مصطفى صلاح

مع ارتفاع حدة الأزمة الاوكرانية، وزيادة احتمالات نشوب حرب، قد لا يحمد عقبها ثارت معها العديد من المخاوف والتساؤلات حول امدادات الطاقة والغاز من روسيا إلى أوروبا واحتمالات توقف هذا الامداد في حالة نشوب الحرب أو حتى في حالة استخدام الدول الغربية ومعهم الولايات المتحدة الامريكية سلاح العقوبات ضد روسيا، ومن هنا بدأت الدول الأوروبية بالبحث عن مصادر جديدة لسد احتياجاتها من الطاقة، والتي ارتفعت في أوروبا منذ الإعلان عن احتمالات انقطاعها نتيجة الحرب.

والجدير بالذكر هنا أن أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا ارتفعت بنسبة 14%، كما ارتفعت أسعار النفط 1%، بعد أن أعلنت الولايات المتحدة إن روسيا قد تغزو أوكرانيا قريبًا.

وفي ظل السعي الأوروبي للبحث عن مصادر بديلة للطاقة في حال قطع روسيا امداداتها من الغاز دخل الغاز الليبي في قائمة مصادر الطاقة المحتمل تصديرها إلى أوروبا بديلا عن الغاز الروسي في حال اندلاع حرب في أوكرانيا، بعدما كثفت شركات عالمية كبرى مشاوراتها مع المؤسسة الوطنية للنفط بشأن زيادة الإمدادات للسوق الأوروبية؛ إذ تمتلك ليبيا مخزونات كبيرة من الغاز باحتياطي وصل إلى 54.6 تريليون قدم مكعب، وهو ما وضعها في المرتبة 21 عالميًا في الاحتياطات، ولذلك جاءت ليبيا ضمن دائرة الضوء بقوة باعتبارها أحد مزودي القارة الأوروبية بالغاز بعد روسيا والنرويج والجزائر.

بالإضافة إلى ذلك فإنن البنية التحتية الليبية لتصدير الغاز لأوروبا جاهزة وموجوده؛ لأن الغاز الليبي جزء مهم من إمداد أوروبا عبر التيار الأخضر (خط الأنابيب الذي يبلغ طوله 520 كيلومترًا الذي يربط ليبيا بإيطاليا)”.

أولا: أهمية متصاعدة

على الرغم من أن أمدادات الغاز الليبي إلى أوروبا لن تكفي الاستهلاك الأوروبي من الطاقة إلا أنه سوف يصبح ذو أهمية بالنسبة للأوروبيين، لسد العجز حتى ولو جزئيًا بعد انقطاع الامدادات الروسية في حال نشوب الحرب.

وربما يفسر ذلك الاسباب الأوروبية والمحاولات الامريكية المتسارعة خلال الفترة الماضية نحو ضرورة استعادة الاستقرار في ليبيا وإجراء انتخابات خلال الفترة المقبلة، في ظل رفض روسي داخل مجلس الامن بقبول ستيفاني وليامز كمبعوث من الامين العام إلى ليبيا بهدف عرقلة الحل السياسي في ليبيا أو إطالة الأزمة، وهو الامر الذي قد يؤثر على أوروبا باستمرار الأزمة الليبية التي تسبب تهديد للدول الأوروبية نهيك عن استمرار توقف امداد الغاز الي أوروبا.

ومن ناحية أخرى، تدرك روسيا أن الاستقرار السياسي في ليبيا يعني قدرة أوروبا على مساعدة ليبيا والاستثمار في تطوير قطاع الطاقة به، وهو ما يجعلها سوق نشطة تغني القارة عن الغاز الروسي، الذي يعد بطاقة موسكو للضغط على الناتو، فالأطراف الدولية تدرك أهمية الدور الذي تلعبه ليبيا في قضايا الطاقة، فهي تعد نقطة مهمة لإمداد المواد الهيدروكربونية، وهذا ما تدركه روسيا من طرف وأوروبا وواشنطن أيضًا خاصة وأن قطاع الطاقة الليبي يعاني نتيجة الاضطرابات السياسة التي تشهدها البلاد منذ عام 2011، وهو ما انعكس على قطاع الطاقة تحديد فمن المتوقع أن ينخفض إنتاج الغاز الليبي خلال العامين المقبلين بسبب عدم صرف الميزانيات، والبيروقراطية التي تواجهها مؤسسة النفط الليبي، كما يدرك مُستثمرون كبار في قطاع الطاقة بليبيا هشاشة البنى التحتية.

كما أن الولايات المتحدة تحاول التأكد من أن دول الاتحاد الأوروبي لا تعاني نقصا في الطاقة حال تطور الأوضاع في أوروبا الشرقية، خاصة أن الغرب يخشى رد موسكو على أي عقوبات إضافية ضدها في حالة تزايد الاضطرابات من خلال تقليص تدفق الغاز إلى أوروبا، وهو المحرك الرئيس الذي يدفع بالدول الأوروبية والولايات المتحدة نحو التواصل مع موردي الغاز الطبيعي الرئيسيين لإمداد أوروبا حال اندلاع صراع حول أوكرانيا، ومن بينهم ليبيا.

