الفيتوري شعيب

لابد لليبيا من حراك شعبي حقيقي يغير المعادلة ويدفع نحو مرحلة دائمة تنهي جميع الأجسام السياسية الحالية، عبر مشروع وطني يتجه لبناء الدولة واستقرارها، يبدأ من تجديد الأجسام التشريعية في البلاد، وإنهاء الانقسام بشأنها، وصولًا إلى حكومة حقيقية تستمد قوتها من القاعدة الشعبية.

في جلسته المنعقدة في طبرق، صباح الخميس، 10 فبراير/شباط 2022، صوَّت البرلمان الليبي على اختيار وتكليف رئيس حكومة جديدة بديلة عن حكومة الوحدة الوطنية  التي أوجدها ملتقى الحوار الليبي في جنيف، في 5 فبراير/شباط 2021، من العام الماضي، كحزمة واحدة مع المجلس الرئاسي الجديد ، والتي اعتُبرت في وقتها حكومة بمهام محددة في مرحلة انتقالية صعبة من عمر الدولة الليبية .

جاء هذا التصويت من قبل البرلمان على تغيير الحكومة بعد أشهر من المماحكات السياسية بينها وبين السلطة التنفيذية، ليس أقلها حجب الثقة عنها، وقبل ذلك عدم اعتماد الميزانية لها، بالرغم من نيلها الثقة في البدء بمهامها من البرلمان نفسه، وإن كان الاختيار لها عبر ملتقى حواري أممي أشرفت عليه البعثة الأممية في ليبيا، وبالتالي فإن أمر تغيير الحكومة لابد أن يلقي بظلاله على المشهد الليبي ككل، ليس السياسي فحسب، بل الاجتماعي والاقتصادي وقبل ذلك الأمني، والاستقرار النسبي الذي كان في الشهور الماضية، خاصة أن هذا التغيير يأتي بعد الفشل في تجديد السلطة التشريعية في البلاد المقرر لها 24 ديسمبر/كانون الأول الماضي (2021).

أولًا: خلفية الأزمة وأسبابها

لم يكن قرار وتصويت البرلمان، في 10 فبراير/شباط 2022، على تغيير حكومة الوحدة الوطنية منفصلًا عن سياقات المشهد الليبي والأزمة التي تمر بها الدولة، وكذلك لم يكن هذا الفعل من باب الاختلاف السياسي فحسب، خاصة بعد اشتداد الخلاف بين السلطتين، “التشريعية” و”التنفيذية”، وإنما يدخل كذلك في إطار الاختلاف الدستوري والقانوني على كيفية تغيير هذه الحكومة بما يتلاءم مع خارطة الطريق التي أوجدتها مخرجات مؤتمر برلين الدولي حول ليبيا .

بداية الأزمة

لعل المتتبع لتكوين الحكومة في ملتقى حوار جنيف لابد له أن يستذكر آلية اختيار هذه الحكومة، وكذلك المنافسين لها، باعتبار أن ذلك جزء مهم من فهم الواقع السياسي الحالي؛ حيث إن آلية الاختيار لهذه الحكومة جاءت في حزمة واحدة عبر نظام القائمة، التي تتكون من المجلس الرئاسي وأعضائه مضافًا إليهم رئيس الحكومة التنفيذية، وعلى هذا جرى التصويت بين أعضاء الملتقى في جنيف، لتكون قائمة المجلس الرئاسي الحالي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية هي القائمة التي جرى اختيارها، بمقابل عدم اختيار قائمة رئيس البرلمان الحالي ورئيس السلطة التنفيذية في هذه القائمة، وليكون التأييد لها من المنافسين لها قبل غيرهم .

هكذا تكونت السلطة التنفيذية الحالية القائمة في البلاد، وليكون بعد ذلك البرلمان مانحًا للثقة لها في 10 مارس/آذار 2021 ، وليس الملتقى الحواري الذي اختارها وأوجدها.

غير أن منح الثقة للحكومة من قبل البرلمان لم يساعدها في الحصول على اعتماد الميزانية المسيرة لها من قبله، بل بدأت المماحكات السياسية بينهما مبكرًا، متمثلة في مساءلتها، وعدم اعتماد الميزانية، لتنتهي بإسقاطها وحجب الثقة عنها، في 21 سبتمبر/أيلول 2021، بعد ستة أشهر فقط من منحها الثقة من قِبله كذلك ؛ الأمر الذي استدعى من بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا إصدار بيان بهذا الشأن تؤكد فيه: “أن حكومة الوحدة الوطنية الحالية تظل الحكومة الشرعية حتى يتم استبدالها بحكومة أخرى من خلال عملية منتظمة تعقب الانتخابات، ويظل تركيز الحكومة الأساسي هو السير بالبلاد نحو الانتخابات البرلمانية والرئاسية” .

