في ختام الجلسة المنعقدة بمدينة طبرق في الأول من آذار/ مارس 2022، أعلن رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، منح الثقة لحكومةٍ جديدة يرأسها فتحي باشاغا. ويأتي تكليف باشاغا عقب تأجيل الانتخابات التي كانت مقررة في 24 كانون الأول/ ديسمبر 2021 إلى أجل غير مسمى، وفي خضم تجاذبات سياسية حادة بين مؤيدين للخطوة ومعارضين لها.

سياقات تشكيل حكومة باشاغا

وصلت خريطة الطريق التي أقرّها ملتقى الحوار السياسي الليبي في جنيف أواخر عام 2020، وتشكلت على أساسها حكومة عبد الحميد الدبيبة للقيام بمهمة رئيسة هي قيادة البلاد نحو انتخابات رئاسية وبرلمانية، إلى طريق مسدود نتيجة الفشل في تنظيم تلك الانتخابات في موعدها المقرر. وكانت بوادر الفشل في الالتزام بموعد إجراء الانتخابات بدأت تظهر مع ترشح كل من سيف الإسلام القذافي وخليفة حفتر وعبد الحميد الدبيبة لمنصب الرئاسة، وفشل المفوضية العليا للانتخابات والقضاء في حسم الجدل الدائر حول قانونية ترشّحهم.

بتأجيل الاستحقاق الانتخابي، تصاعد الخلاف حول شرعية استمرار حكومة الدبيبة. وبدا الانقسام واضحًا بين معسكرٍ يرى أن شرعية الحكومة تنتهي بانقضاء الموعد المحدد لإجراء الانتخابات الوارد في خريطة الطريق المنبثقة عن ملتقى الحوار السياسي، وآخر يذهب إلى أن شرعية حكومة الدبيبة قائمة إلى حين تسليم السلطة لحكومة منتخبة. وكان رئيس مجلس النواب عقيلة صالح ووزير الداخلية السابق فتحي باشاغا، ومعهما عدد من أعضاء مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة أهم الداعين إلى تكليف حكومة بديلة من حكومة الدبيبة، في حين انحاز بعض الأعضاء من المجلسين إلى خيار الإبقاء عليها حتى إجراء انتخابات تفرز حكومة جديدة. ولم ير هؤلاء أي سبب يدعو إلى حكومة جديدة والفرق الذي يمكن أن تحدثه ما دام الهدف هو الانتخابات.

وفي 10 شباط/ فبراير 2022 عقد مجلس النواب جلسة في مقره في طبرق للنظر في إدخال تعديل على الإعلان الدستوري يسمح باختيار رئيس لحكومة جديدة، حيث ترشح لشغل المنصب سبعة مرشحين، لم يحصل منهم على تزكيات سوى فتحي باشاغا وخالد البيباص. وانتهت الجلسة بإعلان رئيس المجلس عقيلة صالح إقرار التعديل الدستوري وانسحاب البيباص واختيار باشاغا لرئاسة الحكومة.

ساد الجلسة الفوضى وتبادل الاتهامات بين النواب، وبين بعض النواب ورئيس المجلس. وتركزت الخلافات حول شرعية النظر في تعديل الإعلان الدستوري وفي اختيار رئيس حكومة من جانب مجلس النواب ومن خلال التزكيات المقدمة من أعضاء في المجلس الأعلى للدولة، ووجهت اتهامات لعقيلة صالح بتزوير نتيجة التصويت على تكليف باشاغا.

انقسام وغموض في المواقف

استبق الدبيبة انعقاد جلسة مجلس النواب بالإعلان عن أنه لن يسلم السلطة إلا لحكومة منتخبة؛ مؤكدًا أنّ “أهالي طرابلس لن يسمحوا بدخول أحد إليها بالقوة”، معتبرًا أن الأمر لا يختلف عن محاولة حفتر، سابقًا، السيطرة على طرابلس ولكن بأدوات مختلفة. وإثر منح الثقة لحكومة باشاغا، تعهد الدبيبة بأنّ حكومته “مستمرة في عملها حتى إجراء الانتخابات في يونيو القادم”. وبرر الدبيبة موقفه بأن المجلس الرئاسي هو الجهة الوحيدة التي يحق لها تغيير الحكومة وفق خريطة طريق جنيف، محذرًا من تداعيات تشكيل حكومة موازية على المرحلة الانتقالية. وبدلًا من ذلك دعا الدبيبة إلى إجراء انتخابات في حزيران/ يونيو 2022، وشكّل لجنة ترأسها وزيرة العدل لصياغة مشروع قانون انتخابي جديد، وباشر مشاورات مع الأطراف المختلفة لتنفيذ خريطة طريق جديدة تؤدي إلى تنظيم انتخابات في حزيران/ يونيو القادم.

