د. الفيتوري صالح السطي و د. محمد هدية درياق

المجتمع الليبي لم ينس تجاربه السابقة من الاستحقاقات الانتخابية، وهي انتخابات المؤتمر الوطني العام، وانتخابات مجلس النواب، وانتخابات هيئة صياغة مشروع الدستور، ولم ينس كذلك الانتكاسات التي حدثت بعد كل مرحلة، مما دفع بالعديد للنظر إلى الانتخابات القادمة بنظرة الأمل والتفاؤل… ولكن!.

الجزء الثاني

2ـ غياب المعرفة السياسية:

قام الباحث (الفيتوري السطي) بدراسة لقياس المعارف السياسية لطلاب الجامعات الليبية في العام 2018، اشتملت الدراسة على عينة من النخب الشبابية (طلاب الجامعة)، واستهدفت العينة طلاب جامعتي سرت وعمر المختار، وركزت الدراسة على جوانب المعرفة السياسية، بشكل أكثر تفصيل ودقة، حيث تم تقسيم المعارف إلى معارف قانونية المعرفة بمؤسسات الدولة السياسية، والمعرفة بالقيادات والشخصيات السياسية وبالتاريخ والجغرافيا وبأنواع أنظمة الحكم وبطرق ممارسة العملية السياسية.

وبينت النتائج أن مستوى المعارف لدى الشباب متوسط بنسبة 60% من العينة، كما أوضحت النتائج نسبة المعرفة لدى الإناث أكثر منها لدى الذكور، وأرجع الباحث ذلك لانشغال الذكور بأمور الحياة اليومية وقلة وسائل نقل المعرفة السياسية والتي تكون ناقلة للمعارف بطريقة بسيطة وسهلة مثل قنوات الإعلام والانترنت، بعكس العناصر النسائية والتي يكون معظم أماكن العمل مهية بتلك الوسائل، مع تتبع الإناث لتلك القنوات.

أما حسب العمر بينت النتائج وجود علاقة عكسية بين قبول المعرفة السياسية والعمر. أما حسب محل الإقامة فتبين وجود علاقة طردية بين مكان السكن والمعرفة السياسية “كلما زاد الازدحام السكاني، زادت المعارف السياسية”. وهذا يؤكد على أهمية الإكتظاظ السكاني في نقل المعرفة السياسية بين أفراد المجتمع سواء بين الافراد أنفسهم أو كثرة التعرض لوسائل نقل الثقافة والتي تكون متوفرة بشكل أكثر.

وحسب مستوى دخل الفرد والأسرة بينت النتائج أن ذوي الدخل المتوسط هم أكثر معرفة بالجوانب السياسية، ويعلل ذلك بأن أصحاب الدخول المرتفعة تكون الأغلبية منهم من أصحاب المهن والوظائف الخاصة والتي يكون فيها الانشغال بالعمل أكثر، مع عدم وجود الوقت لديهم وانشغالهم عن تتبع قنوات نقل المعرفة السياسية ويكون الاهتمام أكثر بتقبل المعرفة المهنية والوظيفية.

 النتائج وجود علاقة عكسية بين العمر ومستوى المعرفة السياسية، وهذه النتيجة تدل على قلة اهتمام الأنظمة السياسية السابقة بتوظيف قنوات نقل المعرفة السياسية للشباب فنتج عن ذلك شباب مفرغ  من محتوى المعارف السياسية.

قلة المعرفة السياسية في المجتمع انبثق عنها بعض الخصائص للثقافة السياسية للمجتمع الليبي والتي يمكن إجمالها في التالي:

ـ انتشار قيم اللاديمقراطية: لقد ولّد التراكم التاريخي للمعرفة السياسية وثقافة الأنظمة السياسية السابقة المتوالية على الحكم في ليبيا ومؤسساتها التابعة لها، والتي عمدت إلى تجاهل الحريات بل وكبحها، ورسخت في المجتمع قيما سلبية معادية للديمقراطية، واللامبالاة السياسية، والاغتراب السياسي، وانعدام الوعي السياسي الديمقراطي لدى المواطن الليبي.

ـ غياب ثقافة المشاركة السياسية: إن غياب ثقافة المشاركة السياسية في المجتمع الليبي هو نتيجة لتظافر مجموعة من العوامل والظروف، منها: قلة المعارف السياسية التي تكوّن مؤسسات ديمقراطية حقيقية وفاعلة، وعدم صدق ووضوح الرموز السياسية وتوجهاتها المختلفة وتلاحق الأكاذيب والاتهامات للناشطين السياسيين، جعل الاهتمام بالمشاركة السياسية قليلة جدا وفي بعض الأحيان منعدمة وخير دليل على ذلك نتائج انتخابات مجلس النواب وهيئة صياغة مشروع الدستور.

