الدبيبة يقوي تحالفه مع مجلس الدولة، وباشاغا واثق من استلام سلس للسلطة في طرابلس، والمجلس الرئاسي يلتزم الصمت

بعد منح مجلس النواب الليبي في طبرق الثقة لحكومة فتحي باشاغا، الثلاثاء، بطريقة مثيرة للجدل، عادت البلاد رسميا إلى مربع الانقسام، التي عانت منه قبل مارس/آذار 2021.

إذ أن حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، رفضت الاعتراف بنتائج التصويت على منح الثقة لحكومة باشاغا، واتهمت رئيس مجلس النواب بطبرق عقيلة صالح، بـ”التزوير والتدليس”.

وفي ذلك إشارة إلى اتهام عدد من النواب لرئاسة البرلمان بتزوير توقيعاتهم من أجل بلوغ النصاب القانوني لانعقاد جلسة منح الثقة لحكومة باشاغا، رغم عدم حضورهم الجلسة.

** تحالف طرابلس

واجتماع الدبيبة، مع خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة (نيابي استشاري)، الأربعاء، كان بمثابة ترسيم لتحالف جديد من أجل وضع قاعدة دستورية وإجراء الانتخابات البرلمانية في يونيو/حزيران المقبل.

وانضم ضمنيا إلى هذا التحالف 30 نائبا، بعدما أصدروا بيانا اعتبروا ما صدر عن مجلس النواب في جلستي منح الثقة والتعديل الدستوري مخالفا للائحة الداخلية للمجلس، ولم يتوفر له النصاب المطلوب، ويصادر حق الشعب في إجراء الانتخابات.

أمنيا وعسكريا، حذرت مجموعة من قادة عملية بركان الغضب وقيادات أمنية وعسكرية في المنطقة من فرض حكومة موازية (برئاسة باشاغا)، واعتبروها بمثابة “تمكين لمن قاد العدوان على طرابلس (حفتر).

وهذا التحالف الذي ضم كلا من حكومة الوحدة، والمجلس الأعلى للدولة، وعشرات النواب، وقيادات أمنية وعسكرية، يستهدف بالضرورة حرمان حكومة باشاغا من العمل في طرابلس.

وكان من المنتظر، بحسب تصريحات الدبيبة، أن يعلن المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، دعمه لخيار الانتخابات، أو بمعنى آخر تحالفه مع الدبيبة، إلا أن ذلك لم يحدث، ما يرجح أن المجلس مازال لم يحسم موقعه بعد في انتظار من تميل إليه الكفة، أو أن أعضاؤه الثلاثة لم يتفقوا على قرار موحد بعد.

** ترتيبات أمنية بطرابلس

لا يبدو باشاغا مكترثا بالتحالف الذي تشكل لمنع حكومته من العمل في طرابلس، بل شدد عقب منح تشكيلته الوزارية “الثقة”، أن حكومته “ستستلم مهامها من طرابلس بكل سلاسة”.

وكشف بأن لديه “ترتيبات مع الجهات الأمنية والعسكرية لإكمال عملية التسليم والاستلام بشكل سلس”.

فباشاغا، كان وزيرا للداخلية في حكومة الوفاق (2018-2021)، وأشرف على تشكيل عدة وحدات أمنية، كما كان أحد قادة الثورة ضد القذافي في مدينة مصراتة والمتحدث باسم مجلسها العسكري في 2011، ومن أبرز القيادات التي تصدت لهجوم حفتر على طرابلس في 2019.

فعندما يتحدث باشاغا عن ترتيبات مع الجهات الأمنية والعسكرية في طرابلس، فعلى الأغلب يقصد الوحدات الأمنية التابعة لوزارة الداخلية، خاصة تلك التي أشرف على تشكيلها عندما كان الرجل الأول في الوزارة، وأيضا الجيش النظامي في المنطقة الغربية بقيادة محمد الحداد قائد الأركان (من مصراتة).

لكن المفتاح الحقيقي للسيطرة على مقر الحكومة في شارع طريق السطة بطرابلس، والمقرات السيادية الأخرى، هو إقناع الأمن الرئاسي المكلف بحماية هذه المقرات، بتغيير ولائه، وحينها لن يحتاج باشاغا لاقتحام هذه المقرات بقوات من خارج طرابلس.

وهذا الأمر ليس نادرا في طرابلس، التي شهدت عدة حالات من هذا القبيل، آخرها عندما عزل المجلس الرئاسي قائد المنطقة العسكرية طرابلس عبد الباسط مروان، فتحركت القوات الموالية له للسيطرة على المقرات السيادية بينها وزارة الدفاع، دون إراقة دماء، لأن القوات التي تحرس هذه المقرات هي نفسها التي استولت عليها.

وحدث هذا الأمر بنفس الشكل عندما دخل المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق طرابلس في مارس 2016، رغم تهديد حكومة الإنقاذ باعتقال أعضائه، ولكن بعد أشهر سلم الأمن الرئاسي الخاص قصور الضيافة (مقر مجلس الدولة) لحكومة الإنقاذ.

