خيري عمر

بينما تتصاعد الانقسامات الداخلية في ليبيا، يساهم اندلاع الحرب في أوكرانيا في ترتيب التموضعين، المحلي والدولي، حول الخيارات السياسية. وبجانب النزاع الداخلي، تغير موقف بعثة الأمم المتحدة تجاه ترتيبات ما بعد تَعطل الانتخابات، فبعد تضامنها مع التعديل الدستوري وتشكيل حكومة جديدة، اتجهت إلى الإقلاع عن فكرة الدخول في مرحلة مؤقتة جديدة، واتخذت موقفاً محايداً من المبادرات الليبية، وهو ما يثير النقاش بشأن مدى ترابط التغيرات الداخلية بأزمة الحرب بين روسيا من جهة والولايات المتحدة وأوروبا من جهة أخرى، وخصوصاً ما يتعلق بانعكاس الصراع الدولي على الأراضي الليبية.

الانقسامات الداخلية

بعد توقف الانتخابات الرئاسية، بدا الخلاف بين الحكومة ومجلس النواب بشأن تقرير المسار السياسي في المرحلة الانتقالية، وقد شكّل صدور التعديل الدستوري الثاني عشر أرضية للنزاع بين الجانبين. وبينما مضى مجلس النواب في مشروع مرحلة انتقالية جديدة، مدعوماً بتأييد خليفة حفتر وبعض مرشّحي الرئاسة لأجل تشكيل حكومة جديدة، ولقي هـذا التوجه، في بدايته،  تأييد البعثة الأممية وفرنسا ودول أخرى، وعلى الرغم من انخراط أعضاء من مجلس الدولة في هذا المسار، ظهرت انقسامات داخل المجلس أدّت إلى تراجعه، (بيان 16 فبراير/ شباط 2022)، عن تأييد التعديل الدستوري لإجازته بالأغلبية البسيطة، خلافاً لاشتراط الاتفاق السياسي موافقة ثلثي الأصوات،

كما اعتبر سحب الثقة من حكومة الوحدة غير قانوني. فيما كان اتجاه حكومة الوحدة متمثلاً في الإبقاء على الانتخابات حلاً وحيداً، وعدم تشكيل حكومة جديدة، أعاد رئيس الوزراء، عبد الحميد الدبيبة، التأكيد على تسليم السلطة لحكومة منتخبة، وطرح مبادرة، 22 فبراير الماضي، قامت على مسارين: يقوم الأول على أن مسارات الطبقة السياسية المهيمنة شكّلت خطراً على الدولة، لنقص شرعية المؤسسات وانتهاء صلاحيتها وتجاوزها اللوائح، حيث شكّل عدم احترام القانون بيئة مناسبة للحرب.

أما الثاني، فقد اعتُبرت الانتخابات آلية لإنهاء المراحل الانتقالية والمؤسسات القائمة والخروج من استمرار حالة الحرب. وبشكل عام، تتسم خريطة الحكومة الليبية بقواعد الاتفاق السياسي وخريطة الطريق، ووضعت مساراتٍ متتابعةً تضمن مشاركة كل من مجلس الدولة، ثم مجلس النواب، ثم لجنة الحوار السياسي، بهدف التوصل إلى قاعدة دستورية للانتخابات، بحيث تنتهي هـذه المرحلة في 14 مارس/ آذار 2022، أو الانتقال إلى مسار آخر يستند للميراث القانوني القائم في القانون رقم 2/ 2021 أو القانون رقم 4/ 2012 للانتخابات التشريعية.

ثمّة وعي مشترك بين المكونات العسكرية والمدنية بأن الحكومة المكلفة وجه سياسي لخليفة حفتر للسيطرة السهلة على مؤسسات الدولة

وعلى الرغم من انتشار النزاع والانقسام السياسي، اتخذ مجلس النواب قرار تشكيل حكومة الاستقرار الوطني ومنحها الثقة في بداية مارس/ آذار 2022، ليشكّل النزاع على نقل السلطة قسماً كبيراً في السياسة الليبية، فمن الناحية القانونية، ظهرت شكاوى مختلفة من صحة التصويت ودقة إحصائه، انتهت إلى عدم الاعتراف بنتائجه.

