تجري مفاوضات سرّية في العاصمة الفرنسية باريس، بين عشيرة اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر، وعشيرة منافسه رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة، لدفع الأخير للتخلي عن منصبه لصالح رئيس الوزراء المُنتخب من قِبل برلمان طبرق، فتحي باشاغا

موقع فرنسي قال، الإثنين 11 أبريل/نيسان 2022، إن حفتر المتحالف مع باشاغا عهدَ بالمهمة إلى نجله بلقاسم حفتر بهذه المهمة. وقد سافر بلقاسم على متن طائرة خاصة إلى العاصمة الفرنسية عدة مرات منذ منتصف مارس/آذار 2022، ويحاول بلقاسم حمل عشيرة الدبيبة على إقناعه بالتنحي عن رئاسة الوزراء

كان الدبيبة قد انتُخب في مارس/آذار عام 2021 في إطار ملتقى الحوار السياسي الليبي وبرعاية الأمم المتحدة، لكنه يرفض التنازل لباشاغا

بحسب الموقع الفرنسي، انعقدت عدة اجتماعات في باريس، والتقى بلقاسم حفتريوم 25 مارس/آذار 2022 أقرب مستشاري الدبيبة، إبراهيم الدبيبة، أحد أعمدة عائلة رئيس الوزراء، في اجتماع خاص

إبراهيم الدبيبة هو ابن عم عبد الحميد الدبيبة، وهو رجل أعمال قوي من مصراتة، وعمدة المدينة السابق والرئيس السابق لجهاز تنمية المراكز الإدارية.

كذلك التقى بلقاسم حفتريوم 20 مارس/آذار 2022 في باريس بشخصية مهمة أخرى في الحكومة، وزيرة الخارجية نجلاء المنقوش، وقال الموقع الفرنسي إن الفوز بدعم المنقوش سيكون انتصاراً كبيراً لباشاغا“.

أضاف الموقع في هذا الصدد أن نجلاء، التي درست المحاماة، أثبتت أهميتها في حكومة الدبيبة على الساحة الدولية. وهي تنحدر أيضاً، مثل عشيرة حفتر، من شرق ليبيا. لكن محادثات بلقاسم حفتر معها، مثلما هي مع حليفها المقرب إبراهيم الدبيبة، ظلت متوقفة بالكامل. ولكن من المقرر عقد اجتماعات أخرى في باريس خلال الأسابيع المقبلة“.

تُعد العلاقات بين العشيرتين متوترة، لكنهما حاولتا بالفعل التوصل إلى أرضية مشتركة بينهما في نوفمبر/تشرين الثاني 2021، إذ التقى فريق بلقاسم حفتر وعبد الحميد الدبيبة في أبوظبي قبل الانتخابات التي تقرر إجراؤها في ديسمبر/كانون الأول 2021.

كان الهدف من هذا الاجتماع التوصل إلى حل وسط في حالة تأجيل الانتخابات، لكن المحادثات فشلت، وواجه عبد الحميد الدبيبة عزلة دولية منذ فشل انتخابات 24 ديسمبر/كانون الأول التي كان يفترض أن ينظمها، وتعرض لضغوط كبيرة من معسكر باشاغا الذي يخطط لأخذ مكانه في الحكومة.

يُشير الموقع الفرنسي إلى أن لدى حفتر وحاشيته أسبابهم الخاصة التي دفعتهم لتجديد الحوار مع الدبيبة، ويضيف أن موقف حفتر أصبح حرجاً بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا“.

سابقاً كانت الولايات المتحدة وأوروبا على استعداد لغض الطرف عن الدعم الروسي لحفتر، ولا سيما نشره لمرتزقة فاغنر لدعم الجيش الوطني الليبي، لكنهما تعتبران رحيل هذه القوة أولوية الآن. لكن رجال فاغنر لا غنى عنهم للجيش الوطني الليبي، وكذلك الطائرات المقاتلة الروسية المتمركزة في الجفرة

إقناع أنقرة

بالتوازي مع محادثات باريس، فتحت عشيرة حفتر قناة محادثات مع تركيا، الداعم الرئيسي للدبيبة، وقال موقع Africa Intelligence الفرنسي إن مسؤولاً تركياً التقى يوم 22 مارس/آذار 2022، بممثلين عن باشاغا، بقيادة الرجل الثاني السابق في المجلس الرئاسي، أحمد معيتيق.

