إسماعيل يوسف

عادت ليبيا إلى لعبة “حكومتان ورأسان للحكم” مجددا، والتي كانت موجودة قبل شن اللواء الانقلابي المتقاعد خليفة حفتر الحرب على طرابلس عام 2019.

وفرض برلمان طبرق الموالي لحفتر رأسا جديدا للحكومة في 3 مارس/آذار 2022 هو وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا، بجانب رئيس الوزراء المُعترف به عبد الحميد الدبيبة.

الآن بات في السلطة رئيسان للوزراء، ولا يعرف كيف ستسير الأمور رغم عدم اعتراف الأمم المتحدة وتشكيكها في صحة الخطوة التي اتخذها البرلمان بتنصيب رئيس جديد للوزراء، واعتبارها “هذا الإجراء لا يرقى إلى المعايير المتوقعة”.

موقف مصر

ما هو ملفت في الصراع على رئاسة الوزراء هو موقف مصر، الذي تغير من دعم حرب حفتر إلى التعامل مع حكومة طرابلس، ثم السعي لتشكيل تحالف بين مؤيدي القاهرة في شرق ليبيا وغربها وصولا للاستقرار على لاعب شطرنج جديد هو باشاغا.

اللقاءات التي سبق أن عقدتها مصر بين رئيس النظام عبد الفتاح السيسي وقبائل ليبية من الشرق في يوليو/تموز 2020، واستضافتها باشاغا عدة مرات، يري مراقبون أنها تستهدف إقناع حلفائها بالاهتمام به بدلا من حفتر.

يرون أن الهدف من وراء خطة القاهرة هو اختراق طرابلس، ولكن بالمراهنة على حصان طروادة سياسي جديد، بعد تغيير أسلوب تعاملها مع طرابلس بطرق سياسية وتشريعية، بدلا من الحرب التي دعمتها سابقا وفشلت.

وأحد دوافع القاهرة للتحرك في هذا المسار كان القلق من التقارب الحاصل بين تركيا التي تملك نفوذاً واسعاً في غربي ليبيا، بقوى في شرق ليبيا.

ومن ذلك زيارة سفير تركيا كنان يلماز في يناير/كانون الثاني 2022 رئيس البرلمان عقيلة صالح، لموازنة نفوذ أنقرة بين الشرق والغرب.

وأيضا إجراء أعضاء البرلمان الليبي زيارة إلى تركيا للقاء مسؤولين أتراك، أبرزهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بحسب ما نشر موقع “المونيتور” الأميركي في 28 يناير 2022.

احترق دور الانقلابي خليفة حفتر، عقب هزيمته وفشل عدوانه على طرابلس، وبعدها بدأت القاهرة تبحث عن بديل يرضى عنه الشرق والغرب معا، وبيده بعض أسباب القوة العسكرية والقبلية، فكان اختيار باشاغا.

وزير الداخلية الليبي السابق في حكومة طرابلس المعترف بها دوليا كان أحد أعداء اللواء الانقلابي ومنتقدي القاهرة. وفي 10 نوفمبر/تشرين ثان 2019 اتهم مصر بتوفير “الدعم العسكري لحفتر عبر بوابة السلوم الحدودية”.

وحين التقى السيسي بشيوخ قبائل ليبية في القاهرة 17 يوليو/تموز 2020 ودعاهم لجيش واحد، حذره باشاغا قائلا: لا نقبل انتقاص السيادة وتجاوز الحكومة الشرعية في ليبيا و”لن نقف مكتوفي الأيدي”.

لكن باشاغا الذي يدرك أن الحل في ليبيا يصعب بدون موافقة مصر، عاد للتقارب معها بعد دعوتها لحل سياسي إثر فشل العسكري، وسافر للقاء مدير المخابرات المصرية عباس كامل في 22 ديسمبر/كانون أول 2021.

وقبل باشاغا، سعت القاهرة لتثبيت دور برلمان طبرق باعتباره مؤسسة منتخبة كي يكون له الدور الأكبر في اختيار المسؤولين في ليبيا ومنهم رئيس الحكومة.

بيان المتحدث باسم الخارجية المصرية أحمد حافظ في 10 فبراير/شباط 2022، أيد باشاغا ضمنا بقوله إن مصر “تثمن ما اتخذه مجلس النواب من إجراءات بالتشاور مع مجلس الدولة وفقا لاتفاق الصخيرات”.

بالتزامن مع دعم القاهرة لباشاغا دون إعلان ذلك بالاسم، أوقفت التعامل في المستويات العليا مع عبد الحميد الدبيبة وبدأ كبار مسؤولي الخارجية والرئاسة المصرية يتفادون لقاءه، رغم استمرار علاقات واتفاقات البلدين.

تغيير الإستراتيجية

“مصر غيرت الإستراتيجية تماما وابتعدت عن معسكر حفتر بعدما شعرت أنه يمكن إدانتها دوليا”، حسبما يقول الخبير المصري في الشؤون الليبية علاء فاروق لـ “الاستقلال”.

