أكد موقع المونيتور الأميركي أن هناك مواجهة بين رئيسي الوزراء الليبيين المتنافسين؛ فتحي باشاغا المعين من قبل البرلمان الشرقي، وعبد الحميد الدبيبة رئيس الحكومة التي تتخذ من طرابلس مقرا لها، والذي يرفض التنازل عن السلطة، مشيرا إلى أن هذه المواجهة تدفع تركيا للعب بشكل أكثر انفتاحا وحزما في البلاد.

وأثارت تركيا التي تحتفظ بقوات عسكرية في ليبيا انزعاجا من تحالف باشاغا مع القوات الشرقية ولا سيما اللواء الانقلابي خليفة حفتر ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح للإطاحة بحكومة الدبيبة المؤقتة.

وعملت أنقرة بشكل وثيق مع باشاغا خلال فترة توليه منصب وزير الداخلية في الحكومة السابقة في طرابلس. 

لكن بالنسبة إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فإن حكومة باشاغا تحت تأثير حفتر وصالح اللذين عارضا بشدة الوجود العسكري التركي في ليبيا، قد تعني خسارة الضمانات التي يقدمها الدبيبة.  

الباب المفتوح

ومع ذلك، يُبقي أردوغان الباب مفتوحا أمام باشاغا مع الحفاظ على دعم حكومة الوحدة الوطنية بزعامة الدبيبة. 

وعلى الرغم من أن تركيا حذرة من إثارة الاشتباكات في منعطف حاسم بليبيا، تظل الحقيقة أن وجودها العسكري والاستخباراتي والدبلوماسي في طرابلس يؤثر على التوازن ويجعل الملعب أكثر أمانا للدبيبة. 

وبعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية تحت رعاية الأمم المتحدة في العام 2021، سعت تركيا إلى التواصل مع الجهات الشرقية في محاولة لإذابة الجليد مع القوات التي حاربت حلفاءها الليبيين. 

ومع ذلك، تعثر السعي لبداية جديدة مع الشرق في فبراير/شباط 2022، حيث اختار مجلس النواب باشاغا لتشكيل حكومة جديدة على أساس أن ولاية الدبيبة انتهت في 24 ديسمبر/كانون الأول 2021 عندما فشل إجراء الانتخابات بموجب خطة سلام بوساطة الأمم المتحدة.

والآن، يعتقد كثيرون أن مواقف الولايات المتحدة وتركيا ستكون حاسمة في تغيير الميزان.

وكان المعسكران الليبيان على شفا مواجهة مسلحة في 10 مارس عندما تحركت القوات الموالية لباشاغا من مصراتة باتجاه طرابلس لكن القوات الموالية للدبيبة أوقفتها.

وضغط السفير الأميركي في طرابلس ريتشارد نورلاند وممثلة الأمم المتحدة في ليبيا ستيفاني ويليامز على الجانبين للتركيز على إجراء الانتخابات من خلال تشكيل لجنة مشتركة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.

وفقا لصحيفة “ذا عرب ويكلي”، تدخلت تركيا في وقت سابق من مارس/آذار 2022، حيث قدمت وساطة بين الخصمين. 

وبحسب ما ورد، وافق وزير الداخلية السابق على العرض لكن الدبيبة كان يخشى أن يرقى تدخل أنقرة إلى حد الاعتراف الضمني بحكومة باشاغا وبالتالي نهاية ولايته. 

ورفض الدبيبة العرض “معربا عن استعداده لاستخدام الوسائل العسكرية” ضد باشاغا، بحسب التقرير. وكان الدبيبة قد التقى سفير تركيا في طرابلس في 6 مارس. 

كما حاولت تركيا جمع الشخصين معا في منتدى دبلوماسي دولي في مدينة أنطاليا الساحلية خلال ذات الشهر، ولكن في النهاية لم يحضر الحدث سوى الدبيبة، وفق ما نقل الموقع.

وفي غضون ذلك، كانت هناك تكهنات بأن الدبيبة يمكن أن يتنازل عن التفويض لباشاغا بشرط أن يترشح للرئاسة في الانتخابات المرتقبة.

وفقا لتقارير أخرى، اقترح نورلاند صيغة منتصف الطريق حيث تستمر حكومة الوحدة الوطنية حتى الانتخابات بعد بعض المراجعات الوزارية، على أن يقدم الدبيبة ضمانا مكتوبا بأنه لن يترشح للرئاسة. ونفى شركاء باشاغا هذا المقترح.

