نهاد زكي

نعرف جيدًا قصة الاحتلال الإيطالي في ليبيا الذي بدأ عام 1911، كما نعرف الكثير من القصص والحكايات عن تاريخ المقاومة الليبية التي قادها المجاهدون أمثال عُمر المختار، لكن قلما نسمع شيئًا عن تاريخ جرائم الحرب الإيطالية في ليبيا، وما تعرض له الشعب الليبي حينذاك من عمليات إبادة جماعية، حدثت داخل معسكرات الاعتقال الإيطالية التي أقامها الاحتلال في الصحراء.

ولم يترك للقبائل المُرحلة إليها سوى خيارين إما الجوع وإما الموت، وهي المعسكرات التي حاول المسؤولون الإيطاليون إخفاء حقيقتها، ولم ينجُ منها سوى قلة ليرووا عن بشاعة ما حدث. فما قصة التاريخ المخفي لهذا «الهولوكوست الليبي»؟

 الجنرال رودولفو غراتسياني.. «جزار فزان»

بدأت إيطاليا إمبراطوريتها الاستعمارية متأخرة عن الدول الاستعمارية الكبرى في القرن العشرين، مثل بريطانيا وفرنسا، وهو ما لم يترك أمامها خيارات واسعة في عالم التقاسم الاستعماري للقارة الأفريقية التي اقتطعت بريطانيا وفرنسا أغلب مستعمراته، تاركة لإيطاليا الصومال وليبيا.

حينذاك كان قادة روما نهمون لاستعادة أمجاد الإمبراطورية الرومانية، وهو ما جعلها تسعى للتخطيط من أجل فتوحات قادمة؛ فسعت بعد مؤتمر برلين عام 1878 للمطالبة بالاستيلاء على إقليم طرابلس كونها أقرب الأقاليم غير المستعمرة لروما، وفي عام 1911 تحقق لها ما أرادت؛ إذ دخلت القوات الإيطالية طرابلسالتي كانت جزءًا من الإمبراطورية العثمانية حينهافي حملة عسكرية، وقد أعلنت الحرب على تركيا بمناصرة لندن وباريس؛ وبعد قتال دام قرابة العام، انتزعت إيطاليا ليبيا من الإمبراطورية العثمانية؛ واضعة حجر أساس إمبراطوريتها الصغيرة.

في السنوات الأولى من الاحتلال الإيطالي، واجهت مقاومة شرسة من المجاهدين الليبيين، وهو ما استدعى الإدارة الإيطالية المتمثلة في الديكتاتور الفاشي بينيتو موسوليني حينها، أن يرسل واحدًا من أعتى قواده لقيادة القوات الإيطالية في ليبيا خلال العشرينيات من القرن الماضي، وهو الجنرال رودولفو غراتسياني، الذي سيقود فيما بعد عمليات الإبادة الجماعية في حق الشعب الليبي، لدرجة أنه سيلقب «جزار فزان»، نسبةً إلى المدينة الليبية فزان التي دخلها الجنرال بالقوة وارتكب فيها العديد من الجرائم ضد الإنسانية، حتى أنه تباهى بالقتل والحرق وبكر بطون النساء داخل مذكراته.

كان غراتسياني مثل أغلب القادة في الحزب الوطني الفاشي، يفتخر بوحشيته، لدرجة أنه دوَّن شهاداته حول الحملات العسكرية التي قادها في ليبيا، متباهيًا بما ارتكبه من جرائم في حق شعبها، مبررًا إياها قائلًا: «كلما وصفوا أعمالي بالوحشية، أتذكر قول العظيم ميكافيللي، ليحتفظ الأمير بهيبته، عليه ألا يعبأ بعار القسوة». وهي الشهادات المدونة داخل ثلاثة كتب، هم: «برقة المهدأة، ونحو فزان، وإعادة احتلال فزان».

هو جنرالٌ فاشي باعترافاته، وبتلك الروح التي تميل إلى العنف، سيقود غراتسياني معركة شرسة ضد المقاومة الليبية، خاصةً في برقة التي كانت قاعدة المجاهد عُمر المختار ورجاله. الأمر الذي سيضطره لترحيل الشعب الليبي ذاته عن مزارعه وأراضيه التي سكنها طوال حياته؛ من أجل أن يعزل عُمر المختار والمجاهدين الليبيين عن وسائل الدعم التي وفرتها لهم القبائل الليبية؛ سواء من خلال الرجال المقاتلين أو أموال الزكاة التي جُمعت في ذلك الحين من أجل مقاومة الاحتلال الإيطالي.

سيتطور الأمر فيما بعد إلى «محاكمات شعبية» حُكم على العشرات فيها بالإعدام شنقًا، وعُلقوا على المشانق علنًا؛ لأنهم قدموا مساعدة للمقاومة الليبية. تلك المقاومة التي استمرت ولم تُكسر شوكتها طوال 20 عامًا، لذا بعد إعدام عُمر المختار في 16 من سبتمبر (أيلول) عام 1931، صرح غراتسياني قائلًا: «أعتقد أن الحرب قد انتهت»، ظنًا منه أن المقاومة التي طالما لاقاها من عُمر المختار، ستموت بموته. وهو ما سيثبت التاريخ خطأه، بعدما استطاعت ليبيا الحصول على استقلالها من إيطاليا عام 1951، في أعقاب موجة ثورات الاستقلال التي أعقبت انتهاء الحرب العالمية الثانية.

