أسامة علي

بدأت ملامح الازدواج الحكومي في ليبيا بالظهور بسبب وجود حكومتين، حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، المعترف بها دوليا وتعمل من العاصمة طرابلس، والثانية الحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة فتحي باشاغا، التي منحت الثقة مطلع مارس/ آذار الحالي، ولم تنل اعترافاً دولياً. 

ومع تمسك حكومة الدبيبة بالسلطة وإصرارها على عدم تسليم المهام إلا لحكومة منتخبة، وتشبث حكومة باشاغا بضرورة تسلم مهام حكومته في العاصمة، برزت ملامح الازدواج، خاصةً بعد سيطرة حكومة باشاغا على ديوان رئاسة الوزراء في عاصمتي الإقليمين الشرقي والجنوبي، بمدينتي بنغازي وسبها. 

وزادت ملامح هذا الازدواج مع بدء حكومة باشاغا في إصدار البيانات والبلاغات والقرارات كحكومة رسمية للبلاد، إذ أصدر باشاغا عدة منشورات وجهها للمؤسسات والمصالح حكومية والهيئات والبلديات يخطرها بعدم تنفيذ أي قرارات أو تعليمات صادرة من حكومة الدبيبة التي يصفها بـ”حكومة تصريف الأعمال منتهية الولاية”. 

ويحظر باشاغا على تلك الجهات إجراء أي تعديل أو تغيير في المراكز القانونية والإدارية تبعاً للقرارات التي تصدر عن حكومة الدبيبة، محذرا المخالفين من مغبّة المسؤولية القانونية والتعرّض للمساءلة التأديبية والجنائية. 

إلى ذلك، شرع نائبا باشاغا في الحكومة وعدد من الوزراء بالعمل في جنوب البلاد وشرقها، وأصدرا قرارات وتوجيهات، عدا عن إجرائهما زيارات ميدانية لعدة جهات عامة “مدنية وعسكرية وأمنية”، للإيحاء على ما يبدو أن حكومة الدبيبة تقتصر سيطرتها على طرابلس وبعض المناطق المجاورة لها فقط. 

وإضافة إلى الحراك الداخلي، زادت حكومة باشاغا من وتيرة حراكها في الخارج، من خلال لقاء باشاغا عددا من سفراء الدول الخارجية لدى ليبيا، التي اتخذ بعضها طابعًا سياسيًا كلقائه بالسفير الأوكراني لدى ليبيا السبت الماضي، وتأكيده خلال اللقاء دعم ليبيا للشعب الأوكراني “في كفاحه من أجل الحرية”، وفق تغريدة له على حسابه على “تويتر”. 

كما أصدرت وزارة الخارجية بحكومة باشاغا بيانًا دانت فيه الهجوم الذي لحق بمنشآت شركة أرامكو السعودية. 

وفي السياق، طالب باشاغا في مناسبات عديدة بوقف ما سماه “التصعيد السياسي والعسكري” الذي يقول إن حكومة الدبيبة “تمارسه عبر اغتصاب السلطة واحتلال المقار الحكومية بالعاصمة استناداً إلى فرض الأمر الواقع واستغلالاً لحرص حكومة باشاغا على عدم استخدام العنف والتصعيد العسكري”.

وحذّر باشاغا من أن تهدد تصرفات حكومة الدبيبة اتفاق وقف إطلاق النار، وتقوّض الجهود المحلية والدولية الساعية لإجراء الانتخابات. وجاءت تصريحات باشاغا عقب فشل قوات تابعة له في 11 من الشهر الجاري في دخول العاصمة التي تتمترس فيها قوات أخرى داعمة للدبيبة قامت بنصب بوابات أمنية وعسكرية وتكويم السواتر الترابية بمداخل المدينة. 

ولا زالت حكومة الدبيبة تمارس أعمالها بشكل اعتيادي من طرابلس، وتصدر القرارات والتوجيهات وتتابع أعمال الإنشاءات والصيانة بمؤسسات الدولة، تزامنا مع اجتماعات لم يتوقف الدبيبة عن عقدها مع وزراء حكومته، بما في ذلك عقد اجتماعات مع جهات سيادية في الدولة آخرها لقاؤه محافظ البنك المركزي الصديق الكبير، ورئيس المؤسسة الوطنية للنفط مصطفى صنع الله، الثلاثاء الماضي، بالتزامن مع إصدار عدد من القرارات لمعالجة أزمة ارتفاع الأسعار، كما يبدو أنها لا تزال تمثل البلاد في الخارج، إذ شاركت وزيرة خارجيته بمنتدى الدوحة في نسخته الـ 20. 