أوضح أن مصر لا تدعم الآن اللواء الانقلابي كشخص، وإنما تؤيد “تكتل حفتر عقيلة باشاغا”، لأن الأخير موجود في الغرب وله شعبية كبيرة.

لكن رغم دعمها باشاغا ضمنا، لم تلق مصر بثقلها معه رسميا حتى الآن. ويقول الخبير إن مصر تفضل الانتظار حتى يجرى بلورة موقف دولي واضح ثم تسايره، كي لا تكرر خطأ دعمها لحفتر بمخالفة الموقف الدولي.

في 2019 تعثرت مصر بقراءة خاطئة للأزمة ودعم محاولة حفتر دخول العاصمة الليبية عبر القوة، لكنها عادت لترعى التسوية السياسية وتودع الحلول العسكرية هناك.

بدأت باحتضان اجتماعات اللجنة العسكرية الليبية المشتركة في مدينة الغردقة، وتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار.

ثم شاركت في ملتقى الحوار السياسي بصفة مراقب ورحبت بمخرجاته واستقبلت رئيس الحكومة الجديد عبد الحميد الدبيبة ووقعت معه ما يقارب 16 اتفاقية اقتصادية وثقافية، لا يزال يجرى تنفيذها.

ويشير فاروق إلى أنه بعد تعثر إجراء الانتخابات في ليبيا وقرار البرلمان الليبي تشكيل سلطة تنفيذية جديدة، رحبت الخارجية المصرية بخطوة تعيين باشاغا.

لكنها تراجعت نسبيا بتصريحات لوزير الخارجية سامح شكري أكد فيها أن مصر تدعم إجراء انتخابات في أقرب وقت. 

أوضح أن مصر بدأت الابتعاد كثيرا عن معسكر حفتر، وتراهن على شخصيات يمكنها تحقيق مصالحها هناك ولديها مرونة في التعامل معها ومنهم عقيلة صالح وفتحي باشاغا.

لكن الدعم الدولي المتمثل في المبادرة الأممية لتشكيل لجنة مشتركة في ليبيا، من أجل وضع أساس دستوري لإجراء الانتخابات، والذي لقي ترحيبا محليا ودوليا واسعا دفعها لإمساك العصا من المنتصف والسير مع الموقف الدولي رسميا.

وكانت مصادر مصرية قالت لصحيفة “العربي الجديد” أول مارس/آذار 2022 إن قلق القاهرة من فشل سيناريو تثبيت باشاغا رئيسا للحكومة الليبية دفعها لتبني رؤية وإستراتيجية مختلفة في السياسة المصرية تجاه ليبيا قدمتها هيئة الأمن القومي.

وأشارت إلى أن “تلك الجهات (تابعة للمخابرات العامة) قدمت تقارير تفيد بأن الرهان على فتحي باشاغا قد يكون خاسرا مثل الرهان السابق على خليفة حفتر، إلا أن المسؤولين في الجهاز يصرون على دعم الأول”.

لكن الخبير الأمني اللواء محمد عبد الواحد أكد لـ “الجزيرة مباشر” في 15 فبراير/شباط 2022 أن دعم القاهرة لباشاغا يرجع إلى أن انتخابه جاء بتوافق بين برلمان طبرق والمجلس الأعلى للدولة وقوات حفتر.

أوضح أن القاهرة تنظر له كموحد للقوى الليبية، فهو يسيطر على قوة أمنية، وتدعمه مجموعات من مدينته مصراتة، كما أنه محسوب على غرب ليبيا، وله علاقات قوية مع تركيا، لذا وجدت فيه الرجل المناسب.

وتقول دورية المؤسسة البحثية الأميركية “أتلانتيك كاونسل” إن “إعادة مصر ضبط إستراتيجيتها في ليبيا سببه تركيا، وخشية السيسي من أن تؤدي رعاية أنقرة العسكرية لطرابلس، والدعم طويل الأمد إلى تشكيل حكومة ذات توجه إسلامي في طرابلس”.

أكدت أول يونيو/حزيران 2021 أن “فشل الحملة العسكرية لحفتر في 2019-2020 عطّل الإستراتيجية المصرية بحل عسكري، وأجبر القاهرة على إعادة النظر في خططها، فقلصت دعمها للجنرال الليبي وانفتحت على حل سياسي”.

تحدثت عن “محاولة السيسي إعادة ضبط إستراتيجيته من أجل تجنب التصعيد العسكري هناك لأن مصر لا تستطيع تحمله لانخراطها على عدة جبهات، من التهديدات في شبه جزيرة سيناء إلى نزاع سد النهضة الإثيوبي الكبير”، وفق قولها.

هل تعود الحرب؟

يبدو خيار عودة الصدامات العسكرية مرة أخرى في ليبيا مستبعدا، كون كل الأطراف تأكدت أنها خيار فاشل ومكلف ومرفوض دوليا ومحليا، ومع هذا تشهد البلاد توترات على خلفية “حرب الشرعية”.