وأضافت محاولة باشاغا الزحف نحو طرابلس إلحاحية للجهود المبذولة للتوصل إلى حل وسط. وفي 12 مارس، أعلن نورلاند أن الطرفين مستعدان لإجراء محادثات بعد لقاء باشاغا في تونس. 

وقال إن شكل ومكان المحادثات ستقررهما الأطراف بنفسها بالتشاور مع الأمم المتحدة والشركاء الدوليين. 

وبحسب مصادر ليبية، أصبح الدبيبة الآن يفضل الوساطة التركية وعاد احتمال إجراء محادثات في أنطاليا إلى جدول الأعمال. وفي مؤشر على مدى تقلب الوضع، استقال ثلاثة وزراء من حكومة الدبيبة.

انزلاق البساط

ويقول الموقع الأميركي: “يبدو أن الكثيرين يستنتجون أن البساط ينزلق من تحت أقدام الدبيبة، معتبرين الدعم الدولي للمحادثات بين رئيسي الوزراء المتنافسين بمثابة اعتراف مستتر بباشاغا”.

مع ذلك، فإن فشل باشاغا في الانتصار قد يثير شبح رفض القوات الشرقية التعاون مع جهود ويليامز التي تركز على الانتخابات أو اتخاذ خطوات أخرى تتحدى الغرب، بما في ذلك حتى وقف إنتاج النفط. 

ووسط جهود لتقليل الاعتماد على روسيا في مجال الطاقة، تود واشنطن تجنب أي اضطراب في تدفق النفط الليبي ورفع الحظر المفروض على إنتاج النفط في اثنين من حقول النفط الرئيسة في ليبيا في وقت سابق من مارس.

وكانت الأمم المتحدة والولايات المتحدة قد دعتا لإنهاء الإغلاق على الفور.

ويقول الموقع إن “دعم باشاغا سيوفر لتركيا فرصة لتحقيق السلام مع شرق ليبيا لكن أنقرة بحاجة إلى أن تخطو بحذر لأن قوات طرابلس ومصراتة التي دربتها وسلحتها لا تزال معادية بشدة لحفتر”.

علاوة على ذلك، يشترك حفتر وصالح المدعومان من مصر وروسيا، في هدف إخراج تركيا من ليبيا على الرغم من التنافس بين الاثنين. 

وشهد اجتماع 9 مارس للجامعة العربية إدانة أخرى لوجود تركيا في ليبيا، مما يدل على أن مصر تحتفظ بخطها الأحمر. 

وباختصار فإن التقارب مع باشاغا ليس بالأمر السهل بالنسبة لتركيا لأنها لا تزال غير متأكدة من رد فعل الليبيين الغربيين وما سيفعله الليبيون الشرقيون في المستقبل. 

ووصف الباحث المتخصص في الشؤون الليبية جلال حرشاوي الوجود التركي في شمال غرب ليبيا بأنه “مترسخ للغاية”، ويتألف من “أكثر من 700 مستشار وضابط وجاسوس”، وفق تعبيره.

وبخلاف المواطنين الأتراك “هناك أكثر من 3000 مرتزق سوري يمكن حشدهم في سياق عملية عسكرية إذا تدهور الوضع”، بحسب ما قال حرشاوي للموقع.

وعلاوة على ذلك، تابع أن “أنقرة كانت نشطة للغاية كمنسق. عندما توفر دولة ناضجة مثل تركيا التنسيق، فمن المؤكد أن التماسك بين الليبيين سيكون أكبر وأكثر فاعلية – وهذا ما رأيناه في الأسابيع الأخيرة”.

هذا لا يعني أن تركيا وحدها هي التي تفسر مرونة حكومة الوحدة الوطنية حتى الآن، لكن دورها له أهمية كبيرة. وكان الجمع بين الوجود العسكري والمشورة والتنسيق مفيدا حتى الآن، كما قال.

كما شجع النهج الغامض للولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والجهات الفاعلة الدولية الأخرى الدبيبة على المقاومة. 

وحافظ على إمكانية الوصول إلى الموارد المالية، واستمر في العمل مع الأركان العامة والمخابرات العسكرية، وضمن ولاء عدد من القوات العسكرية. 

يضيف الموقع: “لا يزال اثنان من قادة المليشيات في طرابلس- عبد الغني الككلي وأيوب أبو راس- إلى جانب الدبيبة”.

