئولين عملوا تحت قيادة القمش في مكتب الأمن السياسي اليمني مع OCCRP، فإنه كان الشخصية الأكثر مهابة بين المسئولين الأمنيين في البلاد، وكان يوصف بأنه (الصندوق الأسود) للرئيس علي صالح. وأضاف المسئولون الذين رفضوا ذكر أسمائهم لخوفهم من البطش بهم أن القمش كان يمتلك ميزانية مفتوحة تصل إلى ملايين الدولارات تحت تصرفه وفق ما يراه.

بحسب التقرير، فإن حساب القمش في كريدي سويس، والذي فتح عام 1999، وصلت قيمته إلى 5 ملايين فرانك سويسري (3.7 مليون دولار أمريكي في حينها) بحلول عام 2006، في حين كان المرتب الشهري للقمش يتراوح ما بين 4000 و5000 دولار أمريكي متضمنًا الحوافز والبدلات، طبقًا للمسئولين المخابراتيين والإرشادات الرسمية لقانون المرتبات في اليمن.

اتهم القمش في انتهاكات مختلفة، من ضمنها المشاركة في برنامج الولايات المتحدة للتسليم الاستثنائي، والذي شهد إغداق ملايين الدولارات على مسئولين ومساعدين من الدول الحليفة في صورة تمويلات من وكالة الاستخبارات الأمريكية. تشير الوثائق الرسمية إلى أن مبالغ ضخمة قد أرسلت إلى الدول التي استضافت مواقع سوداء تجري فيها أعمال اعتقال واستجواب غير شرعية وتعذيب، وأيضًا إلى الأشخاص الذين قاموا بتلك الأعمال.

يؤكد التقرير على أنه حتى إذا قام كريدي سويس بالتحقق من مصدر أموال القمش أو صلاحيته كعميل، فإن هذا التحقيق لن يمنعه من التعامل معه، إذ إن حساباته قد صمدت لوقت طويل حتى بعد انخراطه في برنامج التسليم الاستثنائي وقمعه للمعارضين السياسيين اليمنيين.

بحسب التسريبات، فإن القمش قد سحب آخر أصوله من كريدي سويس، والتي بلغت 3.8 مليون فرانك سويسري (4 ملايين دولار في حينها) في يناير عام 2011، وهو الوقت الذي خرجت فيه الحشود في شوارع عدن بأول الربيع العربي.

جرى عزل القمش من منصبه كقائد لمكتب الأمن السياسي عام 2014 من قبل الرئيس عبد ربه منصور هادي، والذي أتى إلى السلطة بعد خلع الرئيس علي صالح، ويعيش حاليًا في اسطنبول حيث يبتعد عن المشهد، لكن أبناءه لا يزالون نشطين في مجال الأعمال في اليمن، والبحرين، والبرازيل، وتركيا. ويفيد التقرير بأنه رفض عددًا من الطلبات للتعليق على ما ذكر فيه.

عمر سليمان: المٌنفذ المهاب في مصر

في مستهل الحديث عن عمر سليمان، يشير التقرير إلى برقية دبلوماسية في يناير (كانون الثاني) عام 2009 مسربة إلى ويكيليكس قالت فيها مارجريت سكوبي؛ السفيرة الأمريكية إلى القاهرة، أن رئيس المخابرات عمر سليمان قد استغل من قبل ديكتاتورية حسني مبارك كيد باطشة، مضيفة إلى أن حسني مبارك لم يكن من النوع الذي قد يشعر بالأرق ليلًا حيال ممارسات عمر سليمان القاسية. لم يبد كريدي سويس قلقًا للغاية من عمر سليمان، ورغم أنه كان متورطًا شخصيًا في تعذيب متهمين كجزء من برنامج التسليم الاستثنائي، فإن أفرادًا من عائلته احتفظوا بكثير من ثرواتهم في البنك.

وفي فبراير من عام 2003، حينما كان الأمريكيون يعدون الخطط لغزو العراق، كانت عائلة سليمان تقوم باستعدادات مالية، إذ فتح حسابًا بأسمائهم في ذلك الشهر، وعج بملايين الدولارات فيما بعد. وعلى غرار القمش وخير وأخطر، اعتبر – بحسب التقرير – سليمان من الحلفاء الموثوقين للولايات المتحدة.