شهدت مواقف أعضاء المجلس الأعلى للدولة ورئيسه خالد المشري من تغيير الحكومة انقسامًا وتضاربًا واضحَين. فقد أُعلن، خلال جلسة اختيار رئيس الحكومة، أنّ عددًا من أعضاء المجلس الأعلى للدولة منحوا تزكياتهم لباشاغا، وأن اللجنة المشكَّلة من أعضاء من المجلسين (مجلس الدولة، ومجلس النواب) هي التي صاغت مشروع تعديل الإعلان الدستوري، بينما بدت تصريحات رئيس مجلس الدولة، خالد المشري، أقرب إلى “تفهم” قرار مجلس النواب، لكن موقفه ما لبث أن تغير إذ صرح بأن “التعديل الدستوري وتغيير رئيس الوزراء قرارات غير نهائية”، ثم ذهب إلى اعتبار “مشروع الحكومة المقترحة بمنزلة إدخال للمعتدين إلى العاصمة من النافذة بعد فشلهم في دخولها بالقوة”. وازداد موقف أعضاء المجلس الأعلى للدولة ارتباكًا بنفي عدد منهم توقيع بيان مساندة لحكومة باشاغا، واتهامهم من روّج لذلك بالتزوير.

أمّا رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي فبدا في وضع غير مريح، إذ حاول الوقوف على مسافة واحدة من جميع الفرقاء. وفي الوقت الذي لم يصدر عنه أي تصريح يمكن تأويله على أنه انحياز إلى أحد المعسكرين، ظهرت تسريبات تفيد بسعيه للوساطة بين الدبيبة وباشاغا، و”رفضه رؤية البلاد تنزلق إلى صراع جديد”. في الأثناء، رحّب الناطق الرسمي باسم قيادة قوات حفتر، أحمد المسماري، باختيار باشاغا رئيسًا لحكومة جديدة “تعمل مع الجهات النظامية العسكرية والأمنية، من أجل فرض هيبة الدولة”.

المواقف الخارجية

أعلن المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، ستيفان دوجاريك، في تصريح أدلى به بعد اختيار باشاغا، أنّ المنظمة الأممية ما زالت تعترف بحكومة الدبيبة، قبل أن يشهد الموقف الأممي تحولًا نسبيًا بعد أن التقت مستشارة الأمين العام في ليبيا، ستيفاني ويليامز، بالدبيبة وبباشاغا، إذ حملت تصريحاتها قبولًا ضمنيًا بمخرجات مجلس النواب، من خلال تأكيد “ضرورة المضي قدمًا بطريقة شفافة وتوافقية ومن دون أي إقصاء”، غير أن الموقف الأممي شهد تغيرًا جديدًا إثر جلسة منح الثقة، حيث صرّح المتحدث باسم الأمين العام بأن التصويت “لم يرق إلى المعايير المتوقعة للشفافية”، وأكدت ويليامز أن “حل الأزمة الليبية ليس في تشكيل إدارات متنافسة ومراحل انتقالية دائمة”، ودعت إلى “اجتماع لجنة من ستة أعضاء عن كلٍ من المجلسين لوضع قاعدة دستورية توافقية”.

وعلى غرار الموقف الأممي، أكّد السفير الأميركي في ليبيا “دعم كل جهد يُبذل، للتوصل إلى حلول وسط تؤدي في أقرب وقت ممكن إلى مسار موثوق لإجراء الانتخابات”، وأبقى على قدر من الغموض بقوله إن بلاده “ليس من شأنها أن تقول للّيبيين ما يجب عليهم فعله في الوضع الحالي”. وهو الموقف الذي تكرر في البيان المشترك الصادر عن الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وعلى خلاف المواقف الغربية، أبدت روسيا ترحيبًا صريحًا بحكومة باشاغا، واعتبرت الأمر بمنزلة “خطوة مهمة نحو تجاوز الأزمة”.

وعلى المستوى الإقليمي، بدا أن مصر أدّت دورًا في الدفع نحو تشكيل حكومة باشاغا، إذ من شأن التحاق باشاغا، المنحدر من مصراتة والمحسوب سياسيًا على المنطقة الغربية، بمعسكر حفتر وصالح، أن يشكّل رافعة جديدة للمصالح المصرية في ليبيا. وبدا الترحيب المصري باختيار باشاغا صريحًا من خلال إصدار وزارة الخارجية المصرية بيانًا، بعد وقت وجيز من جلسة مجلس النواب الليبي، أكدت فيه أن مجلس النواب “هو الجهة التشريعية المنتخبة، والمعبرة عن إرادة الشعب الليبي الشقيق، والمنوط به منح الشرعية للسلطة التنفيذية”.

ورغم أن القاهرة أقامت علاقات مع الدبيبة، منذ تولّيه منصبه، وشهدت العلاقات الاقتصادية بين القاهرة والمنطقة الغربية من ليبيا تطورًا ملحوظًا تجلّى في استقبال الوفود الحكومية المصرية، وعودة العمالة المصرية بأعداد كبيرة إلى المنطقة، وحصول المقاولات المصرية على صفقات أشغال مهمة في طرابلس والمنطقة الغربية، فإنّ مصر لم تكن مرتاحة كليًا للتحالف الذي يقف وراء حكومة الدبيبة واستمرار الجفاء القائم بينه وبين حفتر.