أما سياسياً، فقد تحوّل النزاع القانوني إلى مشكلة سياسية، ظهرت في استمرار اصطفاف واسع في غرب ليبيا لدعم حكومة الوحدة الوطنية ومنع فتحي باشاغا من دخول العاصمة، طرابلس. وثمّة وعي مشترك بين المكونات العسكرية والمدنية بأن الحكومة المكلفة وجه سياسي لخليفة حفتر للسيطرة السهلة على مؤسسات الدولة، وخصوصاً المصرف المركزي والنفط.

وضعت هذه التطورات قيوداً داخلية على المضي في نقل السلطة، حيث بدا الخطاب المتبادل أقرب إلى صيغة حافّة الهاوية، وبشكل يدعم استمرار تقاسم المؤسسات والعودة إلى الحرب الأهلية. وهنا، ما يثير الجدل بشأن التغير في موقف الأمم المتحدة من اعتبار مجلس النواب السلطة الوحيدة وتأييد خطواته وقراراته إلى فتح قنوات الاتصال مع كل المكونات، واعتبار مجلس الدولة شريكاً في السلطة.

البعثة الأممية وتغير موقفها

وهنا، تبدو أهمية الاقتراب من المواقف الدولية والإقليمية تجاه التطورات الداخلية في ليبيا، وذلك من وجهة تغير السياسات وثباتها، وعلاقتها بالحرب في أوكرانيا. على مستوى البعثة الأممية، يمكن ملاحظة استجابتها للتعديل الدستوري، تأسيساً على أن مجلس النواب الجهة السيادية. ولذلك دعمت تشكيل اللجنة المشتركة (24 عضواً) لمراجعة الوضع الدستوري، وأبدت رئيسة البعثة، ستيفاني ويليامز، استعدادها لقبول تشكيل حكومة جديدة، غير أنها تراجعت لاحقاً، وقدّمت مبادرة ثالثة تضع البعثة الأممية على مسافة واحدة من الجهات الليبية.

يمكن وصف سكوت البعثة الأممية على العيوب في قوانين الانتخابات إهمالاً جسيماً في ضمان سلامة الإجراءات التشريعية

وقد تبلور الموقف النهائي للبعثة، في بيان 4 مارس/ آذار، في التخلّي عن خريطة مجلس النواب، واقترحت تشكيل لجنة من 12 عضواً من المجلسين، مهمتها إعداد قاعدة دستورية لإجراء الانتخابات في يونيو/ حزيران المقبل، وهو ما يمكن اعتباره تحولاً لافتاً ومتزامناً مع البيان المشترك، 4 مارس/ آذار، بين كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، ليظهر التشابه الكبير في علاقات التأثير وتوجيه المنظمة الأممية، فقد تضمّن البيان المشترك مواقف متطابقة في تجنب الدخول في مرحلة انتقالية، والانفتاح على الأطراف الفاعلة وتقييد اللجوء إلى العنف.

وكان لافتاً وضوح أن تأييد البيان البعثة الدولية كان من خارج مجلس الأمن، وفي ظل خلاف على قانونية استمرار ويليامز مستشارة للبعثة، وعدم تعيين مبعوث أممي جديد. وهنا، يمكن الإشارة إلى تماثل مواقف كل من الأمين العام، عندما أعلن عن تشكّكه في نظام التصويت في مجلس النواب، والبعثة الدولية والبيان المشترك للدول الخمس.