قبل فتح الحساب البنكي لعائلة سليمان بأسابيع، خاطب وزير الخارجية الأمريكي كولين باول الأمم المتحدة موضحًا لهم الأسباب التي من أجلها يجب الإطاحة بنظام صدام حسين في العراق. اعتمد باول في خطابه على دليل يثبت أن العراق تدرب مقاتلي القاعدة على الأسلحة الكيمائية، لكن المشكلة هي أن مصدر ذلك الدليل هو أحد الضحايا لنظام سليمان المخابراتي هو المتهم (ابن الشيخ الليبي) والذي بحسب التقرير، قال للمصريين ما يريدون سماعه تحت التعذيب. ومع استمرار الحرب في العراق، واصلت ثروة عائلة سليمان في الاكتظاظ، وبحلول عام 2007، بعد أربع سنوات على سقوط صدام حسين، وصل حساب العائلة في كريدي سويس إلى 63 مليون فرانك سويسري.

لم تأت نهاية الحساب البنكي للعائلة مع نهاية مبارك عام 2011 في بداية الربيع العربي، رغم تصريح مسئولين سويسريين أنهم سوف يجمدون الأصول العائدة إلى الشخصيات المتورطة مع مبارك وحكومته. يبدو أن عائلة سليمان كانت استثناءً؛ إذ لا يوجد أي دليل في البيانات المسربة على أن الحساب قد أغلق، مع أن العديد من الشبهات قد أثيرت حول جرائم سليمان.

يذكر التقرير أنه إلى جانب إشرافه على عمليات التعذيب، تورط سليمان في عمليات مالية سرية تابعة للمخابرات جرى الكشف عنها في محاكمة مبارك، والتي استشهد فيها القاضي بشهادة عمر سليمان ومسئولين آخرين على أن الملياردير المصري حسين سالم، والذي اشتهر بكونه واجهة لأعمال المخابرات، امتلك عديدًا من الشركات في قطاع الغاز وقطاعات أخرى تابعة للمخابرات المصرية. ذكر القاضي أن سليمان قد اعترف بأن جهاز المخابرات الذي رأسه كان ينشئ شركات كواجهات لأسباب تتعلق بالأمن القومي باستخدام حسين سالم.

امتلك سالم أيضًا حسابات في كريدي سويس، أحدهم تعدى رصيده 105 مليون فرانك سويسري عام 2003 (79.3 مليون دولار في حينها). ذكر ذلك الحساب في الإجراءات القانونية، حيث ادعى المحققين أنه كان يستخدم لدفع واستقبال عمولات مشبوهة لمديرين تنفيذيين بشركة FlowTex، وهي شركة ألمانية متهمة بأعمال نصب واحتيال جسيمة.

سعد خير: بطل الاستجوابات الأردني

بحسب التقرير فقد مُثلت شخصية سعد خير في الفيلم الهوليوودي الشهير (جسد الأكاذيب)، وقد وصفه كاتب الرواية التي بني عليها الفيلم بأنه: (ذكي للغاية لكنه مجروح عاطفيًا). يستطرد التقرير على شاعرية تصوير هوليود لخير بأن الاستجوابات التي قامت بها المخابرات العامة الأردنية التي ترأسها كانت غير قانونية لأبعد حد، وذلك بحسب تقارير نشرتها منظمة العفو الدولية و«هيومن رايتس ووتش».

أبلغت هيومن رايتس ووتش أن المخابرات العامة الأردنية قد استغلت كسجان بالوكالة للاستخبارات الأمريكية، واحتجزت أولئك المساجين الذين أرادتهم الأخيرة خارج الدائرة القانونية، وهو ما فعلته أيضًا المخابرات العامة المصرية برئاسة عمر سليمان. وثقت المنظمات الحقوقية 14 مسجونًا على الأقل قد جرى إرسالهم إلى الأردن من قبل الولايات المتحدة للتعذيب ما بين عامي 2001 و2003.

ويكمل التقرير: أبلغت منظمة العفو الدولية مستشهدة بشهادات الضحايا أن المخابرات العامة الأردنية قد حصلت على أكثر من 100 اعتراف تحت التعذيب، ومن ثم بعثت بتلك القضايا إلى محكمة أمن الدولة الأردنية، والتي أصدرت أحكامًا بالإعدام في بعض منها. فيما بعد، أنكر مسئولون كبار في المخابرات العامة الأردنية أي احتجاز لمسجونين نيابة عن الولايات المتحدة، أو أن أي تعذيب قد وقع. أيضًا لوحق خير بإشاعات عن تورطه في أعمال فساد متعلقة بتجارة النفط، لكنه لم يواجه أية اتهامات رسمية.

