عبدالعزيز الوصلي

منذ تأجيل الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي كانت مقررة في الرابع والعشرين من ديسمبر/ كانون الأول من العام الماضي برعاية أممية، تشهد ليبيا انحداراً تدريجياً نحو عودة التأزيم بين ذات الأطراف السياسية والعسكرية المتناحرة، منذ أزمة التمديد للمؤتمر الوطني العام بالعاصمة طرابلس (أول جسم منتخب بعد الثورة)، 2012-2014، وما تبعه من خلل دستوري عرقل التسليم بشكل سلس لمجلس النواب المنتخب حديثاً حينها.

يمثل هذه الأطراف المتنازعة على السلطة قطبان رئيسان، هما المجلس الأعلى للدولة برئاسة خالد المشري، الذي تحول إلى جسم استشاري بحسب الاتفاق السياسي الموقع في الصخيرات المغربية في 2016، والمدعوم من تيار الإسلام السياسي وبعض المحسوبين على ثورة فبراير، في حين يمثل القطب الثاني: مجلس النواب الحالي برئاسة عقيلة صالح في طبرق أقصى الشرق، والمتحالف مع المشير خليفة حفتر.

كل تقارب محتمل، يتبدل إلى انقسام عند كل خطوة تمهد إلى إقصاء أحد الطرفين أو كلاهما من المعادلة السياسية الليبية، والعودة إلى ما كان الوضع عليه قبل حرب طرابلس 2019

مواقف أطراف الأزمة وداعميها

كل خطوات مجلس النواب خلال عام مضى يمكن وصفها بمحاولات المجلس المستميتة للاستمرار على رأس السلطة التشريعية في البلاد، ورغم التقارب بين النواب والمجلس الأعلى للدولة في أكثر من محطة في المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة منذ ثماني سنوات تقريباً، إلا أن كل تقارب محتمل، يتبدل إلى انقسام عند كل خطوة تمهد إلى إقصاء أحد الطرفين أو كلاهما من المعادلة السياسية الليبية. كما يحدث الآن من إصرار مجلس النواب على تغيير الحكومة، في محاولة لخلط الأوراق والعودة إلى ما كان الوضع عليه قبل حرب طرابلس 2019 بوجود حكومة وحكومة موازية بين غرب البلاد وشرقها؛ ما يترتب عليه انقسام إداري يهدد المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط الذين ما كادا يلتئمان.

من جهته، يبدو المجلس الأعلى للدولة أكثر تخبطاً، فعلى الرغم من أنه بدا مهرولاً في البداية نحو مجلس النواب في خطواته الأخيرة فيما يخص تغيير الحكومة؛ إلا أنه فجأة غيّر موقفه، رغم أن مجلس النواب سايرهم في مطالبهم المتعلقة بالاستفتاء على الدستور وتعديل الإعلان الدستوري، وما يتعلق بقانون الانتخابات الذي أقره مجلس النواب في وقت سابق بشكل أحادي، الأمر الذي يخالف اتفاق جنيف الذي وقع عليه المجلسان.

التخبط في موقف المجلس الأعلى للدولة – وتحديداً رئيسه خالد المشري- يمكننا عزوه إلى كونه أضحى مجلساً استشارياً منذ اتفاق الصخيرات 2016، حيث لا وزن حقيقي لرأيه، لذلك نجده يحاول التماهي مع الخطاب الدولي وما تقترحه المستشارة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا ستيفاني وليامز، في محاولة لإثبات الذات كل مرة وعند كل محاولة “استفراد” من خصمه المباشر “مجلس النواب” بالقرار السياسي.

الصراع في شقه التنفيذي

بدوره، وكما كان متوقعاً فقد رفض رئيس الحكومة الحالية عبدالحميد الدبيبة تسليم السلطة لرئيس الحكومة الجديد فتحي باشاغا.

موقف الدبيبة يمكن وصفه بارتداء حزام ناسف، فمنطق الرجل “عليّ وعلى أعدائي”، فالرجل أعلن الحرب بشكل صريح على مجلس النواب بتبنّيه الانتخابات والاستفتاء على الدستور، في محاولة لإرضاء المجتمع الدولي ومغازلة الشارع الليبي الذي أثبت في أكثر من موقف أنه يصرّ على الانتخابات، سيما بعد وصول عدد المسجلين بمنظومة الانتخابات 2.8 مليون ناخب.

تصعيد الدبيبة لم يقف عند التصريحات السياسية؛ بل بدأ فعلياً استمالة الكتائب المسلحة في الغرب الليبي بالأموال، في محاولة منه لسدّ الطريق أمام أي محاولة للسيطرة بالقوة على مقار حكومية في العاصمة من تشكيلات مسلحة موالية للرئيس الجديد ووزير الداخلية السابق فتحي باشاغا.