وتمثل هذه الجهات العمود الفقري للعمل الدولي في ليبيا، وخصوصاً ما يتعلق بتشغيل البعثة وتوجيهها. فمن وجهة أولى، يمكن القول إن تغير موقف البعثة يتسق مع مشوارها السياسي في إضعاف فرص الحل السياسي، وإيجاد فجوات تمنع التوافق بين المكونات المختلفة، فمنذ العام 2011 ظهرت تصرّفات متماثلة لنقص القدرات والإرادة اللازمة للحل السياسي.

وفي المرحلة الراهنة، يمكن وصف سكوت البعثة على العيوب في قوانين الانتخابات إهمالاً جسيماً في ضمان سلامة الإجراءات التشريعية، وكان تجاهلها مجلس الدولة في مشاورات جنيف التحضيرية للانتخابات علامة بارزة على التحيز لبلورة العيوب السياسية، ظهرت آثارها، لاحقاً، في تقويض العملية الانتخابية والفوضى القانونية.

يمثل وجود حكومة الوحدة الوطنية فرصة لتثبيت الوضع القائم، وتجنّب الدخول في مرحلة مساومات على تشكيل حكومة أخرى

ومن وجهة أخرى، يترافق تراجع البعثة عن دعم حكومة “الاستقرار”، برئاسة فتحي باشاغا، والعودة إلى توسيع المشاورات مع اندلاع الحرب في أوكرانيا، حيث تسعى البلدان الغربية إلى تكوين حلفاء محليين يمكن الثقة فيهم. وفي هذا السياق، يمثل وجود حكومة الوحدة الوطنية فرصة لتثبيت الوضع القائم، وتجنّب الدخول في مرحلة مساومات على تشكيل حكومة أخرى، تبدو قريبة من روسيا وشبكة إقليمية غير متوافقة مع الموقف الغربي من الحرب في أوكرانيا.

بناء الشبكات السياسية

في ظل هـذه التطورات، تبدو العوامل المباشرة ماثلةً في كيفية تموضع الأطراف الدولية على الأراضي الليبية، حيث تسعى المجموعة الأميركية والأوروبية من جهة وروسيا من جهة أخرى لبدء تقسيمات جديدة تقوم على تمكين القوى المحلية من السيطرة على الموارد والسلطة، وهو ما يضع التنافس الدولي على ليبيا ضمن مساومات الحرب في أوكرانيا. تواجه الدول الغربية نقصاً في تأمين الطاقة لأوروبا، والتخفيف من فوضى أسعارها عالمياً، بجانب تثبيت علاقاتها مع الحلفاء المحليين.

وعلى مستوى ليبيا، وضمن تحرّك ديبلوماسي واسع، نشرت السفارة الأميركية في ليبيا ، 8 مارس/ آذار، فيديو، تحت عنوان “أكاذيب نظام بوتين” يتهم الحكومة الروسية بقتل المدنيين وارتكاب انتهاكات ضد الإنسانية ونشر أخبار كاذبة. وبغض النظر عن المحتوى الفني، يُعد دخول السفارات المحلية على الأزمات الدولية نوعاً من تجاوز الاختصاصات الديبلوماسية والانخراط في عملية تعبئة دولية للحرب.

وفي اتجاه مقابل، دعمت روسيا قرار مجلس النواب بتكليف فتحي باشاغا رئاسة حكومة جديدة ومنحها الثقة،  تحت اعتبارات تجنّب حدوث صراعٍ وصفته المتحدّثة باسم الخارجية بالخطير، وخلصت إلى أن مُضي المؤسسات الليبية في تشكيل الحكومة يحدّ من نفوذ الدول الأخرى. ولذلك، اعترفت بالحكومة فور منحها الثقة، وهو ما اعتبرته لا يخلّ بعلاقاتها مع قوى غرب ليبيا، وإمكانية احتواء التوتر العسكري.