ويرى مراقبون أن ما تقوم به الحكومتان يعد شكلًا واضحًا من أشكال الانقسام السياسي الذي بدأ يعود إلى الواجهة بعد أقل من سنتين من توحيد السلطة التنفيذية، فيما عبر عدة سياسيين عن مخاوفهم من مغبة ذلك وتبعاته على حال البلاد التي تعيش فترة سياسية مؤقتة وأزمات أمنية واقتصادية استمرت 11 عاماً حتى الآن، وتُنبئ بمزيد من الاستمرار. 

ولم يشمل الانقسام السلطات التنفيذية فقط، بل طاول الجهات التشريعية المتمثلة في مجلس النواب (الداعم لحكومة باشاغا) والمجلس الأعلى للدولة (الذي يطالب بتأجيل مسألة النظر في تغيير الحكومة لما بعد البث في القاعدة الدستورية المنظمة للانتخابات الرئاسية والبرلمانية المؤجلة لوقت غير محدد بعد). 

ولم تنجح الجهود الدولية التي قادتها مستشارة الأمين العام للأمم المتحدة للشأن الليبي، ستيفاني وليامز، في جمع المجلسين على طاولة واحدة، تنفيذاً لمبادرة أطلقتها خلال الشهر الجاري بدعم دولي، بهدف دفعهما للاتفاق على قاعدة دستورية، حيث اقتصر حضور الاجتماعات التشاورية، التي بدأت بها وليامز في تونس الأسبوع الماضي، على لجنة ممثلين عن مجلس الدولة، في حين غاب مجلس النواب عن الصورة، ولم يعقد أي اجتماع منذ تأدية حكومة باشاغا اليمين القانونية أمامه بداية مارس/آذار الحالي.

من جهته، يرى الكاتب الصحافي والمهتم بالشأن العام موسى تيهو ساي، أن الوضع الحالي مقلق جداً على المستويين السياسي والأمني، وقد يُعيد البلاد إلى مرحلة ما قبل اتفاق جنيف الذي أدى لتوحيد السلطة التنفيذية في البلاد العام الماضي. ويقول تيهو ساي لـ”العربي الجديد”: “في ظل غياب الأمل بتراجع الدبيبة أو باشاغا عن مواقفهما، نحن فعلاً في مرحلة ازدواج حكومي، وعلى مشارف عودة الانقسام السياسي، والأمر يمكن أن يتطور إلى الأسوأ بالنظر لعدة عوامل سياسية، أهمها ضعف موقف الأمم المتحدة، وعدم توصلها لآلية اتفاق بين مجلسي النواب والدولة، بشكل ينعكس على الاصطفاف الحكومي”. 

وفيما يشير الى قرب انتهاء تكليف وليامز بمنصب مستشار للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، يقول “ما يزيد من القلق أن ستيفاني وليامز في شهرها الأخير وأن هناك محاولات روسية لعدم التجديد لها أو تسميتها كمبعوث أممي. بشكل عام قد يؤثر الصراع الدولي القائم حالياً على دور الأمم المتحدة في البحث عن حل للأزمة الليبية”. 

وبحسب تيهو ساي، فإن ما يدعو للاطمئنان إلى حد ما هو الإصرار الدولي على استمرار تثبيت اتفاق وقف إطلاق النار وعدم تطور الصراع السياسي القائم وتحوله لمواجهة مسلحة بين أنصار الحكومتين، ويرى أن هذا الإصرار الدولي على تهدئة الجبهات سيؤدي لتخفيض مستوى التوتر، موضحا أن “المصلحة الدولية في ذلك تنبع من ضرورة عدم تأثير الملف الليبي على الصراع الدائر في أوكرانيا، فالصراع هنا مؤثر ومتأثر بما يجري في أوروبا الآن”. 

وتبعاً لذلك يستبعد تيهو ساي اندلاع حرب أخرى في البلاد، كالتي وقعت في طرابلس عامي 2019 – 2020، لغياب الدعم العسكري الخارجي لأطراف الصراع.   

ويعتقد تيهو ساي أن ملف الطاقة يأتي على رأس الأولويات الدولية فيما يتعلق بالشأن الليبي اليوم، مشيرًا إلى أن المصلحة الدولية تقتضي إبقاء ملف النفط محايداً في الأزمة، وذلك عبر الحفاظ على تدفقات النفط والغاز الليبي، مضيفًا “هذا أهم أسباب الإبقاء على حالة اللا حرب واللا سلم في البلاد، إلى حين الوصول لتفاهم ما بين الخصوم، يقود لإجراء انتخابات تنهي كل الأجسام السياسية الحالية”.

