يأتي نشاط مسلحي فاغنر في بعض المناطق الإفريقية ليعزز النفوذ الروسي في إفريقيا، فمجموعة فاغنر ونجاحاتها العسكرية في مناطق إفريقية كان قد استعصى على الجيش الفرنسي تحقيق اختراقات وانتصارات ميدانية فيها، قد تكون في النهاية واجهة أساسية لتأمين وتسهيل ولوج روسيا إلى القارة الإفريقية. 
انسحاب بعض عناصر مجموعة فاغنر الروسية من إفريقيا الوسطى ومن جمهورية مالي وإرسالهم إلى ساحة الحرب في أوكرانيا أمر كثر الحديث عنه منذ أن نشرت جريدة التايمز البريطانية في عددها الصادر يوم الاثنين، 28 فبراير/شباط 2022، تقريرًا تحت عنوان “مرتزقة روس أُمروا بقتل رئيس أوكرانيا: فولوديمير زيلينسكي”. وقد لقي هذا التقرير انتشارًا واسعًا في المواقع الإخبارية وفي وسائل التواصل الاجتماعي نظرًا لبعض التفاصيل المفيدة الموجودة به، ونظرًا لمصداقية هذه الجريدة والثقة فيما تنشره.
وكان من أبرز الجهات الإعلامية التي عُنيت بتقرير التايمز مجلة “جون آفريك” الفرنسية التي أوردت مقاطع من التقرير مع إضافة تفاصيل ونقاط جوهرية، نظرًا إلى أن هذه المجلة، ذائعة الصيت في المجال الإفريقي الفرنكفوني، كانت قد نشرت، في 18 من فبراير/شباط الماضي، تقريرًا استقصائيًّا مثيرًا بعنوان: “فاغنر في مالي: تحقيق حصري حول مرتزقة بوتين”، وهو تقرير من 21 صفحة يقدم لأول مرة معلومات شاملة عن طبيعة التمدد الروسي في جمهورية مالي، وما الذي تستفيده موسكو وباماكو من هذه العلاقة الجديدة، وكيف أصبحت الساحة الغرب الإفريقية مجالًا لحرب باردة جديدة بين موسكو وباريس.
وتؤكد جون آفريك -في هذا التقرير- أن عدد مسلحي فاغنر في مالي ظل يزداد باطِّراد خلال شهر يناير/كانون الثاني الماضي ليصل مع بداية شهر فبراير/شباط الماضي إلى 800 شخص مع السعي إلى أن يصل العدد إلى ألف، وأن من بين هؤلاء من هم من منطقة القوقاز ومنهم من خدم في سوريا وفي ليبيا، وجرى توزيعهم ونشرهم في سيكاسو قرب الحدود مع بوركينافاسو، وفي تنبكتو بإقليم أزواد وأغلبهم في مدينة موبتي في وسط مالي.

ومن أبرز ما تداوله الإعلام اعتمادًا على تقرير التايمز وعلى ما يجري تناقله في الشبكة، وعلى الرغم من الطبيعة السرية لمجموعة فاغنر وقلَّة المعلومات التفصيلية حولها وحول أنشطتها في إفريقيا وتأكيد روسيا أن فاغنر ليست جهة رسمية، أنه جرى إرسال أكثر من 400 عنصر من مجموعة فاغنر الروسية إلى أوكرانيا في مهمة تهدف إلى اغتيال الرئيس فولودمير زيلينسكي، وأن من نُقلوا إلى الجبهة الأوكرانية كان من بينهم من كانوا في إفريقيا وخصوصًا إفريقيا الوسطى وموزمبيق وليبيا ومالي. ويبدو من خلال بعض التقارير أن الأمر كان يخطَّط له منذ عدة أسابيع.

كما ذكرت هذه التقارير أنه غداة الهجوم الروسي على أوكرانيا، في 24 فبراير/شباط الماضي، رُصِد نشاطُ بعض وسائط التواصل الاجتماعي المحسوبة على مجموعة فاغنر والتي تحدثت عن أن هجومًا أوكرانيًّا وشيكًا من شأنه استهداف الكرملين، وهو ما فُهم منه أنه سعي إلى استنهاض الشعور القومي لدى مسلحي فاغنر وضرورة انخراطهم في الحرب ضد أوكرانيا. وذهبت هذه الوسائط إلى أبعد من ذاك حيث ذكرت أن حكومتي إفريقيا الوسطى ومالي اعترفتا باستقلال منطقتي دونيتسك ولوغانسك الأوكرانيتين اللتين أعلتنا استقلالهما عن كييف، وهو أمر نفته المواقع الإعلامية الرسمية للدولتين الإفريقيتين.

وهناك اتفاق في العديد من المواقع الإعلامية على أن العديد من مسلحي فاغنر المرابطين في إفريقيا الوسطى جرى تفويجهم نحو مسرح العمليات في أوكرانيا، وأن من بين الأهداف المكلفين بها القبض على الرئيس الأوكراني، زيلينسكي، ويتراوح العدد الذي أُعلن عنه ما بين 400 شخص إلى بضع عشرات. وقد تزامن هذا التطور مع رصد حركة العديد من المروحيات الروسية بين مطار مدينة موبتي بوسط مالي ومطار العاصمة باماكو. كما يُقدَّر عدد مسلحي فاغنر في إفريقيا الوسطى بألفي شخص.