وتتقارب السياسة الروسية مع موقف مصر والعربية السعودية (8 مارس/ آذار الجاري) في اعتبار مجلس النواب الجهة التشريعية المنتخبة والمختصة بمنح الشرعية للحكومة ومراقبتها. قد تبدو القراءة الظاهرية للموقف الثنائي عادية لشمولها على ملامح التعامل الدولي مع الأزمة الليبية، غير أن أهميتها، حالياً، تكمن في مؤشّرات التقارب الأولية بين مصر والسعودية مع روسيا، وهو ما يساعد على تشكيل تداخل دولي وإقليمي في تناول الوضع في ليبيا، لتعود أزمات نقل السلطة إلى الواجهة.

وعلى مستوى النظر الإقليمي إلى السياسة الروسية، يمد التصويت في الجمعية على قرار إدانة روسيا بخريطة محتملة للأطراف الدولية في ليبيا. وهنا، يمكن الإشارة إلى امتناع الجزائر والعراق والسلوك اللاحق لكل من مصر، السعودية والإمارات، على وجود توجّه مواتٍ للسياسة الروسية في ليبيا.

يبدو الحديث عن ضعف الغطاء القانوني لوجود قوات فاغنر قليل الأهمية مقارنةً بقدراتها التدميرية واستحواذها على السلاح وحلفاء محليين

وفي ظل الصراع الدولي، يمكن القول إن تساند المواقف الدولية والإقليمية سوف يكون العامل المرجّح للنفوذ الأجنبي في ليبيا، فيما تبقى الأطراف المحلية في حالة تجاذب وانقسام، حيث تنتشر في ليبيا مجموعة من الديناميات الهشّة تراكم ضعفها على مدى السنوات الماضية. ويمكن القول إن مرور عشر سنوات على صراعات النخبة السياسية دون الوصول إلى مرحلة الاستقرار سوف يزيد من تأثير الفواعل الدولية، وانعكاس تداعيات الحرب بظلالها على الوضع في ليبيا.

وفي ظل الانقسام على خلفية الانحياز للولايات المتحدة أو روسيا، يكون النزاع القانوني على الوجود الأجنبي، وفق قرار مجلس الأمن 2570، قليل الأهمية مقارنة بالتطلعات السياسية، وسوف تقتصر الدول على توظيفه لإزاحة منافسيها. وهنا، يمكن الإشارة إلى الميزة النسبية للقوى الغربية، سواء في محاولة تطوير مجموعة السبع الصناعية فاعلا دوليا في السياقات الجارية بجانب نفوذها في الأمم المتحدة، والنفاذ إلى قسم واسع من النخبة الليبية والمؤسسات المدنية. وعلى الوجه المقابل، يبدو الحديث عن ضعف الغطاء القانوني لوجود قوات فاغنر قليل الأهمية مقارنةً بقدراتها التدميرية واستحواذها على السلاح وحلفاء محليين.

وبشكل عام، يمكن مراعاة أن المرحلة الأولية للحرب في أوكرانيا تضفي صعوبةً في تقديم قراءة للانعكاس السياسي على مشكلاتٍ إقليمية، بقدر ما تمكّن الاقتراب من بعض المؤشّرات المرتبطة بانتقال تداعيات الأزمة على نطاق جغرافي آخر، فمن المرجّح إهدار فاعلية الإطار القانوني والمؤسسات المترتبة عليه، وخصوصاً لجنة 5 +5، لانقسام تشكيلها بين موالين لروسيا والغرب، وهو ما يؤدّي إلى تجميد المسار السلمي واتساع التأويل السياسي، وإثارة الشرعيات المتنافسة بين شرق ليبيا وغربها.

***

خيري عمر ـ استاذ العلوم السياسية في جامعة صقريا، حصل على الدكتوراة والماجستير في العلوم السياسية من جامعة القاهرة، وعمل باحثاً في عدة مراكز بحثية. ونشر مقالات وبحوثاً عديدة عن السياسية في أفريقيا ومصر والشرق الأوسط .

_____________

مواد ذات علاقة