كواليس مقترح غربي لتنظيم انتخابات عامة في ليبيا منتصف عام 2023

كشفت مصادر ليبية متطابقة، اليوم السبت، النقاب عن جانب من مقترح متداول في بعض الأوساط الليبية، يفضي إلى انتخابات عامة منتصف العام المقبل، وسط اعتراض من جانب بعض الأطراف الليبية، وتحديداً مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.

وبحسب المصادر التي تحدثت لـ”العربي الجديد”، فإن المقترح الذي دفعت به إحدى الدول الغربية ولقي ترحيباً من عواصم أوروبية، يقضي بتجميد كل الأجسام السياسية الحالية، وتكليف رئيس المحكمة العليا برئاسة مؤقتة للدولة، يقوم بالعمل على الإعداد للانتخابات العامة في موعد أقصاه يونيو/حزيران من العام المقبل، بالإضافة لتسميته لحكومة مؤقتة مهمتها تسيير الخدمات وتصريف الأعمال.

وأوضحت المصادر أنه فيما تدفع المستشارة الأممية ستيفاني وليامز، في اتجاه حتميّة إعداد قاعدة دستورية للانتخابات الليبية قبل يونيو/حزيران المقبل، وهو موعد انتهاء ولاية السلطة التنفيذية المتمثلة في حكومة الوحدة الوطنية والمجلس الرئاسي، ستكثف عواصم غربية من اتصالاتها بأطراف ليبية، من أجل دفع الأوضاع في اتجاه القبول برئاسة رئيس المحكمة العليا للبلاد بشكل مؤقت، إلى حين إجراء الانتخابات.

ومن بين تفاصيل المقترح، إصدار رئيس المحكمة العليا مرسوماً قضائياً بتجميد أعمال مجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة، والمجلس الرئاسي، وحكومة الوحدة الوطنية، إضافة للحكومة الجديدة المكلفة من مجلس النواب. وتشير المصادر إلى نوايا تغيير رئيس المحكمة العليا الحالي محمد الحافي، وتسمية رئيس جديد من قبل المجلس الأعلى للقضاء.

وفي الأثناء، أكدت المصادر أن المقترح لقي معارضة شديدة من جانب رئاسة مجلس النواب الممثلة في عقيلة صالح، وكذلك من جانب شخصيات قيادية في المجلس الأعلى للدولة، وفسرت أن مماطلة مجلس النواب في إرسال ممثليه للمشاركة في اجتماعات اللجنة الدستورية المشتركة في تونس بإشراف البعثة الأممية، على علاقة بموقفه المعارض للمقترح.

وبدأت اجتماعات تشاورية للجنة الدستورية المقترحة من وليامز لإعداد قاعدة دستورية للانتخابات، منذ الثلاثاء الماضي في تونس، بشكل أحادي من جانب ممثلي المجلس الأعلى للدولة، وانتهت الخميس الماضي، بحسب تغريدة لوليامز على حسابها على “تويتر” أمس الجمعة، فيما لم يرسل مجلس النواب ممثليه. لكن المصادر نفسها رجحت أن تفشل مساعي وليامز في إقناع المجلسين في إعداد قاعدة دستورية، ما يدفع ببدائل أخرى، من بينها مقترح تولي رئيس المحكمة العليا لمقاليد الأمور، خصوصاً وأن الظروف السياسية ستساعد على القبول بالمقترح عند انتهاء شهر يونيو/حزيران المقبل، مخافة دخول البلاد في فراغ حكومي وسياسي.

ويتوقع مراقبون للمشهد أن ينال مقترح تولي المحكمة العليا لمقاليد الأمور في البلاد، تأييداً شعبياً مردّه إلى التذمر العام من بقاء السلطة التنفيذية الحالية بعد انتهاء ولايتها نهاية يونيو المقبل، وفشل مجلسي النواب والدولة في إنهاء الانقسام السياسي وإدارة البلاد لأكثر من ثماني سنوات، وإدخالها في أتون مناوشات وحروب، مع فساد واستغلال سيئ للموارد النفطية.

من الجدير بالذكر أن مجلسي النواب والدولة فقدا شرعيتهما التي تستند إلى الاتفاق السياسي الليبي الموقع في ديسمبر/كانون الأول 2015 بمدينة الصخيرات المغربية بين مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام سابقاً.