والواقع أن الحديث الإعلامي الذي أثاره تقرير جريدة التايمز قد لا يعني انتهاء نشاط مجموعة فاغنر الروسية في إفريقيا بقدر ما يعني الاستجابة لظرفية طارئة، قد تستدعي مؤقتًا حشد روسيا لمختلف مكونات قوتها العسكرية الرسمي منها وغير الرسمي في سبيل حسم المعارك المشتعلة في أوكرانيا.

روسيا ومزاحمة فرنسا في المجال الإفريقي

ومنذ بعض الوقت تحاول موسكو الاستفادة من التذمر من فرنسا ومن نفوذها وهيمنتها في غرب ووسط إفريقيا وهو تذمر يجتاح شرائح واسعة من الرأي العام الإفريقي، وقد أصبحت فرنسا في نظر الكثير من الشباب غرب الإفريقي وراء كل مآسي إفريقيا الغربية، وأنها، وهي تعتمد ما يُعرف بسياسة “فرانس آفريك” إنما تستنزف الموارد الإفريقية، وتشجِّع استمرارية الأنظمة غير الديمقراطية بإفريقيا الفرنكفونية. وبالتالي، فإن باريس في نظر شريحة مهمة من الرأي العام غرب الإفريقي تكرِّس تبعية هذه الدول لفرنسا.

يضاف إلى ذلك المقاربة الأمنية الفرنسية بإفريقيا؛ فقد انخرطت فرنسا عسكريًّا في مكافحة الإرهاب في مالي وبدأت بعملية “سيرفال”، في يناير/كانون الثاني 2013، ثم عملية “برخان”، في أغسطس/آب 2014، التي تهدف كسابقتها إلى القضاء على الجماعات المسلحة في منطقة الساحل الإفريقي والحد من نفوذها عرفت تعثرًا كبيرًا، ولم تكن مردوديتها على مستوى ما كانت تطمح له فرنسا ودول الساحل الإفريقية.

بعد فشل الفرنسيين في مواجهة خطر الجماعات المسلحة في إفريقيا الوسطى انتهى بهم الأمر إلى الانسحاب وحلَّت محلهم قوات فاغنر التي نجحت بالتنسيق مع جيش إفريقيا الوسطى في تحقيق نجاحات استطاعت من خلالها إبعاد خطر مسلحي السيليكا. وكانت فرصة للعسكر في مالي، بعد تدهور علاقة باماكو بباريس، أن يستنجدوا بمجموعة فاغنر الروس لتحل محل الجيش الفرنسي.

روسيا وبريق الموارد الإفريقية الأولية

لن يكون انسحاب بعض مسلحي فاغنر من إفريقيا الوسطى ومن مالي إلا مؤقتًا، ولا يعني بطبيعة الحال أن روسيا تخلَّت عن تمددها في غرب إفريقيا وغيره من المناطق الإفريقية، فالواقع أن روسيا وجدت لها موطئ قدم في العديد من الدول الإفريقية ومن الواضح أن المقاربة الروسية في التعامل مع إفريقيا، والقائمة أساسًا على تطوير العلاقات الاقتصادية وتشجيع حركة المال والأعمال فضلًا عن الدعم العسكري والأمني، أكثر نجاعة فيما يبدو من المقاربة الفرنسية.

ومنذ قمة روسيا-إفريقيا في سوتشي، في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2019، تطورت العلاقات الروسية-الإفريقية كثيرًا؛ حيث قامت موسكو بتزويد العديد من الدول الإفريقية بالسلاح، وإعادة تنظيم الجيوش المحلية والقوات الخاصة في سياق اتفاقيات عسكرية ودفاعية. هذا فضلًا عن نشاط اقتصادي مباشر يتمثل في المنح والقروض وإعطاء بعض الدول الإفريقية مواد غذائية والمساهمة في تأهيل البنية التحية في بعض دول القارة.

ويأتي نشاط مسلحي فاغنر في بعض المناطق الإفريقية ليعزز ويكمل هذه العلاقة، فمجموعة فاغنر، ونجاحاتها العسكرية في مناطق إفريقية كان قد استعصى على الجيش الفرنسي تحقيق اختراقات وانتصارات ميدانية فيها، قد تكون في النهاية واجهة عسكرية أساسية لتأمين وتسهيل ولوج روسيا إلى القارة الإفريقية.

ومن الواضح أن روسيا قد أوجدت لها مساحة مهمة في إفريقيا، وأن نفوذها قرار استراتيجي وسيبقى بل ربما يتعزز أكثر. ولا شك أن امتناع جمهورية مالي وجمهورية إفريقيا الوسطى عن التصويت لصالح قرار يطالب روسيا بالتوقف فورًا عن استخدام القوة ضد أوكرانيا عرضته الجمعية العامة للأمم المتحدة، الأربعاء 2 مارس/آذار الجاري، لهو موقف له دلالته في سياق العلاقات الروسية الإفريقية.

فهاتان الدولتان إلى جانب خمس عشرة دولة إفريقية أخرى من بينها السودان وجمهورية جنوب السودان وموزمبيق وتنزانيا ومدغشقر وناميبيا وأوغندا وزمبابوي امتنعت عن التصويت لصالح القرار المذكور والذي حظي بإجماع دولي، وهو ما يؤكد أن روسيا قد نجحت في الحصول على دعم نسبي من حلفائها الأفارقة، بالتزامهم الحياد عل الأقل في المحافل والمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة.

***

مواد ذات علاقة