يأتي هذا بينما تتمتع أنقرة بموقف قوي في ليبيا، إذ عزَّز الرئيس رجب طيب أردوغان التعاون الاقتصادي معها وله فيها حضور عسكري استراتيجي، ويقول الموقع الفرنسي إنه في غياب الدعم التركي، لا يمكن لبشاغا أن ينتظر دخول العاصمة والجنود الأتراك لا يزالون في قواعد عسكرية في طرابلس ومصراتة“.

باشاغا ليس متفوقاً عسكرياً

من جانبه، كان رئيس الوزراء في طبرق باشاغا، قد تعهد بأن أي انتقال إلى طرابلس سيكون بلا عنف، وهذا التعهد له سببان، بحسب الموقع الفرنسي، وهما أن باشاغا لا يمكنه تحمُّل تكرُّر هجوم حفتر الفاشل على العاصمة في فبراير/شباط عام 2019″.

كذلك يتعين على باشاغا تحاشي عزلة المجتمع الدولي، الذي لا يرغب بأي حال في نشوب صراع مسلح جديد ويرغب في ضمان استمرار إنتاج النفط والغاز الليبي، الذي أصبح حيوياً منذ بداية الحرب بين روسيا وأوكرانيا“.

يُشير الموقع الفرنسي أيضاً إلى أن الدعم الذي تحظى به قوات باشاغا أضعف من الدعم الذي يحظى به خصمه، ويضيف الموقع أن الدبيبة عزز مؤخراً صِلاته بميليشيا الغنيوة القوية التي يتزعمها عبد الغني الككلي، الذي يقود أيضاً جهاز دعم الاستقرار، الذي يجمع بين وحدات قتالية مختلفة“.

خاض جهاز دعم الاستقرار في طرابلس قتالاً عنيفاً في 5 أبريل/نيسان 2022 مع ميليشيا النواصي التي تميل إلى باشاغا.

حكومة مقابل حكومة.. عقارب الساعة تعود للوراء في ليبيا، واحتمال المواجهة قريب جداً

بعد منح مجلس النواب الليبي في طبرق الثقة لحكومة فتحي باشاغا، الثلاثاء 1 مارس/آذار 2022، بطريقة مثيرة للجدل، عادت البلاد رسمياً إلى مربع الانقسام، الذي عانت منه قبل عام بالتحديد.

إذ إن حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، رفضت الاعتراف بنتائج التصويت على منح الثقة لحكومة باشاغا، واتهمت رئيس مجلس النواب بطبرق عقيلة صالح بـالتزوير والتدليس“.

وفي ذلك إشارة إلى اتهام عدد من النواب لرئاسة البرلمان بتزوير توقيعاتهم من أجل بلوغ النصاب القانوني لانعقاد جلسة منح الثقة لحكومة باشاغا، رغم عدم حضورهم الجلسة.

تحالف طرابلس

واجتماع الدبيبة، مع خالد المشري، رئيس المجلس الأعلى للدولة (نيابي استشاري)، الأربعاء، كان بمثابة ترسيم لتحالف جديد من أجل وضع قاعدة دستورية وإجراء الانتخابات البرلمانية في يونيو/حزيران المقبل.

وانضم ضمنياً إلى هذا التحالف 30 نائباً، بعدما أصدروا بياناً اعتبروا فيه ما صدر عن مجلس النواب في جلستي منح الثقة والتعديل الدستوري مخالفاً للائحة الداخلية للمجلس، ولم يتوفر له النصاب المطلوب، ويصادر حق الشعب في إجراء الانتخابات.

أمنياً وعسكرياً، حذرت مجموعة من قادة عملية بركان الغضب وقيادات أمنية وعسكرية في المنطقة من فرض حكومة موازية (برئاسة باشاغا)، واعتبروها بمثابة تمكين لمن قاد العدوان على طرابلس (حفتر)”.

وهذا التحالف الذي ضم كلاً من حكومة الوحدة، والمجلس الأعلى للدولة، وعشرات النواب، وقيادات أمنية وعسكرية، يستهدف بالضرورة حرمان حكومة باشاغا من العمل في طرابلس.

