مختار غميض

يجمع معظم الفرقاء الليبيون على تآكل كل الشرعيات في ليبيا، فقد باتت في نظرهم متهاكلة بالتقادم، فمجلس النواب تجاوز عمره القانوني بسنوات لولا اتفاق الصخيرات الذي نفخ في روحه مجددا، وكذلك المجلس الأعلى للدولة الغرفة الاستشارية التي جاءت على أنقاض المؤتمر الوطني العام أول برلمان منتخب بعد ثورة فبراير، وعليه فقد أجهز اتفاق جنيف الموقع في 23 تشرين الأول/أكتوبر 2020 وأحد أهم مخرجاته في تونس بعد في تشرين ثاني/نوفمبر من نفس العام على كل الكيانات الشرعية القديمة المتآكلة بطبعها، وذلك بالاتفاق على انتخابات في 24 ديسمبر/كانون أول 2021 وهو ما لم يتم، ما يعني أنه لن يتم تسليم السلطة للحكومة الجديدة في يونيو/ تموز 2022، وفق مخرجات الاتفاق السياسي، اللهم إلا إذا تم الاتفاق على تنظيم انتخابات قبل هذا الصيف وهذا شبه مستحيل إن لم نقل من المستحيل أصلا.

وعليه عادت مسألة تنزع الشرعية إلى السطح بين الفرقاء وتعهد رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة بإجراء بإجراء انتخابات برلمانية في شهر يونيو/تموز كمحاولة لإنقاذ المشهد المتأزم وطمأنة الشارع، قبل انتهاء صلاحية حكومة الوحدة الوطنية التي تعتبر آخر ما يمكن الحديث عنه في حرب الشرعيات المستشرية، بالتالي فهي محاولة من الدبيبة لتدارك الأمور قبل أن يصبح خيار الحرب أمرا مطروحا بقوة بعد شهر يونيو، بالنسبة للرافضين على عودة حكم جسمي مجلس النواب ومجلس الدولة، فلا سبيل عندهم بعودة حكم أطراف اتفاق الصخيرات.

وبناء على ما تقدم، يحشد الشارع من أجل رفض كل الأجسام الحالية للدفع باتجاه إنهاء المراحل الانتقالية، وخاصة المطالبة بإسقاطها وسرعة الاتفاق على تنظيم انتخابات برلمانية، ثم النظر في وضع قاعدة دستورية لإجراء انتخابات رئاسية وضمان عدم عودة شبح الدكتاتورية من جديد.

هذه الرغبات من أصبحت واضحة من شخصيات معروفة باتت متهمة بمحاولة الاستئثار بالسلطة وامتيازاتها بعد سنوات من الحكم، لذلك ترفض الرحيل حاليا، بعد أن فقدت شرعيتها ومشروعيتها، وباتت تغتصب الإرادة الشعبية، وترفض الاحتكام من جديد إلى الصندوق.

لم تجد من حل سوى الانضواء تحت شعارات مثل “حوار ليبي ليبي” للالتفاف على السلطة القائمة وهي حكومة الوحدة الوطنية وإقصائها من المشهد، على هذا الأساس، فإن دعوة البرلمان وعلى رأسه عقيلة صالح إلى تشكيل كيان تنفيذي جديد تم اختيار شخصية فتحي باشاغا له، يعتبر مزيدا من الاستفزاز للرافضين للتجديد وإطالة عمر الأزمة باتباع سياسة الهروب إلى الأمام.

أمام التوتر والانسداد الظاهر للعيان، بات واضحا من بعض  الفرقاء وخاصة الفرقين الذين يتمسكان بان الحكومة الجديدة هي نتاح حوار ليبي ليبي، من الدعوة إلى توسيع دائرة الحوار بإشراك ممثلي حكومة الدبيبة، على أساس وحيد محوره سبل تنظيم انتخابات في أقرب أجل واقعي ممكن، لتفادي سقوط السقف على الجميع، وهو ما يسعى الجميع لتفاديه أيضا، لكن ذلك لن يكون لأجل مفتوح، فهو مرتهن بالتوافق على أرضية مشتركة.