وكان اتفاق الصخيرات يهدف لإنهاء الانقسام السياسي الذي بدأ منذ 2014، وجاء بعد نهاية ولاية الأجسام السياسية، وتعثر إجراء انتخابات أو استفتاء على التمديد لها. وكانت نتيجة الاتفاق: تشكيل المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني، واستمرار مجلس النواب كبرلمان للدولة، مع تسمية مجلس أعلى للدولة يتكون من أعضاء المؤتمر الوطني، كجسم استشاري يتوجب على مجلس النواب التوافق معه في إصدار القوانين والتشريعات.

وظهر تعثّر الاتفاق في خطواته الأولى، فباستثناء الصراع الذي دار حول تضمينه في الإعلان الدستوري، لم يعترف مجلس النواب بحكومة الوفاق، وشكّل حكومة مؤقتة موازية عملت طيلة خمس سنوات من مدينة البيضاء شرق البلاد، من دون أن تنال اعترافاً خارجياً.

واستمر الانقسام السياسي إلى أن قامت وليامز (عندما كانت تشغل منصب المبعوث الأممي بالإنابة) بتشكيل ملتقى الحوار السياسي من 75 عضواً يمثلون الأطياف السياسية، من ضمنهم 26 عضواً بالمناصفة بين مجلسي النواب والدولة.

وبتيسير من البعثة الأممية، مع تأييد دولي واسع عقب الحرب الأخيرة في طرابلس، نجح أعضاء الملتقى في التوافق على خارطة طريق أفضت لتوحيد السلطة التنفيذية، متمثلةً في المجلس الرئاسي الحالي وحكومة الوحدة الوطنية، إلا أنهم فشلوا في الاتفاق على قاعدة دستورية تنظم انتخابات برلمانية ورئاسية كان من المفترض إجراؤها يوم 24 ديسمبر/كانون الأول 2021، بحسب الخارطة.

ومع قرب موعد الاقتراع، في ديسمبر الماضي، أصدر مجلس النواب بشكل أحادي، دون التوافق مع مجلس الدولة، قوانين انتخابية لم تلقَ قبولاً واسعاً، ساد بسببها جدل سياسي وقانوني حول ترشّح عدّة شخصيات لمنصب الرئيس، أبرزها نجل العقيد الليبي السابق سيف الإسلام القذافي، واللواء المتقاعد خليفة حفتر، ورئيس حكومة الوحدة عبد الحميد الدبيبة.

ودفعت كل المعطيات السابقة إلى الفشل وإعلان مفوضية الانتخابات قبل يومين من الاقتراع، تعثر إجراء الانتخابات بسبب قوة قاهرة ما زال الجميع يتبادل الاتهامات حولها.

وعقب فشل الانتخابات وعدم الإعلان عن موعد جديد مُتفق عليه لإجرائها، اتفقت لجنتان معينتان من النواب والدولة على إجراء تعديل للإعلان الدستوري، عبر خارطة طريق يتم بموجبها تعديل مشروع الدستور وطرحه على الاستفتاء، ثم إجراء الانتخابات بناء عليه، وصوت مجلس النواب لصالح الخارطة، فيما رفضها مجلس الدولة، ورفض معها الحكومة الجديدة التي شكلها النواب.

وبعد تعمّق الخلاف، وفي وسط الأزمة العالمية الناتجة عن الحرب الأوكرانية، تصدّرت الأمم المتحدة قيادة جهود الوساطة بين المجلسين، بدعم ظاهر من الإدارة الأميركية عبر مبعوثها الخاص وسفيرها لدى ليبيا، وتمثل ذلك في مبادرة أطلقتها وليامز، وتقضي بتشكيل لجنتين من المجلسين لصياغة قاعدة دستورية توافقية، تزامناً مع تسريبات عن مبادرات أخرى غير مُعلنة، ينحو بعضها لاحتمال تنسيق البعثة الأممية مع المجلس الرئاسي في إصدار مرسوم بالقاعدة الدستورية، في حال عدم توافق المجلسين، لكن انتهاء ولاية المجلس الرئاسي في يونيو المقبل يبدو أنه يشكل عثرة أمام تنفيذ مثل هذه المبادرة.

ولم تتأخر كل الأجسام السياسية في الترحيب بالمبادرة، باستثناء مجلس النواب، فقد سمّى مجلس الدولة ممثليه في اللجنة الدستورية، واجتمعت نهاية الأسبوع الماضي مع وليامز في لقاءين تشاوريين بِتونس، فيما يستمر مجلس النواب في المماطلة. وبحسب الخارطة الجديدة التي كشفت عنها المصادر، قد تكون مبادرة اللجنة الدستورية المشتركة آخر مساعي وليامز مع المجلسين قبل إنهاء حياتهما السياسية.

_____________

مواد ذات علاقة