ـ انقسام المجتمع: قلة المعرفة السياسية السليمة أظهر في المجتمع الليبي صور متعددة للانقسام القائم على أساس دولة مدنية أو دولة اسلامية أو دولة فيدرالية على أساس ثلاثة أقاليم. وكل منهم له اتجاهه ف،الجانب المدني يدعو للتعددية السياسية واتباع الدستور وأحزاب حاكمة وأخرى معارضة، والدولة الاسلامية المتشدد تتجه إلى عدم الاعتراف بالديمقراطية وتؤمن بالإجماع والمبايعة، وتبني على أساس الاجتهاد وعن طريق الشورى والإجماع، وبين هذا وذلك ضاع المجتمع وامتلأ بالأفكار السياسية متعددة الأطياف دون تجربة أو فهم كامل لها حتى بات لا يصغى لأي منها.

ـ مشاعر الخوف والسلبية: قلة وانعدام المعرفة السياسية الإيجابية لدى الأفراد رسخت مشاعر الخوف في نفوس المواطنين، فأصبحوا عاجزين عن المطالبة بحقوقهم والوقوف في وجه الظلم وولّد مشاعر الخوف من بطش السلطة الحاكمة، خاصة وأن عملية التفضيل في الاختيار وأداة التنافس لتولي المناصب السياسية والقيادية ليس على معيار العلم والعمل، وإنما على معيار عدد الكتائب التابعة له وأصنافها ونوعية السلاح التي يستخدمها والولاءات التي يتمتع بها على الأرض، وتطورت الأمور لتصبح السلبية أحد القيم السائدة جنبا إلى جنب مع الخوف.

ـ فقدان الشعور بقيمة الحقوق السياسية: نظرا لعدم الوعي والالمام بالمعارف السياسية أفقد المجتمع الشعور بقيمة حقوقهم السياسية، وجعل الحكم الفردي والنظام الشمولي يستمر لفترة طويلة. ونظرا لقلة وانعدام المعرفة السياسية أصبحوا ينظرون للحكم أنه ميزة لفئات معينة من الشعب، هي التي تحكم وتجتمع وتقرر.

ـ غياب الثقة: نظرا لقلة المعارف السياسية التي تدعو وتكوّن قيم الثقة بين الحاكم والجتمع وبين المجتمع نفسه. برزت ثقافة النفاق وتغليب المصلحة الشخصية على المصحلة العامة التي أدت إلى غياب الثقة حتى بين المواطنين أنفسهم، ونتج عن ذلك انخفاض مستويات التواصل والتفاعل الاجتماعي في المجتمع وولّد الانقسام.

ـ غياب الحرية: قلة الإلمام بالمعرفة السياسية التي ترسخ لاتجاهات وقيم ديمقراطية أنتجت ممارسات قاهرة سالبة للحرية معادية لها، بل ومتعدية على أبسط مظاهرها، وغياب المساواة بين أفراد المجتمع.

ـ غياب الارادة السياسية: نظرا لقلة المعرفة السياسية التي تدعو للإصلاح السياسي، جعلت من الحاكم أو المسئول هو المتحكم الوحيد في جدية الاصلاح و وتيرته في الدولة أو المؤسسات. وترسخ غياب الإرادة السياسية للتغيير الديمقراطي الفعلي في المجتمع على كامل المستويات المحلية أو على مستوى الدولة.

ـ تشدد الجانب الديني: نظرا لقلة المعرفة الدينية، ظهرت ردة فعل معاكسة ومتطرف في المجتمع، والبيئة التي لم تترك حيزا للاعتراض السلمي مما أفرز الاعتراض المسلح واستعمال القوة المفرطة، وجعلت جميع أشكال الاحتجاج غاضبة وأصبح الأمر لا يحمل الوسط، ولاء تام أو خروج تام ولا مكان للوسطية. وعلى ضوء ذلك، تم تقسيم المجتمع إلى مجموعة من الطبقات والأصنفا، فتم تكفير البعض وحمل البعض الآخر صكوك الغفران لدخول الجنة، بعيدين عن الوسطية التي أوصى بها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

وختاما تقرأ الثقافة السياسية للمجتمع الليبي على أنها ثقافة رعوية تابعة (حسب تقسيمات جبرائيل الموندا للثقافة السياسية)، والتي من خصائص أفرادها أنهم مدركون لمخرجات النظام السياسي، ولكنهم غير واعين لدورهم في النظام وتأثيرهم عليه، ويتسمون بالخنوع والخوف وأنماط السلوك غير الديمقراطي التي تتسم بانعدام حرية النقاش وعدم الاستعداد لقبول الرأي الآخر، ويرجع ذلك كنتيجة لعملية التنشئة الاجتماعية والسياسية لمؤسسات وقنوات التنشئة الختلفة.

3ـ فشل الأحزاب السياسية

إن أمر الأحزاب السياسية ليس أمرا هينا، فهو يستوجب متابعة دقيقة وإلماما بأدق التفاصيل في هذا المشهد المعقد بمفرداته. الحياة السياسية الليبية ليست حزبية منذ ولادة الدولة الليبية المستقلة، حيث توقفت في أول ظهور لها منذ الحكم الملكي، واستمر ذلك التوقف حتى فبراير 2011، حيث أصدر المجلس الوطني الانتقالي قانون رقم 29 لعام 2012 بشأن تنظيم الأحزاب السياسية، وقد نصت المادة الثالثة من القانون على أنه من حق المواطنين الليبيين تأسيس الأحزاب السياسية والإنتساب إليها وفقا لأحكام هذا القانون، ولا يجوز للمواطن أن يكون عضوا في أكثر من حزب.