 أيضا، أصبحت الجهات المتدخلة بقوة في المشهد الليبي وعلى رأسها المبعوثة الأممية ستيفاني ويليامز وممثل الاتحاد الأوروبي تدرك تمام الإدراك بضرورة ممارسة ضغوط أشد لمطالبة جميع الفرقاء بالاتفاق على خارطة طريق واضحة جلية، تقدم الحل الانتخابي في أولياتها،على أساس دستوري مرض، وهو الحل الذي طالب به كثيرون في الغرب والجنوب، وحتى في مناطق نفوذ حفتر.

وبعيدا عن أزمة انتهاء صلاحية حكومة الوحدة الوطنية مع ديسمبر/كانون الأول أو في شهر يونيو/ تموز المقبل، فإنه أيضا من شبه المؤكد، أن تنظيم انتخابات في ظرف لا يتجاوز أربعة أشهر كما تعهد الدبيبة، وكذلك الاقتراح الذي قدمته حكومة باشاغا، المقدر بأربعة عشر شهرا على الأكثر لإجراء الانتخابات، هما قراران غير واقعيان، فالأول مستعجل في ظل ظروف لا تختلف عن ظروف الموعد المنقضي، والثاني بعيد وغير مدروس يهدف لتأبيد السلطة بيد كيانين في الشرق والغرب.

هذا إلى جانب ضرورة معالجة مسائل أخرى مهمة ومُلغّمة، كانت وراء تأجيل الانتخابات المبرمجة أُمميًّا في نهاية العام المنقضي، تتعلق خاصة بالقاعدة الدستورية التي تحدد شروط المترشحين للرئاسة.

يعد لأساس الدستوري للانتخابات من أوكد الأولويات،  في ظل غياب خارطة الطريق متفق عليها من الجميع أو التفاهم على حوار جامع وليس بالمنطق المغالبة أو ادعاء الزعامة والشرعية، إضافة إلى تفعيل دور القضاء، وقد بدأت مبادرات مدنية بمطالبة المحكمة العليا بتفعيل عمل الدائرة الدستورية.

هذا فضلا عن التوافق على صيغة بشأن طريقة التعديل فقرة الإعلان الدستوري المتعلقة بطريقة طرح دستور دائم، سواء بالتصويت على دستور هيئة الستين أو حتى بتكوين لجنة من الخبراء عن الأقاليم أي بالشكل الذي تم طرحه في البرلمان شرط أن يحظى باجماع أكبر، أو أخيرا، بقبول الجميع بطرح المبعوثة الأممية ويليامز القائم على تعيين لجنة عن البرلمان ومجلس الدولة من ستة أشخاص، اثني عشر عضوا مناصفة من المجلسين.

لكن هذا الطرح الأممي الذي بدأت مشاورته في تونس، يواجه عراقيل، حيث حضرت اللجنة الممثلة لمجلس الدولة بينما غابت لجنة البرلمان، ما يطرح مرة أخرى أسئلة ملحة بخصوص نوايا عقيلة صالح بشأن القاعدة الدستورية للانتخابات.

فهذه المقاطعة الحالية لوفد البرلمان، رغم إعلان رئيسه عقيلة صالح عن أسماء الأعضاء الستة، تثير الشكوك مرة أخرى في حقيقة رغبة عقيلة صالح للعودة إلى مربع القاعدة الدستورية المفصلة على هواه، والتي كانت وراء فشل تنظيم الانتخابات في موعدها السابق وإقرار هيئة الانتخابات نفسها بذلك.