وكان من المنتظر، بحسب تصريحات الدبيبة، أن يعلن المجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي، دعمه لخيار الانتخابات، أو بمعنى آخر تحالفه مع الدبيبة، إلا أن ذلك لم يحدث، ما يرجح أن المجلس ما زال لم يحسم موقعه بعد في انتظار من تميل إليه الكفة، أو أن أعضائه الثلاثة لم يتفقوا على قرار موحد بعد.

ترتيبات أمنية بطرابلس

لا يبدو باشاغا مكترثاً بالتحالف الذي تشكل لمنع حكومته من العمل في طرابلس، بل شدد عقب منح تشكيلته الوزارية الثقة، أن حكومته ستتسلم مهامها من طرابلس بكل سلاسة“.

وكشف أن لديه ترتيبات مع الجهات الأمنية والعسكرية لإكمال عملية التسليم والتسلّم بشكل سلس“.

فباشاغا كان وزيراً للداخلية في حكومة الوفاق (2018-2021)، وأشرف على تشكيل عدة وحدات أمنية، كما كان أحد قادة الثورة ضد القذافي في مدينة مصراتة والمتحدث باسم مجلسها العسكري في 2011، ومن أبرز القيادات التي تصدت لهجوم حفتر على طرابلس في 2019.

فعندما يتحدث باشاغا عن ترتيبات مع الجهات الأمنية والعسكرية في طرابلس، فعلى الأغلب يقصد الوحدات الأمنية التابعة لوزارة الداخلية، خاصة تلك التي أشرف على تشكيلها عندما كان الرجل الأول في الوزارة، وأيضاً الجيش النظامي في المنطقة الغربية بقيادة محمد الحداد قائد الأركان (من مصراتة).

لكن المفتاح الحقيقي للسيطرة على مقر الحكومة في شارع طريق السطة بطرابلس، والمقرات السيادية الأخرى، هو إقناع الأمن الرئاسي المكلف بحماية هذه المقرات، بتغيير ولائه، وحينها لن يحتاج باشاغا لاقتحام هذه المقرات بقوات من خارج طرابلس.

وهذا الأمر ليس نادراً في طرابلس، التي شهدت عدة حالات من هذا القبيل، آخرها عندما عزل المجلس الرئاسي قائد المنطقة العسكرية بطرابلس عبد الباسط مروان، فتحركت القوات الموالية له للسيطرة على المقرات السيادية بينها وزارة الدفاع، دون إراقة دماء؛ لأن القوات التي تحرس هذه المقرات هي نفسها التي استولت عليها.

وحدث هذا الأمر بنفس الشكل عندما دخل المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق طرابلس في مارس/آذار 2016، رغم تهديد حكومة الإنقاذ باعتقال أعضائه، ولكن بعد أشهر سلَّم الأمن الرئاسي الخاص قصور الضيافة (مقر مجلس الدولة) لحكومة الإنقاذ.

وبناء على هذه الخبرة، فإن باشاغا يملك مفاتيح دخول طرابلس ولكن بأي ثمن، لأن الدبيبة، الذي يُظهر قدرة غير اعتيادية في المناورة السياسية مع من يوصفون بأصحاب العقد والربط، جهز نفسه لهذا الاحتمال بعد تشكيله لما يسمى قوة دعم الاستفتاء والانتخاباتووضعها تحت سلطته المباشرة بصفته وزيراً للدفاع، وأيضاً استقدام أنصاره في مصراتة نحو 300 عربة مسلحة إلى طرابلس استعداداً لأي مواجهة.

فتسلُّم باشاغا للسلطة من الدبيبة، في ظل هذا الاحتقان والتحشيد الشعبي والعسكري من المستبعد أن يكون سلساً، إلا إذا تدخلت أطراف سياسية (المجلس الرئاسي) واجتماعية (أعيان مصراتة) لمنع نشوب أي مواجهات مسلحة سواء في طرابلس أو مصراتة بين أبناء المدينة الواحدة.

جلسة مثيرة للجدل

أحيطت جلسة منح الثقة لحكومة باشاغا بالكثير من الجدل القانوني والسياسي، حيث اعتبر مجلس الدولة وحكومة الوحدة، أن هذه الحكومة الجديدة غير شرعية؛ لأنها جاءت بدون توافق بين مجلسي النواب والدولة كما ينص على ذلك الاتفاق السياسي.