تصعيد الدبيبة لم يقف عند التصريحات السياسية؛ بل بدأ فعلياً استمالة الكتائب المسلحة في الغرب الليبي بالأموال، باشاغا في المقابل، وبعد تعثر الانتخابات الرئاسية التي ترشح لها، يحاول التموضع مع كل توجه دولي

باشاغا في المقابل، وبعد تعثر الانتخابات الرئاسية التي ترشح لها يحاول التموضع مع كل توجه دولي، فالرجل لم يدخر جهداً للتعقيب على كل بيان دولي بخصوص الحل السياسي في ليبيا، وحاول جاهداً تكييف محتوى تلك البيانات وإظهارها بشكل مؤيد لخطوته كما يسوق فريقه الإعلامي من مدونين ومحللين سياسيين على شاشات القنوات الفضائية الليبية، حتى أن بعضهم يحاول التسويق لما أسموه بالموقف الأمريكي الداعم للحكومة الجديدة، الأمر الذي لم يصدر بشكل رسمي حتى الآن عن الولايات المتحدة الأمريكية.

على الصعيد المحلي، يحاول باشاغا جاهداً إرضاء مجلس النواب للحصول على الثقة والدعم لحكومته، وهو ما أوقعه في فخ المحاصصة العلنية، وهو الأمر الذي كان محل نقد لرئيس الحكومة الحالي عبد الحميد الدبيبة من قبله. ومن ناحية أخرى يحاول باشاغا إرضاء الرجل القوي عسكرياً في شرق ليبيا، المشير خليفة حفتر، بشكل وُصف بـ”السافر”؛ من خلال منحه مناصب حساسة على رأسها المالية والدفاع، والإعلام الذي سبب استحداث وزارة له حساسية كبيرة مع المشتغلين به اضطرته لإلغائها.

وزارة الدفاع: ملف الدولي

منذ بداية جولات الحوار السياسي بين الفرقاء الليبيين قبل ثمان سنوات، ومنصب وزير الدفاع محل خلاف كبير؛ حتى أن المنصب ظل شاغراً في عهد رئيس الحكومة الحالي عبد الحميد الدبيبة رغم كل الضغوط التي واجهها، الأمر الذي دفعه للقول في لقاء متلفز “إن ملف وزارة الدفاع متدخلة فيه دول كبرى وليس شأنا محلياً فقط”، في إشارة إلى النزاع التركي الروسي حول المنصب، رغم الاتفاق على توحيد الحكومة في جنيف قبل عام، بعد وقف الاقتتال في طرابلس.

وزارة الدفاع ذاتها كانت كلمة السر في اتفاق باشاغا وحفتر، بمنح الأخير الوزارة بعد اتفاق في بنغازي قبل أشهر. وهو ما يفسر مباركة روسيا ومصر خطوة مجلس النواب بإعلان الحكومة الجديدة، وفي المقابل تردد أطراف أخرى أو رفضها للخطوة التي وصفت بغير المهمة، في مقابل استمرار حكومة الدبيبة حتى موعد إجراء الانتخابات منتصف هذا العام.

ورقة الحسم التركية

منذ تسلم الملف الليبي رسمياً من تركيا وروسيا، ظلت مواقف موسكو وأنقرة عاملاً حاسماً في أي اتفاق أو توافق في ليبيا، فبعد مباركة موسكو خطوة مجلس النواب الأخيرة؛ يترقب الجميع الموقف التركي الذي يتخذ وضعية المراقب المحايد حتى اللحظة، فليس من باب التخمين إذا قلنا إن تركيا ليست مع الدبيبة ولا ضد باشاغا حتى اللحظة على الأقل، خاصة في ظل تسريبات عن تقارب تركي روسي بالخصوص، وحاجة تركيا إلى حليف في شرق ليبيا يرعى مصالحها بعد الاتفاقية البحرية الموقعة بين حكومة أنقرة وحكومة طرابلس في عهد رئيس الحكومة السابق فائز السراج قبل سنتين.

في النهاية يبقى دور بعثة الأمم المتحدة محورياً، وهو الدور الذي تستمد قوته البعثة إلى حد كبير من المستشارة الخاصة الأمريكية ستيفاني وليامز، التي تمثل مواقفها إلى حد كبير الموقف الرسمي الأمريكي من كل ما يحدث، حيث يبقى إنهاء كل الأجسام الحالية بانتخابات برلمانية ورئاسية في شهر يونيو/ حزيران هو مطلب البعثة والدول الكبرى الغربية، التي ترى في هذه الخطوة الحل الأمثل لخلق حكومة شرعية تطالب بخروج روسيا من ليبيا بشكل رسمي، بعد أن أصبح تمركزها العسكري في البلد شمال الإفريقي القريب لأوروبا أمراً واقعاً.

لذلك، بدت القوى الدولية غير متحمسة للدخول في مرحلة انتقالية جديدة في ليبيا، حيث جاءت تصريحات المستشارة ستيفاني وليامز تتضمن اقتراحاً بتشكيل لجنة من 6 أعضاء من مجلسي النواب والدولة لوضع القاعدة الدستورية لانتخابات تجرى في يونيو/ حزيران. وتأكيداً لرفض المجتمع الدولي للخروج عن مسار جنيف، الأمر الذي فهمه كل طرف من أطراف النزاع (حكومة الدبيبة، وحكومة باشاغا) على أنه انتصار لمساره وأقرب إلى تحقيق رؤيته واستمراره في الحكم، ما ينذر بمزيد من التصعيد السياسي والعسكري الذي بدأ يخلق أجواء من التوتر والترقب بين التشكيلات المسلحة في طرابلس ومصراتة والزاوية بشكل خاص.

_______________

مواد ذات علاقة