في مايو (أيار) من عام 2005، انتهت رحلة سعد خير بإقالته من منصبه كرئيس للمخابرات العامة الأردنية من قبل الملك عبد الله، وقد توفي في فندق فاخر بفيينا في ديسمبر عام 2009، لكن قبل وفاته بثلاث سنوات، وصلت قيمة حسابه في كريدي سويس إلى 28.3 مليون فرانك سويسري (21.5 مليون دولار أمريكي). وفي عام 2006، فتح أخوه سعيد خير، والذي يعمل مهندسًا أرضيًا لطائرتي الملك عبدالله، حسابًا في كريدي سويس بلغت قيمته 13 مليون فرانك سويسري بحلول عام 2011، قبل أن يغلق عام 2014. أما زوجة سعد نرويجية الجنسية، يانيكه فرايه، فقد امتلكت حسابها الخاص بقيمة 6 مليون فرانك سويسري (5.9 مليون دولار في حينها) عام 2010، قبل أن يغلق حسابها هي الأخرى عام 2014.

صرح سعيد خير لـOCCRP أن أخيه سعد لم يشارك معه أية تفاصيل عن عمله بسبب حساسيته، وقال بأنه لم يعلم أي شيء عن فتح أخيه لحساب بكريدي سويس، وأنه هو نفسه لم يفتح حسابًا، وأضاف أن دخله كاملًا قد عرض على هيئة الضرائب بالأردن، وأنه لم يشترك في حساب بنكي، أو يستلم أموالًا من أخيه.

وفي رسالة لـ OCCRP، قالت فرايه أن تلك الأسئلة عن حسابات العائلة بكريدي سويس تعد (غريبة وشائنة)، قبل أن تصف زوجها الراحل بكونه (رجلًا شريفًا) حارب (الإرهاب) طوال حياته حتى يستطيع الناس مثلي ومثل مجموعتكم أن تعيشوا في أمان بهذه الحياة، وأضافت أنها لم تفتح حسابًا بكريدي سويس وأنها لم تكن لديها أية فكرة عن أي أموال هناك؛ وذلك بسبب كونها مجرد ربة منزل.

شيء ثمين للغاية

بالنسبة للمسئولين الاستخباراتيين، فإن التعامل مع كريدي سويس يقدم لهم خدمة شحيحة في عالم تزداد عولمته يومًا بعد يوم. صرح مسئول استخباراتي أوروبي لـOCCRP بشرط عدم الكشف عن هويته قائلًا: هذه البنوك تقدم شيئًا ثمينًا للغاية إلى المجتمع الاستخباراتي، وهو السرية. وهذه السرية تجعل من خدماتهم مفيدة للغاية بالنسبة للعمليات المتخفية.

وفي حديث له مع OCCRP، قال مدير استخباراتي – غير مسمى في التقرير – ألماني سابق في الشرق الأوسط أنه لم يندهش من أن كبار موظفي الخدمة السرية في الدول غير الديمقراطية قد يفضلون التعامل مع بنك في سويسرا، إذ إن حساباتهم هناك قد تخدمهم كداعم لهم إذا ما سقطت الأنظمة التي يخدمونها، أو أنهم أنفسهم قد جرى الاستغناء عنهم.

يوضح التقرير أن هذه الفرضية طرحها أيضًا باير؛ العميل السابق بوكالة الاستخبارات الأمريكية، حيث قال: (في العالم العربي، أنت في وظيفتك لمدة محدودة، فينبغي عليك أنت وعشيرتك أن تسرقوا ما استطعتم وأن تضعوه في عش بيض. سويسرا هي المكان الأكثر أمانًا بمجرد أن تنشئ حساباتك). بالإضافة إلى محاولة الإبحار بأمان خلال نزاعات القوة الداخلية للأنظمة المستبدة، يعاني الاستخباراتيون أيضًا من مشكلات عملية يمكن للخدمات المصرفية السويسرية أن تساعدهم في حلها.

يقارن الضابط السابق بالموساد الإسرائيلي؛ أفنر أفراهام، بين (الجماعات الإرهابية) والوكالات الاستخباراتية بقوله أنهم في بعض الأوقات يمكنهم أن يعملوا بذات الطريقة. لديهم ذات المشكلات. ينبغي عليهم أن يحولوا المال من النقطة أ إلى النقطة ب، وأن يدفعوا لأحدهم، وهم لا يريدون أي أحد أن يعرف من الشخص الذي يدفع وما هي طريقة التحويل وما هو مصدر تلك الأموال.