تعمقت الأزمة بين الطرفين، إثر حجب الثقة عن الحكومة؛ الأمر الذي قابلته بالرفض والاستنكار، وكذلك التشكيك بشرعية هذا القرار حتى من قبل بعض أعضاء من مجلس النواب أنفسهم الذين حضروا جلسة حجب الثقة، معتبرين أن الأصوات التي اتخذت هذا القرار غير مطابقة لواقع الجلسة.

وعلى إثر ذلك، تكرس الخلاف بين مجلس النواب وحكومة الوحدة الوطنية، خاصة بعد صدور قانون انتخابي اعتبره كثيرون أحادي الجانب، لإجراء الانتخابات في موعدها؛ الأمر الذي اعتبره الكثيرون، بمن فيهم الحكومة ورئيسها قانونًا معيبًا، وغير توافقي، ناهيك عن الرفض الشعبي الذي أحدثه هذا القانون، وكذلك الرسمي المتمثل في بعض أعضاء مجلس النواب أنفسهم، وكذلك رفض المجلس الأعلى للدولة له.

ثانيًا: الخلاف القانوني والدستوري

حجب الثقة

يعتبر سحب الثقة أو حجبها إجراء قانونيًّا طبيعيًّا دستوريًّا في حالات استقرار البلدان، وكذلك في حالة سلامة العملية السياسية المسيِّرة للبلاد التي عادة ما يكون لها دستور قائم، وبرلمان مطبق له، ومتفق على شرعيته، باعتبار أنه من صلاحيات البرلمان سحب الثقة من الحكومة التابعة له، رفضًا لسياساتها مثلًا، أو لتقصيرها في خدماتها؛ حيث إن هذا الإجراء يعد ضامنًا حقيقيًّا للتوازن بين السلطتين، التشريعية والتنفيذية، وإبقاء الأخيرة تحت الرقابة البرلمانية المعبِّرة عن الإرادة الشعبية التي يجب أن تعكس سياسات الحكومة وتوجهاتها العامة، غير أن هذا المنطق الطبيعي والسلس لا يمكن إسقاطه على الحالة الليبية على الإطلاق باعتبار أن الحكومة جاءت عبر توافقات حوارية كجزء من خارطة طريق كاملة وشاملة لحل الأزمة.

وبالتالي، فإن البرلمان الليبي وإن كان مانحًا للثقة، غير أنه لا يمكنه الاستفراد بالعملية السياسية الليبية وفقًا للاتفاقيات المبرمة بهذا الشأن، ناهيك إذا اعتُبر كونه جزءًا من المماحكات السياسية الموجودة في البلاد. كما أن سحب الثقة من الحكومة اعتبره كثيرون جاء مخالفًا للإعلان الدستوري والاتفاق السياسي، باعتبار أن آلية اختيار السلطة التنفيذية (أعضاء المجلس الرئاسي ورئيس الحكومة) لم تكن من اختصاص مجلس النواب، كما هي الحال في السلطات الموجودة الآن.

كما أنه من الناحية القانونية ما حدث بجلسة سحب الثقة اعتبره كثيرون مخالفًا لنص المادة 140 من القانون المنظِّم لعمل المجلس الذي ينص على أنه يجري التصويت على الثقة بطريق الاقتراع السري، ويكون الجواب بإحدى الكلمات التالية (ثقة، لا ثقة، ممتنع)، وهذا ما لم يكن في الجلسة(11).

تجديد السلطة التنفيذية

وبالمقابل أيضًا من الناحية القانونية والدستورية يعتبر ما أثير في حجب الثقة هو نفسه ما أثير في تجديدها عند اختيار رئيس حكومة جديدة في جلسة 10 فبراير/شباط 2022، سواء من ناحية التعديل في خارطة الطريق التي اعتمدها ملتقى الحوار الليبي بمشاركة جل الأطراف الليبية، وليس اقتصارًا على البرلمان والمجلس الأعلى للدولة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، هناك حراك شعبي قوي يدعم التوجه إلى الانتخابات في أقرب الآجال وإنهاء المراحل الانتقالية المتتالية، وهذا ما لخَّصه بيان لأعضاء من المجلس الأعلى للدولة رافضين فيه تعديل خارطة الطريق، وكذلك التعديل الدستوري الأخير، معتبرين إياه مخالفًا للمادة 12 من الاتفاق السياسي، والمادة 36 من الإعلان الدستوري بشأن آلية التصويت بالأغلبية الموصوفة وليست المطلقة.