«المعسكرات الإيطالية».. هنا أبيد 130 ألف ليبي على الأقل

عندما كُلف الجنرال غراتسياني في عشرينيات القرن الماضي بقيادة القوات الإيطالية في ليبيا، وضع أمامه مهمة واحدة وهي إخضاع عُمر المختار ورجاله، بعدما فشلت قيادات إيطالية كثيرة في إخضاعهم؛ حينها كان على رودولفو أن يبتكر بعض الطرق الجديدة للقضاء على المقاومة.

يشير المؤرخون إلى أن السبب وراء أسلوب غراتسياني في التعامل مع برقة ومدن المقاومة الليبية بهذه الطريقة القاسية، هو أن الحرب الإيطالية في ليبيا تحولت إلى حربِ عصابات في منطقة جبلية واعرة، وهي حرب جديدة لم تدخلها إيطاليا من قبل؛ كما وصل إلى المخابرات الإيطالية أنباء من الجواسيس الذين عينتهم في صفوف الثوار، عن مساعدة التجار الليبيين لعمر المختار بالمال، كما كان المختار يعمل على إحصاء عدد القتلى من الثوار وإلى أي قبيلة ينتمون، وكان على القبيلة تزويده برجال بدائل حتى لا تنقص صفوفه.

حينذاك كانت القبائل الليبية تمثل الإمداد الحقيقي للمقاومة الليبية؛ إذ جمعوا للثوار المال اللازم للجهاد من أموال الزكاة، كما كانوا ملزمين بتزويد جماعة عمر المختار بالمجاهدين، لذا عمل غراتسياني على عزل الشعب ذاته عن المقاومة، عن طريق ترحيل القبائل، وذلك للانفراد بالثوار بعيدًا عن الأهالي ليسهل قتالهم، الأمر الذي من أجله بنَت إيطاليا سياجًا حديديًّا بالأسلاك الشائكة طوله 300 كيلومترًا على طول الحدود مع مصر، ووراء هذا السياج أنشئت معسكرات الاعتقال في الصحراء القاحلة

بين عامي 1928 و1931 ارتكب الاستعمار العديد من المجازر داخل معسكرات الاعتقال تلك، بعدما أجبرت القبائل الليبية على ترك مراعيها الخضراء وزج بهم في خيام بمعسكرات الصحراء، حيث حوصروا هناك بالعطش والجوع وحكموا بالحديد والنار، وأجبروا على العمل بالسخرة. وقد قدرت أعداد من رحلوا من مدنهم إلى معسكرات الاعتقال الإيطالية بنحو 300 ألف مواطن ليبي، مات منهم على الأقل نحو 120 ألف ليبي.

كان من ضمن الأماكن العقابية الإيطالية التي شهدت تلك الأحداث المأساوية «معتقل العقيلة»، الذي يقع في قرية العقيلة غرب بنغازي، وأطلقوا عليه الهولوكوست الليبي المنسَّي. وهو يعد الأشهر بين معسكرات الموت والرعب التي أقامتها إيطاليا في ليبيا؛ إذ مارست السلطات الإيطالية أبشع ممارسات الإذلال الممكنة على المحاصرين داخله، حتى إن الناجين منه قد وصفوا ما لاقوه داخل المعسكر بالجحيم؛ إذ أشار بعض المؤرخين إلى أن معتقل العقيلة كان يخرج منه خمسون قتيلًا كل يوم.

كانت أولى تلك الممارسات هي الحكم بالإعدام على كل من تأكدت صلته بالثوار من رجال المقاومة، أو قدم إليه شكلًا من أشكال المساعدة، فكان أغلب المعتقلين من أهالي المجاهدين وقبيلة عُمر المختار، كما أجبر المحاصرون على العملِ بالسخرة وتفريغ حمولات السفن من الميناء القريب وإزالة الرمال المتحركة من مكان لآخر، وشق الطريق الساحلي قرب العقيلة ورصفها، وكانت عقوبة الجلد هي الجزاء الذي يلاقيه المتخلف عن ميعاد التمام اليومي للعمل الإجباري والذي كان يعقد ثلاثة مرات يوميًّا صباحًا وظهرًا ومساءً1.

كان المعتقلون في المعسكرات يجبرون على العمل نصف اليوم في الصحراء مقابل كسرة من الخبز وبعض الشعير، ومن ينال منه الإجهاد جُلد حينها، وحشرت القبائل بأعدادٍ كبيرة في الخيام؛ فنالت منهم الأمراض ودفن أغلبهم بين رمال المعتقل الوحشي.