وأثير نقاش حاد بشأن النصاب القانوني لشرعية جلسة مجلس النواب لمنح الثقة، ولم يتم الاتفاق حتى على عدد النواب الذين يمثلون النصاب (النصف +1) هل هو 83 نائباً أم 89، وتأجل التصويت من الإثنين إلى الثلاثاء، نظراً لعدم بلوغ النصاب، حسب وسائل إعلام محلية.

لكن بحسب المتحدث باسم مجلس النواب عبد الله بليحق، فإن 92 نائباً من إجمالي 101 حضروا الجلسة، منحوا ثقتهم لباشاغا.

بينما قال النائب محمد لينو، لقناة ليبيا الأحرار، إن جلسة النواب لم تبلغ النصاب أصلاً؛ حيث لم يحضر سوى 78 نائباً، بينما النصاب القانوني اللازم لعقد الجلسة هو 88، ولمنح الثقة يجب تصويت 87 نائباً وهو ما لم يحدث.

بينما تمت المناداة خلال جلسة التصويت التي بثت على الهواء مباشرة على 87 نائباً، ما طرح التساؤل حول مصير النواب 14 الذين قيل إنهم حضروا الجلسة.

وما أثار الشكوك أكثر حول حدوث تزوير خلال جلسة البرلمان، نفي عدد من النواب مشاركتهم في التصويت، وأنه تمت المناداة باسمهم (خلال التصويت) رغم عدم حضورهم، ومن بين هؤلاء عبد النبي الصالحين، وصلاح الزوبيك، وإبراهيم كرنفودة“.

وهذا ما دفع الدبيبة لتوجيه انتقادات حادة لرئيس مجلس النواب عقيلة صالح، وقال إن البرلمان توجه إلى التزوير والتدليس في الأصوات بعد عدم تحقيقه النصاب القانوني“.

بينما اعتبر باشاغا أن منح الثقة للحكومة جرى بطريقة نزيهة وعلنية وواضحة وبإرادة ليبية“.

ودولياً، لم تعلن سوى روسيا دعمها لحكومة باشاغا، وكان غريباً تأخر مصر عن مباركتها للحكومة الجديدة، رغم أنها أول من أيَّد اختيار باشاغا رئيساً للحكومة في 10 فبراير/شباط الماضي.

نواب وأقارب بالحكومة

ما ميَّز حكومة باشاغا أنها لم تتمكن من التخلص من سياسة الترضيات، وبدلاً من حكومة كفاءات لا تتجاوز 18 وزيراً، لجأ الأخير لتشكيل حكومة ترضيات لنيل ثقة النواب، لذلك كانت حكومته موسعة وضمت 3 نواب لرئيس الحكومة و30 وزيراً و6 كتاب دولة.

وأكثر ما أثار انتقادات لهذه الحكومة تضمنها أسماء لنواب، رغم أن المادة 177 من النظام الداخلي للبرلمان، تنص على أنه لا يحق لعضو المجلس أثناء عضويته الترشح لمنصب رئاسة الوزراء أو وزير..”.

كما تضمنت الحكومة الجديدة عدة أسماء لأقارب نواب، وشخصيات مقربة من حفتر، على غرار نائب رئيس الحكومة علي القطراني، النائب السابق لرئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق.

وأيضاً أحميد حومة، وزير الدفاع، الذي كان يشغل منصب النائب الثاني لرئيس مجلس النواب، الداعم لحفتر، وزار الولايات المتحدة في 2019، للدفاع عن الهجوم على طرابلس، ومن المتوقع أن يلعب دوراً في توفير غطاء قانوني لحفتر لوقف ملاحقته في محكمة فرجينيا الأمريكية.

وبعد منح حكومة باشاغا الثقة، ابتعد الحديث عن إجراء الانتخابات، وأصبح النقاش مرتبطاً أكثر حول أي من الحكومتين أكثر شرعية من الأخرى، وهل سيؤدي هذا الانقسام إلى تجدد المواجهات المسلحة بعد أكثر من 14 شهراً من اتفاق وقف إطلاق النار؟

_______________________

مواد ذات علاقة