تأييد كبير

ومن جانبه، يبدو أن باشاغا يتمتع بتأييد عدد كبير من الجماعات الغربية بالإضافة إلى الدعم المحتمل لقوات حفتر. 

وبحسب وكالة الأناضول التركية، أعربت 118 جماعة مسلحة عن دعمها لباشاغا و65 جماعة أكدت دعم الدبيبة. 

ويواجه باشاغا تحديا كبيرا وهو أن محافظ البنك المركزي الذي يتحكم في عائدات النفط ومخصصات الميزانية ما زال إلى جانب الدبيبة. 

وبحسب حرشاوي، فإن تركيا ليست العامل الوحيد الذي يمنع باشاغا من دخول طرابلس.

فلا تزال العديد من نخب مصراتة وشيوخها وأعيانها متشككين في تحالف باشاغا مع حفتر، وفق الموقع.

بالإضافة إلى ذلك، ظل الدبيبة نشطا وقدم ترتيبات مالية لأفراد المليشيات الذين كانوا في البداية يميلون إلى معارضته. 

وبينما حذر الدبيبة من استخدام القوة، كان باشاغا أكثر حذرا بسبب التحالف المتوقع بين الأخير وحفتر، وفق تقدير حرشاوي.

جغرافيا تحاول قوافل باشاغا القدوم إلى طرابلس من الخارج، لكنه سيخسر أكثر بكثير من الدبيبة إذا استخدم هو أو حلفاؤه القوة الغاشمة.

إذا تعرضوا لخطر اندلاع أزمة تذكرنا بحرب حفتر في 2019-2020، فإن باشاغا سيخسر كل شيء سياسيا، وفق الباحث.

وبسبب مخاوفها من علاقات حفتر مع روسيا، اتبعت واشنطن نهجا يتوافق مع موقف تركيا. ومع ذلك، حافظ نورلاند على اتصالات مع كل من الدبيبة وباشاغا.

وسعت الولايات المتحدة إلى تمهيد الطريق أمام خطة الأمم المتحدة لتشكيل لجنة انتخابات في غضون 14 يوما، بدءا من 15 مارس.

وقد يؤدي تغيير نهائي في موقف الولايات المتحدة إلى التأثير في موقف تركيا أيضا. وترغب واشنطن، التي عرفت باشاغا جيدا لسنوات عديدة في إبقاء خياراتها مفتوحة.

وإذا تمكن باشاغا بطريقة ما من دخول طرابلس، فإن الولايات المتحدة تريد أن تكون قادرة على قبول ذلك والعمل مع الواقع الجديد بسلاسة.

وسيعتمد استعداد واشنطن لاختيار باشاغا أيضا على ما إذا كان بإمكانه تلبية توقعات الولايات المتحدة للحد من النفوذ الروسي المرتبط بحفتر على حكومته.

وفي خضم الأزمة الأوكرانية، يبدو أن الموقف الأميركي الحازم تجاه روسيا سيكون له تداعيات في ليبيا أيضا.

ومن غير المرجح أن يسمح أصحاب المصلحة في ليبيا بتسليم السلطة في طرابلس دون شروط توازن باشاغا وحلفائه.

وبالنسبة للولايات المتحدة، سيكون هذا بمثابة كبح جماح للنفوذ الروسي وتركيا، والحفاظ على وجودها في ليبيا وتبني الشرقيين لاتفاق عام 2019 لترسيم الحدود البحرية بين أنقرة وطرابلس.

لكن ماذا لو حاول باشاغا دخول طرابلس بالقوة مدعوما بقوات حفتر دون أي تطمينات على المصالح التركية والأميركية؟

بحسب حرشاوي، فإن مثل هذا السيناريو قد يؤدي إلى تكرار تدخل تركيا 2019-2020 لصالح طرابلس بمباركة الولايات المتحدة.

وقد يشمل ذلك “التوسع الإقليمي” إلى المناطق التي تسيطر عليها قوات حفتر وشركة فاغنر العسكرية الروسية الخاصة، والتي تعد أيضا موطنا لحقول ومحطات النفط الرئيسية.

وبعد تأمين طرابلس في عام 2020، توقفت تركيا في سرت والجفرة بينما كانت مصر وروسيا في حالة تأهب قصوى، في الوقت الذي تبدو فيه موسكو هذه المرة مشغولة للغاية بأوكرانيا.

_____________

مواد ذات علاقة