وهذه هي الذاكرة المؤلمة التي خلدها الأدباء الليبيون في بعض الحكايات الشعبية والقصائد، واصفين ما لاقوه من أنواع العذاب، فيقول الشاعر الليبي رجب بوحويش، من قبيلة المنفة، وهي قبيلة عمر المختار، في قصيدته «ما بي مرض»: «ما بي مرض غير دار العقيلة، وحبس القبيلة».

يهود ليبيا

كانت تلك المعتقلات جزءًا من الخطة الإيطالية لحصار المقاومة ولدفع المقاتلين الليبيين للاستسلام النهائي؛ وهو ما قال عنه الجنرال غراتسياني في مذكراته إنه لم يكن أمامه سوى الانتصار على المقاومة بأية طريقة لتحذو إيطاليا حذو الدول الاستعمارية الكبرى حينذاك بريطانيا وفرنسا.

لذا أغلقت القوات الإيطالية الزوايا السنوسية التي كانت مقرًّا لنشر دعوة المقاومة بين الليبيين، وحرقت المصاحف وشربوا الخمر في الزوايا، وحُكم بالموت على كل من ساعد الثوار عن طريق أموال الزكاة، وذلك علاوة على نفي بعض الأعيان الليبيين وأفراد الأسر البارزة خارج البلاد.

وأنشأ الاحتلال الفاشي نوعية جديدة من المحاكم العسكرية «الطائرة»، وهي محكمة متنقلة على متن طائرة بإمكانها البت فورًا في القضايا المتعلقة بالثورة في المدن الليبية وإصدار أحكام فورية. وقد كانت تلك المحاكمات العسكرية التي تعرض لها الشعب الليبي تتم في الهواء الطلق وعلى مرأى ومسمع من الأهالي، وقد وصفت بأنها محاكمات ظالمة ومجحفة في حق الشعب، إذ حكم على أغلبهم فيها بالموت شنقًا، ونفذت الأحكام فورًا، وتركت جثثهم معلقة في العراء أمام المارة، ليكونوا عبرةً للجميع ولِبث الرعب في نفوس الأهالي.

لكن إلى جانب المعاناة التي لاقاها الشعب الليبي من جراء المقاومة، كان هناك معاناة أخرى جانبية، لاقاها اليهود الليبيون داخل أراضيهم، التي تعرضوا فيها لمآسي على غرار المآسي التي تعرضوا لها في أوروبا بالمقاطعات النازية والفاشية.

دفعت رياح الحرب إيطاليا إلى الدخول في اتفاقية مع ألمانيا النازية في عام 1936، وهو ما أجبر محور روما وبرلين على العمل بأساس المبادئ المشتركة؛ مما استدعى ظهور معاداة اليهود في إيطاليا الفاشية بدءًا من عام 1938؛ الأمر الذي لم يكن بعيدًا عن مستعمراتها.

شهد النصف الثاني من عام 1940 تدهورًا كبيرًا في أوضاع اليهود بإقليم طرابلس، بحسب شهادات اليهود الليبيين. إذ أتى ذلك نتيجة دخول إيطاليا الحرب العالمية الثانية إلى جانب ألمانيا النازية. حينها أُرسل يهود برقة إلى معسكرات الاعتقال العقابية في صحراء ليبيا، وأجبروا هناك على العمل بالسخرة. أما اليهود الباقون في طرابلس فقد تعرضوا للتضييق من قبل القوات الإيطالية؛ وطردوا من وظائفهم الحكومية ومنعوا من التجارة وأجبر بعضهم على الترحيل.

وعندما احتلت بريطانيا برقة لفترة من الوقت في ديسمبر (كانون الأول) 1940، انحاز يهود ليبيا إليهم، أملًا في تخفيف السياسات العقابية التي طالتهم من جراء الاضطهاد الإيطالي؛ الأمر الذي نتج منه ضغينة من القوات الإيطالية تجاه اليهود ازدادت بعد استعادة إيطاليا مدينة برقة من يد الحلفاء عام 1941، مما استدعى لاحقًا زيادة التنكيل باليهود وإتلاف ممتلكاتهم من قبل القوات الإيطالية.

ترصد بعض المصادر اليهودية أنه  قُتل أكثر من 500 يهودي من أصل 4 آلاف يعيشون في ليبيا في هذه الفترة، وأنه أُرسل ما يقرب من 2600 يهودي إلى معسكر اعتقال جادو جنوب طرابلس، وأرسل الباقي من العائلات اليهودية إلى معسكرات أخرى.

في 30 أغسطس (آب) 2008، قدمت روما اعتذارًا علنيًّا لليبيا عن فترة استعمارها لها، بسبب ما ارتكبته إيطاليا من جرائم ضد الإنسانية في ليبيا تشمل الإبادة الجماعية والتجويع، كما حدث في معتقل العقيلة الشهير، وقد التزمت روما بحسب اتفاقها مع نظام القذافي في ذلك الوقت، بدفع 5 مليارات دولار لطرابلس، على مدى 25 عامًا على سبيل التعويض عن الحقبة الاستعمارية التي استمرت 40 عامًا.

***

نهاد زكي ـ صحافية ومترجمة مهتمة بالسينما

_______________________

مواد ذات علاقة