وبناء على هذه الخبرة، فإن باشاغا يملك مفاتيح دخول طرابلس ولكن بأي ثمن، لأن الدبيبة، الذي يظهر قدرة غير اعتيادية في المناورة السياسية مع من يوصفون بأصحاب العقد والربط، جهز نفسه لهذا الاحتمال بعد تشكيله لما يسمى “قوة دعم الاستفتاء والانتخابات” ووضعها تحت سلطته المباشرة بصفته وزيرا للدفاع، وأيضا استقدام أنصاره في مصراتة نحو 300 عربة مسلحة إلى طرابلس استعدادا لأي مواجهة.

فاستلام باشاغا للسلطة من الدبيبة، في ظل هذا الاحتقان والتحشيد الشعبي والعسكري من المستبعد أن يكون “سلسا”، إلا إذا تدخلت أطراف سياسية (المجلس الرئاسي) واجتماعية (أعيان مصراتة) لمنع نشوب أي مواجهات مسلحة سواء في طرابلس أو مصراتة بين أبناء المدينة الواحدة.

** جلسة مثيرة للجدل

أحيطت جلسة منح الثقة لحكومة باشاغا، بالكثير من الجدل القانوني والسياسي، حيث اعتبر مجلس الدولة وحكومة الوحدة، أن هذه الحكومة الجديدة غير شرعية لأنها جاءت بدون توافق بين مجلسي النواب والدولة كما ينص على ذلك الاتفاق السياسي.

وأثير نقاش حاد بشأن النصاب القانوني لشرعية جلسة مجلس النواب لمنح الثقة، ولم يتم الاتفاق حتى على عدد النواب الذين يمثلون النصاب (النصف +1) هل هو 83 نائب أم 89، وتأجل التصويت من الإثنين إلى الثلاثاء، نظرا لعدم بلوغ النصاب، حسب وسائل إعلام محلية.

لكن بحسب المتحدث باسم مجلس النواب عبد الله بليحق، فإن 92 نائبا من إجمالي 101 حضروا الجلسة، منحوا ثقتهم لباشاغا.

بينما قال النائب محمد لينو، لقناة ليبيا الأحرار، إن جلسة النواب لم تبلغ النصاب أصلا، حيث لم يحضر سوى 78 نائبا، بينما النصاب القانوني اللازم لعقد الجلسة هو 88، ولمنح الثقة يجب تصويت 87 نائبا وهو ما لم يحدث.

بينما تمت المناداة خلال جلسة التصويت التي بثت على الهواء مباشرة على 87 نائبا، ما طرح التساؤل حول مصير النواب 14 الذين قيل أنهم حضروا الجلسة.

وما أثار الشكوك أكثر حول حدوث تزوير خلال جلسة البرلمان، نفي عدد من النواب مشاركتهم في التصويت، وأنه تمت المناداة باسمهم (خلال التصويت) رغم عدم حضورهم، ومن بين هؤلاء “عبدالنبي الصالحين”، صلاح الزوبيك، إبراهيم كرنفودة.

وهذا ما دفع الدبيبة لتوجيه انتقادات حادة لرئيس مجلس النواب عقيلة صالح، وقال إن “البرلمان توجه إلى التزوير والتدليس في الأصوات بعد عدم تحقيقه النصاب القانوني”.

بينما اعتبر باشاغا، أن منح الثقة للحكومة جرى بطريقة “نزيهة وعلنية وواضحة وبإرادة ليبية”.

ودوليا، لم تعلن سوى روسيا دعمها لحكومة باشاغا، وكان غريبا تأخر مصر عن مباركتها للحكومة الجديدة، رغم أنها أول من أيد اختيار باشاغا رئيسا للحكومة في 10 فبراير/شباط الماضي.

** نواب وأقارب بالحكومة

ما ميز حكومة باشاغا أنها لم تتمكن من التخلص من سياسة الترضيات، وبدلا من حكومة كفاءات لا تتجاوز 18 وزيرا، لجأ الأخير لتشكيل حكومة ترضيات لنيل ثقة النواب، لذلك كانت حكومته موسعة وضمت 3 نواب لرئيس الحكومة و30 وزيرا و6 كتاب دولة.

وأكثر ما أثار انتقادات لهذه الحكومة تضمنها أسماء لنواب، رغم أن المادة 177 من النظام الداخلي للبرلمان، تنص على أنه “لا يحق لعضو المجلس أثناء عضويته الترشح لمنصب رئاسة الوزراء أو وزير..”.

كما تضمنت الحكومة الجديدة عدة أسماء لأقارب نواب، وشخصيات مقربة من حفتر، على غرار نائب رئيس الحكومة علي القطراني، النائب السابق لرئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق.

وأيضا احميد حومة، وزير الدفاع، والذي كان يشغل منصب النائب الثاني لرئيس مجلس النواب، الداعم لحفتر، وزار الولايات المتحدة في 2019، للدفاع عن الهجوم على طرابلس، ومن المتوقع أن يلعب دورا في توفير غطاء قانوني لحفتر لوقف ملاحقته في محكمة فرجينيا الأمريكية.

وبعد منح حكومة باشاغا الثقة، ابتعد الحديث عن إجراء الانتخابات، وأصبح النقاش مرتبطا أكثر حول أي من الحكومتين أكثر شرعية من الأخرى، وهل سيؤدي هذا الانقسام إلى تجدد المواجهات المسلحة بعد أكثر من 14 شهرا من اتفاق وقف إطلاق النار.

_____________

مواد ذات علاقة