فرصة الصدام العسكري بين الدبيبة وباشاغا أيضا ضعيفة لأنهما محسوبان على تيار واحد ومن مدينة واحدة.

ولو حدث هذا الصدام فسيعني تفكيك الكتلة العسكرية في مصراتة خاصة أن القوات التابعة للجانبين قريبة جدا.

لكن في أعقاب تشكيل حكومة باشاغا، حذرت حكومة الدبيبة، الذي يتولى وزارة الدفاع، الوحدات والتشكيلات العسكرية كافة من تحريك أي أرتال لسيارات مسلحة أو عسكرية بدون إذنها.

وقالت إنها ستصدر الأوامر للوحدات المكلفة بمهام الحماية والتأمين للتعامل مع أي تشكيل أو رتل يتحرك دون إذن، أي بالقوة المسلحة.

وهدد الدبيبة عبر كلمة تلفزيونية في الثاني من مارس/آذار 2022 بالقول: “هل يعتقدون أن هذا الشعب سيسكت عنهم ولن يثور ويلاحق حقوقه وينتزعها منهم؟ هل يعلمون جيدا أن ما سموها حكومة لن تعمل يوما في الواقع ولن يكون لها مكان؟”

وانتقد ضمنا حفتر الداعم لباشاغا، بقوله “مَن نشأ في الحرب لا يمكن له إلا أن يعيش فيها، ولا يعرف إلا لغة البارود والنار، وللأسف لن توقفه سوى الهزيمة العسكرية، التي يسعى المهزوم فيها للعودة بطرق ملتوية”.

وزاد التصعيد طلب باشاغا في 4 مارس 2022 من مؤسسات أمنية رفع حالة التأهب استعدادا لمنع أي خروقات، وأمر مؤسسات في البلاد بعدم التعامل مع أي قرارات صادرة عن حكومة الوحدة الوطنية برئاسة الدبيبة.

وأيضا أبلغ الدبيبة بصفته وزير الدفاع بحكومة ليبيا، والموجه لرئيس جهاز الأمن الداخلي ورئيس جهاز المخابرات، ووزير الداخلية، بضبط فتحي باشاغا، وأفراد حكومته للتحقيق معهم.

ودعم موقف الدبيبة إعلان بعض أعضاء مجلس نواب طبرق الذين عارضوا حكومة باشاغا، تلفيق المجلس جلسات اختياره وتزوير التصويت.

وإعلان وزير الاقتصاد جمال شعبان في الحكومة الجديدة انسحابه منها، مؤكدا عدم اتسام جلسة منح الثقة بالنزاهة. ووصف أيضا حكومة باشاغا بأنها “تجلب الحرب والدمار، وتُدخِل العاصمة في نفق مظلم”.

ولأن سيناريوهات ما بعد عودة وجود رأسين للحكم تبدو ضبابية، وقد تؤدي لتقسيم ليبيا إلى مناطق نفوذ مجددا، بادرت المستشارة الأممية إلى ليبيا ستيفاني وليامز، بطرح فكرة تشكيل لجنة معنية بوضع قاعدة دستورية تقود البلاد إلى الانتخابات.

فكلاهما يسعى للانتخابات ويرى أنها الحل لمشكلة ليبيا، لكن الخلاف يدور حول من يقود المرحلة الحالية حتى إجرائها.

أيضا دعت الولايات المتحدة وأربع دول غربية الأطراف السياسية في ليبيا، خلال بيان مشترك في 4 مارس 2022 إلى الامتناع عن الأعمال التي تقوض الاستقرار في البلاد وحل أي خلاف دون اللجوء إلى العنف. 

وأكدت كل من الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة في بيان استعدادها لمحاسبة وفرض عقوبات على الأفراد والكيانات التي قد تهدد الاستقرار بالعنف أو التحريض، وتعرقل أو تقوض الاستكمال الناجح لعملية الانتقال السياسي.

واتصل سفير الولايات المتحدة الأميركية والمبعوث الخاص إلى ليبيا ريتشارد نورلاند بكلا من باشاغا والدبيبة لهذا الغرض.

ويبدو أن الموقفين الدولي والغربي، منسجمان نسبيا مع الدبيبة بشأن إجراء الانتخابات لإنهاء أزمة الشرعية وإنتاج أجهزة تشريعية وتنفيذية جديدة توفر الاستقرار، وهذا ما أكده نورلاند والدبيبة.

وإذا نجحت خطة الأمم المتحدة بتشكيل لجنة لوضع ورقة دستورية للانتخابات، يُرجح أن تمضي خطة الدبيبة في الإعداد لإجراء الانتخابات في 30 يونيو/ حزيران 2022.

مع هذا سيبقى التحدي هو حل الأجسام المسلحة، مثل جيش خليفة حفتر، ودمج أي قوة مسلحة في وزارة الدفاع، وهيكلة شرطة وجيش وطنيين، وهنا قد يأتي أيضا دور مصر التي لم تعلق على التطورات الأخيرة، انتظارا لما ستسفر عنه.

_______________

مواد ذات علاقة