ويستغرب جراهام بارو؛ الخبير بالجرائم المالية في المملكة المتحدة، من أن كريدي سويس لم تثر قلقه كل تلك المبالغ الهائلة التي تدخل إلى الحسابات المتصلة بتلك الشخصيات الاستخباراتية. (لا يوجد سبب يمنع عميل استخباراتي من فتح حساب بنكي، لكنه يجب أن يعطي سببًا لرغبته في فتح ذلك الحساب وما الذي سوف يستخدمونه لأجله، ثم يجب عليهم أن يستخدموه لنفس ذلك السبب الذي قدموه. وفي حالة أي تناقض مع ذلك السبب، ينبغي على البنك أن يطلق التحذيرات).

مخابراتيون آخرون في البيانات

يشير التقرير إلى أن الصحافيين قد وجدوا قرابة 40 حسابًا في بيانات كريدي سويس متصلة بمسئولين مخابراتيين في حوالي 10 دول، من ضمنهم الآتي:

  • القائد السابق بالجيش الفنزويلي؛ كارلوس لويس أجيليرا بورخاس، والمعروف باسم: (الخفي)، حيث خدم كحارس شخصي لهوجو تشافيز في التسعينات من القرن الماضي، ثم خدم كمدير للمخابرات الفنزويلية لمدة سنتين في بداية الألفية. استقال أجيليرا عام 2002 بسبب فشله في منع عملية انقلاب ضد الرئيس كادت تسقطه. ركز أجيليرا بعد ذلك على مجال الأعمال واستطاع وضع 90 مليون دولار في حسابه بالبنك نتيجة لصفقة زعم فسادها لإعادة بناء خط مترو كاراكاس.
  • في العراق، امتلك خلف الدليمي، المدير المالي التنفيذي لجهاز الخدمة السرية العراقي في عهد صدام حسين، حساب شركة برصيد بلغ 178 مليون فرانك سويسري، وحساب شخصي بقيمة 2.5 مليون فرانك سويسري، وقد وصف محامي الدليمي التقرير بأنه (أخبار قديمة) وغير دقيقة.
  • أما في مصر فهناك حساب باسم أشرف مروان، الجاسوس الذي أحاط بولائه الغموض، مثل مالياته. عمل أشرف مروان كمستشار مخابراتي لحموه الرئيس المصري جمال عبد الناصر، واشتهر بأنه اعطى معلومات مخابراتية لإسرائيل قبيل حرب 1967، لكن عائلته تؤكد على أنها كانت معلومات مزيفة. أنشئ حساب مروان في كريدي سويس سنة 2000، وقد جرى إدراجه تحت كيان قانوني. وبعد أن ترك عمله في المخابرات المصرية، سافر إلى المملكة المتحدة حيث اشترى أسهمًا في نادي تشيلسي لكرة القدم، وبعد سبع سنوات وجد ميتًا بعد وقوعه من شرفة شقته بلندن. تعلل زوجته منى ناصر وفاته بأنها انتقام من إسرائيل لخيانته للمخابرات الإسرائيلية، ولم تجب ناصر على أية أسئلة أرسلتها إليها OCCRP.
  • ومن ألمانيا، الضابط السابق بالبوليس السري يورجن تشيلينسكي امتلك حسابًا بقيمة 218 مليون فرانك سويسري عام 2010 (206 مليون دولار أمريكي في حينها). ترك تشيلينسكي ألمانيا بعد سقوط الشيوعية، واتجه إلى الكونغو حيث أنشأ شركته لإدارة النفايات.
  • وفي البيانات أيضًا وجدت حسابات تعود إلى شخصيات مرتبطة بالمخابرات الأوزبكية، والتي اتهمها عدد من المنظمات الحقوقية بالتعذيب، والإخفاء القسري، والاحتجاز دون محاكمات. وفي عام 2009 أخبر الضابط المخابراتي السابق إكرام يعقوبوف برنامج (نيوزنايت) على شبكة «بي بي سي» أنه كان شاهدًا على تلك الانتهاكات شخصيًا، وزعم أنه أجبر على تزوير أدلة ضد أناس يعلم أنهم بريئون.
  • وهناك حسابات أخرى تتعلق بالاستخبارات من بلدان مثل العراق، والأردن، ومونتينيجرو، ونيجيريا، وباكستان، واليمن، أقدمها تعود إلى منتصف السبعينات من القرن الماضي

_______________

 

مواد ذات علاقة