أعطى هذا التغيير دفعة للحياة السياسية وعودة الأحزاب للعمل السياسي بعد سنوات طويلة من الحظر، غير أن غياب تقاليد العمل السياسي والحزبي المرتكز على صراع البرامج والافكار دون السلاح واستعمال القوة لفرض الأفكار والآراء دجعلت الأحزاب تلمس طريقها وسط ساحة غير ناضجة سياسيا في وجود تخبط سياسي وفرض الأراء بالقوة في ظل وجود مجموعات مضادة (قبلية وجهوية) مستفيدة من حالة الفوضى. وهذا يؤثر كثيرا على آداء الأحزاب السياسية وعملها. ويبقى مصير الأحزاب في ليبيا مرتهنا ببلوغ مرحلة من الوعي السياسي والاستقرار، فهي تنمو وتتطور في البيئة المستقرة فقط وفق قوانين دستورية ضابطة ومحكمة، في ظل اقتناع المجتمع بالتداول السلمي للسلطة والابتعاد عن التشكيك والتخوين.

بعد 2012، تشكلت الكثير من الأحزاب السياسية ذات التوجهات السياسية المتنوعة، ونظرا لحداثة التجربة تم إنشاء الأحزاب السياسية على عجل مع عدم الوعي الكافي للمؤسسين والإلمام غير الكامل من المجتمع بالأحزاب السياسية وأهدافها.

بمرور الوقت أدرك المجتمع الليبي غياب الأساسات اللازمة والضرورية لثقافة الديمقراطية في المجتمع، وذلك هو السبب الرئيسي الذي أدى إلى حدوث الأزمة الراهنة التي تمر بها البلاد والمتمثلة في الصراع القائم نتيجة الانقسامات السياسية. بل إن ضعف انتشار ثقافة الديمقراطية أسهم في استمرار الأزمة وأدى إلى تفاقمها أكثر، إضافة إلى تأثيرها السلبي على بعض الجوانب الأخرى ذات الصلة، وبذلك أي حلول في هذا الإطار من الصعب أن تحقق النجاح المأمول ما لم يكن هناك مستوى جيد من الوعي لدى المواطنين بمبادئ الديمقراطية لتكون قاعدة يمكن الاستناد عليها في بناء الدولة.

ويمكن إلقاء نظرة على معرفة المجتمع بالأحزاب السياسية من خلال بحث (الفيتوري السطي) عن الأحزاب في ليبيا تبين وجود علاقة طردية بين العينة والمشاركة السياسية، حيث بينت النتائج بأنها مرتفعة بمنحى تصاعدي. لكن في الأحزاب السياسية كانت محدودة جدا، ويرجع ذلك لمجموعة من الأسباب منها محدودية العلاقة نظرا للحذر والخوف المبرر لدى الأفراد من الأحزاب نظرا لعدم وضوح برامج تلك الاحزاب وعدم مصداقيتها مع وجود شك في مصادر تمويلها وقيادات تلك الأحزاب، باعتبارها مؤسسات جديدة على المجتمع الليبي، في ظل غياب المعرفة لدى الشباب بالأحزاب السياسية، ويرجع ذلك إلى قصور في الثقافة والتنشئة السياسية والتعريف بالاحزاب وأهميتها.

وجود الشك وعد اليقين في الأحزاب وعملها داخل ليبيا من حيث الدعم والتبعية واتهامها بأن لها أجندات خارجية، غير أن البعض يرى انها تعمل لتحقيق مصالح أفراد بعينهم من المنتمين إليها، وعدم انضمام الشباب للأحزاب يرجع لعدم وجود منهج واضح لها، وعدم تأثير وفاعلية تلك الأحزاب في الحكومة. كما توجد رغبة لدى الشباب في تكوين الأحزاب والانضمام آليا لو تغيرت صورتها وأصبحت أكثر وضوحا، وابتعد قادتها على شبهات الفساد والتبعية.

وكما وجب على الأحزاب أن تكون لنفسها مسلكا مستقلا واضحا، حتى لا تكون مرتهنة لأي جهة دون القدرة على التعاطي مع الواقع وفق رؤية وتصور وبرنامج يطرح بدائل حقيقية لمتطلبات الواقع على الأرض. وليس هذا فحسب، فأغلب الأحزاب في ليبيا تعاني من مشكلة التنظيم بفعل غياب الخبرة وفي التأسيس والإدارة، وبعضها أسس على عجل بهدف التفاعل مع الاستحقاقات الانتخابية، وحصوله على مقعد وسط زحام مصلحي ضيق.

يتبع

***

د. الفيتوري صالح السطي ـ استاذ مساعد ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة سرت، ليبيا.

د. محمد هدية درياق ـ استاذ مساعد بقسم العلوم السياسية بجامعة سرت، ورئيس المركز الأكاديمي للدراسات المستقبلية.

_________________

مجلة اتجاهات سياسية: العدد الثامن عشر ـ مارس 2022

مواد ذات علاقة