 ثانياالدوافع الأوروبية للاهتمام بليبيا

حظيت الأزمة الليبية على مدار السنوات الماضية باهتمام كبير من جانب دول أوروبا؛ حيث لم تكن الطاقة وحدها هي سبب الاهتمام الأوروبي بليبيا، hلدولة التي تقع في جنوب البحر المتوسط ولا يفصلها عن دول جنوب القارة الأوروبية إلا البحر، وهو الامر الذي زاد من مخاوف الأوروبيين في إطار نظرية الأمننة التي تحاول حماية القارة الأوروبية من خطر الهجرة والارهاب، ويفسر ذلك أن الغاز الليبي ربما لا يمثل في الوقت الحالي أهمية قصوى، بل سيصبح في خطط أوروبا وذو أهمية قصوى بعد اتضاح أزمة أوكرانيا، وتحديدا بعد التعرف على الموقف الروسي هل ستغزو روسيا اوكرانيا أم لا.

فحالة الفوضى التي شهدتها ليبيا منذ اندلاع ثورة 2011، وحتى يومنا هذا جلها ساحة للتفاعلات الدولية والاقليمية حيث انتقل عدد من المرتزقة والإرهابيين إلى ليبيا للمشاركة في الصراع المسلح الدائر هناك فضلا عن ارتفاع معدلات الهجرة من ليبيا إلى أوروبا حتى أضحت بلد منشئ ومصدر ومرور للمهاجريين غير النظاميين.

ويشار هنا إلى تنوع اسباب الاهتمام الغربي بالأزمة الليبية فبعض الدول مثل إيطاليا أكثر انخراطا لأن ليبيا تقع على الشاطئ الرابع لشبه الجزيرة، وهي منطقة إسقاط دولي استراتيجي لإيطاليا، وبالمثل بالنسبة لفرنسا، فليبيا جزء من منطقة تمارس فيها نفوذها، بينما يأتي الاهتمام من بعض الدول الأوروبية مثل ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا في إطار أن ليبيا جزء من ملف البحر المتوسط، حيث تمر القضايا الأمنية مثل مكافحة الإرهاب أو الهجرة، كما أن الاهتمام يأتي ضمن المواجهة مع لاعبين عالميين مثل روسيا والصين.

ثالثا: معوقات متعددة

يوجد مجموعة من المعوقات التي قد تواجه ليبيا في أن تكون مصدر بديل للطاقة في أوروبا وهي:

1.     غياب ميزانية لصيانة الآبار المتهالكة والاعتماد المفرط على البترول قد يضيع على ليبيا فرصة لعب دور المدى القصير، في حل معضلة الغاز.

2.     أزمة أوكرانيا ستضر بليبيا وليس العكس، لأن أوروبا سوف تنشغل بالصراع أكثر من الملف الليبي.

3.     الوضع السياسي المضطرب في ليبيا يعد أكبر معوقات هذا المشروع خاصة في ظل تنوع الفاعليين ما بين اقليمي ودولي ومحلي واختلاف مصالحهم، في الأزمة الليبية؛ حيث يسعي كل طرف استغلال الأزمة من أجل تعزيز اماكن نفوذه وموقفه دوليًا وداخليًا.

4.     الخلاف الليبي الليبي بالأساس سوف يكون أحد العوامل المؤدية إلى تفجر الصراع وعدم تمكين ليبيا من تصدير الغاز إلى أوروبا

5.     احتمالات ان تقوم روسيا في ليبيا من خلال شركة فاغنر الروسية، بعمليات عسكرية تستهدفه به تدمير البنية التحتية لإمدادات الغاز الليبي لأوروبا أو القيام بأعمال تخريبية في آبار الغاز المكتشفة تعيق عملية امداد الغاز على المدى القصير لأوروبا.

في الختام:

عملت الأزمة بين روسيا والغرب حول أوكرانيا على زيادة الاهتمام بالدول الأخرى التي قد تقدم بدائل لتدفقات مصادر الطاقة الروسية إلى الدول الأوروبية، وتعتبر ليبيا في القلب من هذا الاهتمام ومن ثم تصاعد الاهتمام بضرورة تسوية الأزمات المرتبطة بها. وعلى الرغم من المميزات التي قد تستحوذ عليها ليبيا من هذه الأزمة إلا أن هناك مجموعة من المعوقات التي يتطلب تسويتها قبل الاعتماد عليها وهو ما قد يكون فرصة أخرى لروسيا لتعزيز صدامها مع الغرب.

_____________

مواد ذات علاقة