ثالثًا: صعوبات التغيير ومآلات الوضع

في ظل الأزمات المتتالية في الفترات الانتقالية التي تمر بها البلاد اليوم، وفشل الأجسام المختلفة في إدارتها والسير بها إلى إنهاء هذه الأزمات، وكذلك التخبط القانوني والدستوري القائم في البلاد، يعتبر من الصعوبة بمكان التحدث عن توافق “حقيقي” بين الأطراف السياسية الموجودة في المشهد السياسي الليبي اليوم، سواء على تغيير الحكومة، أو حتى وصولًا إلى انتخابات حقيقة تؤدي إلى تجديد السلطة التشريعية، ومن ثم التنفيذية في البلاد، وذلك لعدم قدرة البرلمان والمجلس الأعلى للدولة على التوافق على قاعدة دستورية يمكن أن تُجرى الانتخابات وفقًا لمحدداتها، أو حتى التوافق على الرجوع إلى مصدر دستوري لمرحلة محددة تنهي الاختلاف على القاعدة الدستورية، التي لم ولن ترى النور بالتوافق الحقيقي، وكذلك استفراد البرلمان، بل أعضاء من البرلمان بإصدار قوانين انتخابية أحادية الجانب بعيدة عن التوافق بين أعضائه، ناهيك عن التوافق بينه وبين المجلس الأعلى للدولة، فما بالك بالرضى الشعبي عليها والقبول بها حَكمًا في تسيير العملية الانتخابية.

وبالتالي، فإن عدم توفير بدائل حقيقية لما بعد فشل الانتخابات في وقتها، من كلا الجسمين، وإنما الاكتفاء غير العلني بالاستمرار في المشهد، وإن كان ذلك يسبِّب احتقانًا شعبيًّا من قبل أبناء المجتمع، والنخب الفاعلة فيه التي تسعى لإنهاء هذه الأجسام، وصولًا إلى إنهاء المراحل الانتقالية التي يراد لها أن تتكرر من قبل فاعلين في المشهد السياسي الليبي من دون النظر إلى استقرار البلاد ومصلحة بنائه والولوج إلى مرحلة دائمة تبني الدولة على أسس سليمة وصحيحة؛ الأمر الذي اعتبر بأن الحديث اليوم عن أجسام تنفيذية جديدة من دون النظر خطوة إلى الوراء والمسببات التي أفسدت انتخابات 24 ديسمبر/كانون الأول الماضي (2021) هو بمنزلة إعادة للسيناريو السابق، وليس تحقيقا للتوافق وصولًا إلى الانتخابات وتجديد السلطة التشريعية في البلاد، وبالتالي فإن مآلات الوضع والسيناريوات المتوقعة يمكن أن تُختصر في الآتي:

  • استدامة مرحلة الخلاف، وصولًا إلى حوارات جديدة قد تأتي بأطر مختلفة عن سابقتها، من ناحية الإجراء، وكذلك التنفيذ، “حكومة جديدة، أو تحديد موعد انتخابات، أو غيرهما”، باعتبار أن الإطار الدستوري غير متأتٍّ إلى الآن، وهذا السيناريو هو الأقرب وفقًا للمعطيات حتى الآن.
  • تفعيل الدائرة الدستورية كما طالبت بذلك الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، من أجل ضبط الإيقاع التشريعي بما لا يخالف القواعد الدستورية الحاكمة، وعلى رأسها الإعلان الدستوري وتعديلاته؛ الأمر الذي يؤدي إلى وضع أو تصحيح الإطار الدستوري الحالي، ومن ثم يكون انفراج للأزمة الدستورية القائمة، غير أن هذا السيناريو على كل حال لا يخرج في حيثياته عن السيناريو الأول باعتبار أنه سيأتي وفق إطار الحوارات المختلفة التي قد تكون هذه إحدى مآلاتها.
  • حراك شعبي حقيقي يغيِّر المعادلة ويدفع نحو مرحلة دائمة تنهي جميع الأجسام السياسية الحالية، عبر مشروع وطني حقيقي يتجه لبناء الدولة واستقرارها، يبدأ من تجديد الأجسام التشريعية في البلاد، وإنهاء الانقسام بشأنها، وصولًا إلى حكومة حقيقية تستمد قوتها من القاعدة الشعبية، وليس من الحوارات السياسية، والمحاصصات الجهوية، والبراغماتية السياسية، وبخلاف ذلك فإن الدوامات السياسية التي تكرر نفسها هي التي ستكون سيدة المشهد في قابل الأيام والشهور، وهذا السيناريو هو الأنجع، غير أن مقومات وجوده ونجاحه تبقى محدودة إلى الآن.

***

الفيتوري شعيب ـ كاتب ليبي.

_____________

مواد ذات علاقة