وعلى خلاف الموقف المصري الصريح الداعم لاختيار باشاغا، بدا الموقف التركي أقل حماسًا للتطورات الأخيرة. إذ لم ير الرئيس التركي رجب طيب أدوغان أنّ “خطوة تشكيل حكومة جديدة في ليبيا مقاربة صحيحة”، وإن اعتبر أنّ “العلاقة بفتحي باشاغا جيدة، وكذلك العلاقة بالدبيبة”، وأن “المهم هو من يختاره الشعب الليبي وكيف”. ويبدو أنّ تركيا لم تكن مرتاحة للدور المصري الواضح في هندسة التحالف الذي ضمّ باشاغا إلى معسكرها التقليدي في شرق ليبيا، رغم الثغرات التي فتحتها الدبلوماسية التركية مع بنغازي بالزيارات المتبادلة بين مسؤولين أتراك ونواب محسوبين على معسكر حفتر.

العودة إلى المربع الأول

كشفت ردود الأفعال على اختيار البرلمان فتحي باشاغا رئيسًا لحكومة جديدة ومنحه الثقة عن هشاشة المشهد السياسي والأمني في ليبيا وعمق الانقسام بين مختلف الفرقاء، وحدّة التدخّل الإقليمي والدولي ودوره في إعادة تشكيل المشهد الليبي وفق متطلبات المرحلة الجديدة التي أفرزها انكسار قوات حفتر، ودحرها عن العاصمة والمنطقة الغربية وسقوط خيار الحسم العسكري، وما تلاه من توافق على مخرجات ملتقى الحوار السياسي الليبي وخريطة الطريق.

لكن تكليف باشاغا برئاسة حكومة جديدة أعاد البلاد إلى المربع الأول، وربما تسبب في انقسامات أعمق وأوسع. ففي حين ظلت الساحة الليبية، منذ 2014، منقسمة بين معسكرين رئيسين؛ أحدهما محسوب على المنطقة الشرقية واللواء المتقاعد خليفة حفتر والآخر محسوب، سياسيًا وعسكريًا، على المنطقة الغربية، فإن انضمام باشاغا إلى معسكر حفتر وصالح ورعاتهما الإقليميين من شأنه أن ينقل الانقسام إلى المنطقة الغربية وإلى مدينة مصراتة ذات الثقل العسكري والسياسي والاقتصادي، إذ ينحدر كل من باشاغا والدبيبة من هذه المدينة، ولكليهما علاقات بتشكيلات عسكرية ومكونات اجتماعية وسياسية منها.

وفي ظل المشهد المنقسم، سياسيًا وعسكريًا، يصرّ كل من الدبيبة وباشاغا على المضيّ في موقفه. فقد دعا باشاغا مؤسسات الدولة الإدارية والأمنية والعسكرية إلى عدم الاعتداد بأي قرارات صادرة عن حكومة الدبيبة في حين تواصل الأخيرة عملها، رافضةً تسليم مهامها إلا لحكومة منتخبة، وتحشد تشكيلات عسكرية صفوفها لمنع باشاغا من دخول العاصمة.

ورغم أن الانقسام المؤسساتي أضحى، من جديد، واقعًا في ليبيا فإن حكومة الدبيبة تحافظ على تماسكها، ولم تظهر بوادر حتى الآن عن تغيّر ولاءات مؤسساتها الأمنية والعسكرية، بينما يبدو باشاغا عاجزًا، حتى اللحظة، عن إحداث اختراق سياسي وأمني مؤثر في العاصمة ومصراتة والمنطقة الغربية عمومًا، ولا يزال يمارس مهماته في المنطقة الشرقية.

خاتمة

لم يكن اختيار مجلس النواب الليبي وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا رئيسًا لحكومة جديدة بديلة من حكومة الدبيبة أمرًا مفاجئًا، إذ سبقه تقاربٌ واضح بينه وبين المعسكر المحسوب على حفتر وعقيلة صالح ورعاتهما الإقليميين منذ الحرب على طرابلس ثم ملتقى الحوار السياسي الليبي في جنيف.

ورغم الدعم النسبي الذي تلقّاه باشاغا من مجلس النواب ورئيسه وبعض أعضاء المجلس الأعلى للدولة ومكونات سياسية وعسكرية في المنطقة الغربية ومصراتة، فإنه ما زال عاجزًا عن الانتقال إلى العاصمة وكسب اعتراف دولي صريح بحكومته، في مقابل حفاظ الدبيبة على تماسك حكومته وجبهته السياسية والعسكرية.

ومع تصاعد الدعم الدولي للمقترح الأممي بتشكيل لجنة لصياغة قاعدة دستورية تساعد على التعجيل بتنظيم الانتخابات، يرجَّح أن تبقى حكومة باشاغا من دون سلطات فعلية إلى حين التوافق على صيغة جديدة تسهم في إخراج ليبيا من أزمتها التي فاقمها تشكيل حكومة باشاغا تعقيدًا.

_______________

مواد ذات علاقة