صحيح أن الحوار الليبي الليبي ضروري حاليّا، لسحب البساط من تحت التدخل الخارجي الفجّ في الشأن الداخلي الليبي، لكن لا بد للحوار أن يضع في مقدمة أولوياته التقارب الإقليمي والدولي الذي حدث في ملفات مهمة، خاصة في ما يتعلق بالتقارب بين تركيا والإمارات بعد المصالحة الخليجية، أو مصر وتركيا وقطر، اللاعبين المؤثرين على الساحة الليبية، حتى لا تجد حكومة باشاغا نفسها تعاني من نفس مصير حكومة الوحدة التي تم تشكيلها في منتصف ديسمبر/كانون أول 2015 بمالطا، بنفس الحجة، حوار ليبي ليبي بين المؤتمر الوطني برئاسة نوري بوسهمين حينها، ورئيس البرلمان عقيلة صالح ردا على حوار الصخيرات المغربية.

وبالتالي، فإن أي حوار داخلي لا بد أن يأخذ بين الاعتبار الترتيبات الجديدة لما بعد اتفاق جنيف وفي مقدمتها الحفاظ على وقف إطلاق النار في محور سرت الجفرة، وتقريب وجهات النظر بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة للتوصل إلى توافق بخصوص أي استفتاء أو موعد للانتخابات حسب ما ينص عليه الإعلان الدستوري، قبل أن تصدر عن البرلمان بعد التفاهم عليها بين المجلسين.

وفي خضم كل المبادرات السابقة المتعثرة، يدور الحديث عن مقترح أوروبي يجمد كافة الأجسام السياسية الحالية (مجلس النواب والأعلى للدولة والمجلس الرئاسي وحكومة الوحدة إضافة لحكومة باشاغا) وإجراء انتخابات في يونيو/تموز 2023، ويتولى رئيس المحكمة العليا رئاسة مؤقتة، لكن حتى المقترح رفضه رئيس مجلس النواب عقيلة صالح.

ولم تتضح الجهة صاحبة المقترح لكن يبدو أنها السبب وراء رفض عقيلة صالح مشاركة وفده في مباحثات تونس الأخيرة استمرار لمقاطعة جميع المبادرات والتمسك بحكومة الاستقرار،في المقابل اجتمع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي برئيس المحكمة العليا محمد الحافي، في ما يبدو تماهيا مع المقترح الأوربي.

وبالتزامن مع لقاء وفد المجلس الأعلى للدولة بتونس بممثلي 23 دولة ممثلة في ليبيا للإعراب عن رفض حكومة باشاغا وتعديلات البرلمان الدستورية، جددت أيضا بريطانيا والولايات المتحدة من تونس، في لقاء بسفيريهما بطرابلس مع ممثلي عدة أحزاب ليبية بالتسريع بالانتخابات وإنهاء الانقسام.

بالتزامن مع ذلك تجري مباحثات أخرى المكوكية، حدثت في مصر بين وزيري خارجية قطر ومصر حيث رفض الجانبان عودة الصراع المسلح، لكن يبدو كلاما عاما يخفي اختلافا جوهريا بين من يؤيد البرلمان بشكل مطلق، ومن يتمسك بالمقررات الأممية وعلى رأسها اتفاق جنيف، والحكومة المعترف بها إلى حين انتهاء مدة اتفاق جنيف وإجراء انتخابات حرة بالبلاد، كما وصفها وزير خارجية قطر.

وللتأثير على المقترحين الأوروبي والأممي، حمع السيسي حفتر ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي مؤخرا، وحديث عن انضمام رئيس المجلبس الأعلى للدولة خالد المشري، لمشاورات في القاهرة في جوهرها هي لحل “أزمة” تمسك الدبيبة بعدم تسليم السلطة، بطريقة يتم معها تجنيب العاصمة طرابلس أي اقتتال وتصعيد جديد ما قد يطيح بقرار وقف إطلاق النار أو بتوافق باشاغا مع القسم الشرقي، إلى حين تبلور رؤى داخلية نحو مزيد من التفاهم إما بتخلي الدبيبة أو بتعديل حكومته أو بتصور أممي أو أوروبي أكثر نضجاً، يخرج البلاد من عنق الزجاجة.

***

مختار غميض ـ كاتب تونسي

______________

مواد ذات علاقة